علي كنعان: سـدرةُ الرُّوح (إلى دمشق، واقعا ورمزا وتراثا.. بعد عشرين دهرا من الغياب)

   

علي كنعان

ها أنتَ في الشامِ.. بين الوجدِ والوجَلِ    ولهانَ تخلطُ بين الخمرِ والخبَلِ

فكيف تَـقـوى على جمرِ العناقِ؟ وهل    أبرمتَ في عشقِها وعداً مع الأجَلِ؟

بارِكْ جنونَك.. واسـجدْ دون روعتِها      دمشقُ  أيقونةُ  الدنيا  بلا  جدَلِ

لا تسألِ الحربَ عن أطيافِ أندلسٍ      وإن  أحالت  مغانيها  إلى  طلَلِ

نـاجِ اليـمـامَ الذي آخَى أهـلَّـتَــها           وامسحْ  معالمَها  الشَّمّاءَ  بالقُـبَـلِ

ريحانةُ الروحِ سوريّا.. وسدرتُها        وما لها في رحابِ الكونِ من مَـثَـلِ

لـو أنَّ أرواحَـنا طافَـتْ بكعـبـتِـها         يومًـا لما مُـنِـيَـتْ بالخِـزيِ والخـطَـلِ

ماذا أقولُ لها إن أشعلتْ وَجَعي     حتَّى تموجَ ضفافُ الكون بالشُّعَلِ؟

وحبُّها مثلَما يرويه لي بردى:         بحرٌ.. وليـس لنا منه سـوى الوشَــلِ

أَلله!.. لو أستطيعُ الموتَ ملتحماً   بصدرها، وهي حضنُ اليائسِ الرَّهِلِ

أو أختفي.. وأريقُ العمرَ معتكفاً        في ظــل زقُّــومةٍ نـاريَّـةِ الأُكُــلِ

                .   .   .

يا صحبةَ الزمنِ الغالي، سلامَ أخٍ        لم يـبقَ منه ســـوى فــزَّاعةٍ ثــمِـلِ

في بابِ توما أو الميماسِ سهرتُـنا      كانت تضيءُ سماءَ الوجدِ بالأملِ

قلبي على الدرَّةِ الشّهباءِ، يا وجَعاً        يسـتـبـطـنُ الروحَ آباداً من العـلـلِ

وحمصُ، كم أشتهي لو تحتفي بدمي    على بساطٍ من العاصي بلا ظُللِ

أو أودعُ القلبَ في حضنِ الفراتِ عسى   أن يطفئَ الجمرَ في تيّاره الخضِلِ

هـل تذكـرُ الـرّقـةُ الـزهـراءُ مصرعَها          ودورُهـا كُـتَـلٌ دُكّـت على كُـتَـلِ

مصيفُها كان لـلـمأمـون مـنـتــجَـعـاً            ولـلعجـيـليِّ دار العـلـمِ والعـمـلِ

يا أختَ حطّينَ، هـبّي عِـزّةً وقـفي           جـبّــارةً فـوق هـام “الـبالةِ” الـذُّلـلِ

جار المغولُ على أهليكِ وانتهكوا           سرَّ الحياةِ بلا حسٍّ ولا خجلِ

عهدٌ على الشّـامِ أن تلقاكِ زاهيةً            وتلبسي للتحدّي أنضرَ الحللِ

.   .   .

يا غربةً كان طعمُ الموتِ في يدها     أشهى لو انتابني من أقصر السُّبُلِ

والنخلُ تُرخي على مهدي ضفائرَها     أمًّا كـمريمَ، لم تقـربْ غِـوى رجُـلِ

حـرِّيَّـة الفكرِ أغلى عِـزةً.. وهدًى         مـن الحـياةِ بلا مَـنٍّ.. ولا زعَـلِ

يحكون عن داعشٍ ما لا يطاقُ وفي    صُلبِ الفسادِ بذورُ الداعشِ الجَلَـِلِ

أيَّ الدواهي غرســنا في مدارســنا         حـتّـى جـنينا مآسـي وقـعةِ الجـمـلِ

جهالةُ الـرملِ شـاعت في مـدائـنـنـا         واستفحلت في قـرانا طُغمةُ الدولِ

وحولها من حثالاتِ الدبا([1]) عُصَبٌ         مـوبـوءةٌ بـضروبِ الغِـلِّ والزَّغـلِ

حقـدُ الصحارى سُعارٌ لا حدودَ له         هـل يُـبرئ الدمُ ما فيها من الغُلَـلِ

غـزوُ العراقِ تـولّى رســـمَ نـكـبــتــنـا          واستكملوا سحقَنا في السهلِ والجبلِ

.   .   .

بني براقشَ! ما جدوى عروبـتِـكم     وحـبـرُ تـاريخِـكـم خـزيٌ عـلى دجـلِ

شـكَّـت فلسـطـينُ فـيكم نارَ لعـنـتِــها     فهل تسـاوون فـيها قِـشرةَ البصلِ؟

جُـنَّ الغـرابُ وكاد الـقـهـرُ يصرعُه     من لـوعةٍ تـتـشـهَّى كرجةَ الحجلِ

                                .   .   .

يا عصبةَ المركبِ الغافي على جُرفٍ     هارٍ.. بلا دفّةٍ تُـرجَى ولا دقَـلِ

هـل تـدركـون غـداً آمـادَ غـفـلـتـِكـم؟          كفى مِراءً.. يلفُّ السمَّ بالعسلِ

قِـفــوا أمامَ مـرايـاكـم عـلى حـذَرٍ             فربَّـما دُسَّ فيها صاعـقُ الزَّلَـلِ

وربَّما كان في قرص الدواء أذًى          لا تحسبوا أنه خالٍ من الـزَّغَــلِ

لا تغـفـلوا عن حرابِ الغدرِ مغمدةً         فالـذئـبُ قـد يـتـزيّا فـروةَ الحـمَـلِ

والأطلسِـيُّ وبـاءٌ لا دواءَ لـه              غير التصدِّي بلا عذرٍ ولا كسلِ

داءُ الغـرورِ وبـيـلٌ فـي جـرائـره           والموتُ أجدى له من مسحةِ الرسُلِ

.   .   .

يا شـامُ رجّي عظامي في سكـينتِها        وحـوِّلـيها.. إلى غـابٍ مـن الأســــلِ

لا أطلبُ الثأرَ كالبدوِ الجُفاةِ عمًى بلْ أدفع الضّيمَ عن قومي وعن مُثُـلي

يا أيكةَ العِزِّ، يا دارَ الأمانِ خـذي        ما شئتِ من أجَلي الباقي.. ولا تَسَلي

وهـلِّـلي فـرحاً كُـرمَى خلاصِك مـن         ظـلِّ المـلـوك ومن هـاماتِـها الأوَلِ

ماذا أقـولُ عن الأعـداءِ يا وطني          حـثـالـةٌ تغــتـذي بالضّـبِّ والجُـعَلِ

بـيـن العـروبـةِ والأعـرابِ هـاويـةٌ            بلا قـرارٍ، فـحـاذرْ كـبـوةَ البـطـلِ

.   .   .

يا حبَّها، شُكَّ روحي في لظى جسدي     (كالموتِ مستعجِلاً يأتي على مهَلِ)[2]

لا تَـنكـفئْ كضـريرٍ طـارَ مـن يـده          عـكّازُه  فهـو  كالـمحـكـومِ  بالشَّــلَـلِ

ولا يرُعْـكَ احـتـراقي حســرةً وجـوًى          (هل من غريقٍ شكا يوما من البللِ؟)[3]

فالكـونُ لولا جلالُ الشام ما اكتنزت       آلاؤه  نِعَـماً من  جـوهـرِ  الأزلِ

([1]) الدبا (بفتح الدال): الجراد .

([2]) مسلم بن الوليد (صريع الغواني)

([3]) عن المتنبي بشيء من التصرف.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here