علي كنعان: رواية “الحي الروسي” وتشريح الصراع العشوائي

علي كنعان

أتيح لي أن أطلع، قبيل أسابيع، على رواية “الحي الروسي” لخليل الرز، وأعود إلى قراءتها بأناة من جديد. وهي في رأيي من أجمل وأهم الأعمال الإبداعية السردية التي قرأتها خلال السنوات الأخيرة. عمل روائي منسوج بأسلوب عميق، وأناة رصينة، وعلاقات ودية هادئة، رغم وجود زعيم البلطجية بوريا، رمز الصراع الحربي بكل ما فيه من عبث عشوائي رهيب، دون ذكر أية قضية وطنية أو اجتماعية. والرواية تطرح في قراءتها مستويات عدة: فالمستعجل يتعلق بصور الزرافة والنعامة وسائر الحيوانات، إلى جانب العصفور والقطة والكلب، إضافة إلى جريدة الحائط.. ويرى أنها قريبة من قصص الأطفال. ولعل سحر النسيج اللغوي وروعته يسهمان في هذا الانطباع. لكن قراءة ثانية متأنية تفتح أمام القارئ فضاء واسعا من رؤى ودلالات وإيحاءات عديدة، واقعية ورمزية وتعبيرية وحتى سوريالية.. ويمكن أن نعدها نوعا من الكوميديا السوداء أو المأساة الساخرة. عمل سردي مكتوب بتفاصيل دقيقة تذكرنا بأسلوب المنمنمات في رسوم كبار التشكيليين. ويكفي هنا أن نتأمل الفصل (II) من باب (نونا والزرافة)، على سبيل المثال. فالكاتب المسكون بعشق اللغة يعبر بلسان الزرافة ما تعرضه الشاشة من تارخ تراجيدي-هزلي عبر نصف قرن من حياة جيلين، إن لم نقل ثلاثة! ولن يفوتني هنا أن أضع على عاتق جيلنا مسؤولية جميع الهزائم والكوارث التي عشناها…

تبدأ الرواية بهذا المشهد اللافت: “على سطح حديقة الحيوانات في الحي الروسي كان تلفزيوني الـ 14 بوصة يعرض، من طربيزة قريبة من خطم الزرافة، مباراة من الأرشيف بين إسبانيا والأروغواي. كنت أسمع أصوات المدافع القريبة (…) وأشاهد أهدافا بالية سجلت قبل خمسين سنة في مدريد…” وينهي هذا المقطع المفتاح بالوبر على شفتي الزرافة وهو يكاد يلامس “اللاعبين البائدين والمتفرجين البائدين والعشب البائد في ملعب كرة القدم.” الإشارة إلى الخمسين سنة في هذا المقطع هي أول ما يلفت الانتباه، لأن عمر المعاناة الوطنية والشعبية لا تقل عن هذا الرقم. وتشكل الرواية بنية دائرية تبدأ بالزرافة وعلاقة الراوي بها والتلفزيون وما يعرض، إضافة إلى حديقة الحيوانات، وتنتهي بمصرع الزرافة والعلاقة الحميمة التي تربط بين الزرافة والراوي، وكأنها علاقة بين الأم وابنها. والحسرة الفاجعة التي يشعر بها القارئ لمصرعها تؤكد، بإيحاءاتها الواقعية والرمزية، أنها كائن أسمى من عادي بين الناس والحيوانات معا وهي ترقى أحيانا إلى صورة مثالية أسمى من أي كائن آخر، وهي ترقى أحيانا إلى صورة مثالية مهيبة. وذلك أنها كانت تصغي حتى لهواجس الراوي وتفهم صمته ولغة الصمت، وهي أبلغ من كل كلام، كما تفهم بالتخاطر ولغة العيون مع الكائنات الأخرى.

راوي الأحداث هو الكاتب الذي كان مترجما في صحيفة أنباء موسكو قبل أكثر من عشرين سنة، يسكن على السطح التابع لحديقة الحيوانات، ومعه صديقته نونّا، وهو يترجم مقالات لجريدة الحائط. وعلى مقربة من حافة السطح جهاز تلفزيزيون قديم (بالأبيض والأسود) تطل عليه الزرافة برأسها لتشاهد ما يعرضه من أحداث ذلك الصراع العبثي: قصف طيران من جهة، وقصف صواريخ وتفجير سيارات من جهة الغوطة الذي يطلق عليهم الراوي صفة “جيراننا”! ولعل اختيار الكاتب “الحي الروسي” عنوانا لروايته إشارة إلى أن الأحياء التي يسكنها الأجانب تظل في مأمن نسبي من الصراع في بلدان العروبة والإسلام، لأننا نراعي أمن الأجانب وسلامتهم بحرص أشد مما يراعي بعضنا بعضا!

وفي فصل (الزرافة وأمي) يعود بنا الراوي إلى أعجوبة صندوق الراديو في ستينات الريف واجتماع الأهالي لسماع بكائيات حضيري أبو عزيز، ويقدم صورة رمزية مكثفة لتاريخ العسف والاضطهاد من خلال ما كابدته الأم من زوجة عمها، رغم حماية الجدة/ التراث، موحيا بأسلوبه الشاعري أن الظلم والقهر في حياتنا العربية يبدأ من البيت، كما يشير بإلماحة شفافة إلى أن الرياضة في بلادنا ليست لتنمية الأبدان واكتساب المناعة، وإنما هي للتخدير، وذلك من خلال مباراة الأرشيف التي كان يشاهدها مع أمه قبل خمسة عشر عاما، وكان اهتمامه بمشاهدتها أشد من عملية بتر رجل أمه بسبب السكري، وضرورة المحافظة عليها لتدفن معها!

هناك خيط رفيع من السخرية الشفيفة يتخلل فصول الرواية كلها، وقد يتقاطع هذا الخيط ويشتبك مع الحالة العبثية الضارية والخفية لأسباب الصراع الدامي لهذه الحرب. والتفاصيل التي يسكبها الراوي في كل مشهد، مهما كان بسيطا وعاديا، تزيد من فظاعة هذه الحالة السوريالية. وحتى السماء تشارك بذلك، ويتساقط الثلج ليلغي المواجهة الحاسمة بين بطل الحي الروسي عصام والبلطجي بوريا.. ويكرر الراوي كلمة “ثلج” ثلاث مرات متتالية في ثلاثة أسطر، كتساقط الثلج فعلا، إمعانا في السخرية من حدث لا يد لأهل الحي فيه، كما كرر مشاهدة المباراة. وإذا كانت أهداف (الجيران) في الغوطة تركز على شارع الملاهي وما فيه من “أوكار الكفر والزندقة”، فإن مشاهد القتل والتنكيل والتدمير تنطلق من نزعة سادية مبهم لا يشعر القارئ بأي مسوغ واقعي أو أخلاقي لها.

يفاجئنا الراوي في الفصلين (الخامس والسادس) بقصة المعلم المتقاعد أوركادي كوزميتش، وربما خطر لنا أن هذه القفزة إلى موسكو دخيلة على النص، ثم نعلم أن ابنته متزوجة في الحي الروسي بدمشق وهي التي دعته للمجيء إلى دمشق بعد وفاة زوجته. وثمة أكثر من سبب مقنع لسرد قصته، فهو لا يحب الحرب ويرى أنها عمل إجرامي وجنوني أيا كانت أسبابها. وهو كاتب عاثر الحظ لم توافق دور النشر على أي من أعماله. وقد استيقظ باكرا على رائحة شواء قريب ورائحة بلاستيك محترق، بعد مرور طائرة وسماع قصف قريب، وارتبط ذلك بذكرى رواية حب كان قد بدأها بهجوم طائرة ألمانية أثناء الحرب قصفت المدرسة لتتقل تلميذ الصف التاسع شاسا، بينما بقيت صديقته تانيا، وهي الراوية. وأركادي يستفيد من رائحة البلاستيك ويقرر إغناء مخطوطته بهذه المعلومة. ولعل القارئ يشعر بأن هذه النقطة هي الحدث الإيجابي الوحيد والمفيد، ولو لأركادي وحده، في ظروف الحرب الدائرة حول الحي، وذلك من باب “شر البلية ما يضحك”!

توجه عصام إلى الغوطة موقف لافت.. وقرار المحكمة الشرعية بإعدامه بتهمة الزنا بامرأة مغربية مسلمة يعيش معها تحت سقف واحد بلا عقد نكاح شرعي، وكذلك عودة صالح من الغوطة خوفا من حكم مشابه، لأنه أعاد جثة عصام إلى الحي الروسي لتقام له جنازة لائقة، والواضح أن خصمه بيريا خرج من الحانة مباشرة ليخبر أسياده بموعد الجنازة، دون أن يشير الراوي إلى ذلك، لكن غياب البلطجي نهائيا من الأحداث والتظاهرة الجوية، مصحوبة بالتصوير التلفزيني، فوق موكب الجنازة يوحي بذلك…

إن أهمية أي عمل إبداعي تكمن في غنى دلالاته وإيحاءاته المتعددة واختلافها بين قارئ وآخر، لأن المتلقي يستكمل العمل وفق وعيه وثقافته وموقفه من أطراف الصراع الدرامي. وفي تصوري أن اللغة هي البطلة والشخصية المحورية في هذا النسيج الروائي المشغول بأناة وإتقان، لقطة لقطة ومشهدا مشهدا، ويكفي أن نتأمل بعض هذه المشاهد: بدءا من إطلالة الزرافة حتى مصرعها في الختام، إضافة إلى جولة الكلبة رئيسة بتروڤنا، مرورا بالتلفزيون وما يعرض، وحياكة لونّا وصورة العصفور على ما تحوك، وبطلجية بوريا وحكاية عصام ومشهد التحدي له، وهو بطل الجمهورية بالرمي ثم غيابه ومصرعه وجنازته، ومجلس العم وصورة الأم مع الراوي، وتجوال الكلب موستاش بحثا عن رئيسة بتروڤنا.. إضافة إلى مشاهد أصغر لاستكمال الملحمة الشعبية، مثل (الحي الروسي الموصوف بأنه “برزخ هش”، النازحون النيام في سينما غرناطة ومشهد هزيمة نابليون، الأستاذ معين- أمين المكتبة في المركز الثقافي والغبار المتراكم على الكتب، والأستاذ أبوعلي سليمان ودكانه “المحترم” وزوجتاه، والساعاتي القدير واللمثل المسرحي عبد الجليل حجازي.. وغير ذلك كثير). ولعل لعبة الزمن أخطر ما في الحياة، ويكفي أن نتأمل مشهد الزمن في الحي الروسي في الصفحات (78-80) وأصابعه “الحارة (…) المجربة في معالجة صورة عصام وإدخال التعديلات الضرورية” على الأحداث “لولا تدخل التلفزيونات”. إن سطوة التلفزيون تبدو كالكابوس في مجرى العمل كله، وخاصة أن العاملين فيه هم الذين يغسلون الشارع من آثر دم الزرافة.

قد يخطر لقارئ ما أن الراوي لا يتخذ موقفا واضحا من الصراع، إنما يكتفي بتصوير لقطات خاطفة وعرضها بهدوء حيادي، تعبيرا بقلمه أو استعراض ما يشاهد في التلفزيون، لكن اختيار اللقطة أو المشهد في العمل الفني يؤكد موقف المبدع وانحيازه لموقفه الإنساني، تأييدا أو استنكارا، لأن العمل الإبداعي ليس بيانا سياسيا.. ولا خطبة إمام جمعة.

كلمة هامشية: أود التأكيد أن هذه قراءة شخصية وليست دراسة نقدية ولا علاقة لها بأي فكر مؤدلج، إنما هي انطباعات أولية لقارئ عادي يعشق السرد الروائي/ ملحمة العصر، وإن أضاع 75 سنة من عمره في الشعر ولغته المجازية الملتبسة، وأود التأكيد أن قراءة العمل الإبداعي أهم من الكتابة عنه بكثير، وقراءتي هنا ليست أكثر من دعوة لقراءة هذا العمل الجميل، رغم ما فيه من مرارات موجعة. وهمسة أخيرة: أود أن أقرأ للكاتب رواية شخصيتها المحورية مدينة الرقة، تمزج التاريخ بالواقع، بدءا من كونها مصيف الرشيد.. حتى دولة داعش، مرورا بعدد من مبدعيها وأعلام الفرات عامة، من أمثال عبد السلام العجيلي، عبد القادر عياش، الشيخ محمود مشوح، محمد الفراتي، الشاعر إبراهيم الجرادي، إبراهيم الخليل، عبد الغفار شعيب.. وآخرين. رغم خجلي من هذا الاقتراح الطفولي، لكن لا تقل للمغني “غرِّد”.. يكفي أن تهمس: “آه”!

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here