علي كنعان: “بنات حواء الثلاث” لشافاكرواية فكرية تنويرية تُعلِّمنا

علي كنعان

انتهيت أمس من قراءة “بنات حواء الثلاث” للروائية التركية أليف شافاك (شفق)، وهي رواية فكرية متعبة بقدر ما هي ممتعة ومفيدة. كاتبة أكاديمية متألقة، تمتلك مخزونا فكريا وثقافيا واسعا، ولا سيما في “التصوف الإسلامي والفكر السياسي الحديث وعلم الاجتماع المعاصر وعلم النفس التحليلي واللسانيات الحديثة” – كما يشير المترجم في المقدمة. وللكاتبة تجربتها الروائية اللافتة، وهي لا تزال في ريعان مسيرتها الإبداعية المتجددة، وأوج اختمار شبابها وهي تقارب الخمسين. وروايتها هذه من ترجمة الأديب العراقي الرصين د. محمد درويش، وقد ترجم ست روايات أخرى للكاتبة ذاتها، وهذا دليل جلي على الأهمية الإبداعية التي تتمتع بها الروائية شفق، فكرا وثقافة وخبرة، حتى واصل د. درويش جهوده الميمونة والمشكورة في هذا المجال، وبخاصة أني أقوم أحيانا بترجمة بعض الأعمال، وأنا مدرك مدى العناء الذي يبذله المترجم في اختيار عبارته، محاولا أن يتحاشى الوقوع في منزلق الخيانة التي تحدث عنها كثيرون بسبب التشابه بين كلمتي: “مترجم وخائن” في اللغة اللاتينية التي أعشقها. وستكون رواية “قواعد العشق الأربعون” للكاتبة والمترجم ذاتيهما.. في أول جدول قراءاتي بعد عودتي إلى دمشق في منتصف هذا الشهر، مثلما كنت منهمكا بقراءة إبداعات ما تيسر لي من شباب سوريا خلال الشهور الثمانية التي أمضيتها هناك، بعد غياب صحراوي مديد، ومن هؤلاء الشباب المتألقين: الشاعر عصام التكروري، الروائي فيصل الجردي، جحيم عادل محمود، أبواب جمانة طه، أخوان الصفا لفراس سواح، كتاب جماعي لأكثر من عشرين كاتبا من الشباب القادمين على الدرب الطموح الصعب، تفضل الروائي الصديق خليل صويلح بإعطائه لي.. وهناك عدد آخر ممن لم تعد ذاكرة العجوز استحضار أسمائهم. وهذا الاستطراد الشامي الأخير من وحي الشاعر عبد الوهاب البياتي الباقي حيا في جيرة الشيخ الأكبر محيي الدين، إذ يقول في إحدى قصائد أباريقه المهشمة: هذا العجوز.. ألا يكف عن الشخير!

وأعود إلى “بنات حواء الثلاث: الآثمة والمؤمنة والمشوشة”، وهن: شيرين الإيرانية، ومنى الأميركية من أصل مصري، وبيري التركية.. والثلاث طالبات في جامعة أوكسفورد يتابعن دراستهن، إضافة إلى حضور برنامج الأستاذ الإشكالي آزور الذي يناقش بحرية مطلقة “موضوع الرب”، ويضع “الدين”، أي دين وأي إديولوجيا، على بساط البحث الحر والجدال الفلسفي بلا إحراج ولا تعصب أو استلاب. ويقوم الأستاذ بتجربة مثيرة فيوحي إلى شيرين التي تجمعها به علاقة عاطفية، فضلا عن التأثر الفكري، أن تقنع منى المتحجبة وبيري الحائرة بالسكنى معا في شقة خارج الجامعة، وكأنه يقوم بعملية مختبرية لمعرفة إن كانت هؤلاء الفتيات المسلمات، وهن من اتجاهات فكرية متناقضة، يمكن أن يصلن بالعقل والحكمة والعيش المشترك إلى مواصلة الحياة معا في مسكن واحد. وهذا السكن المشترك، في الفضاء الرمزي.. وانطلاقا مما يجري في الساحات الإسلامية المعاصرة، يطرح سؤالا مصيريا: هل يستطيع المسلمون، على اختلاف مذاهبهم وأحزابهم وخلفياتهم السياسية والقومية والسوسيولوجية، أن يتساموا على أمراض تناقضاتهم ويصلوا إلى بر الأمان في التفاهم والعمران، إلى جانب سائر الأمم والشعوب، مسترشدين بلقاء “ابن رشد، رائد الفكر الإسلامي المستنير، وابن عربي الطالب الشاب المفعم بالأمل…” (ص: 592) وما انتهى إليه شيخ الصوفية الأكبر، يوم أعلن: “أدين بدين الحب…”.

شيرين الملحدة الآثمة المتحررة من كل شيء.. ومنى المتحجبة والمتشبثة بموقفها العصابي إلى درجة التحجر، هاتان الفتاتان مختلفتان اختلافا جذريا عن بيري الضائعة، والتي لم تصل (إلا في الختام) إلى أي يقين مريح حتى بتعلقها العاطفي بأستاذها، غيرة من شيرين. هذه التيارات الثلاثة تتفاعل وتتصادم، ولها ردود أفعال متباينة مع الأستاذ، حتى تنتهي الرواية بمحاولة انتحار بيري والنجاح في إنقاذها. ومن ثمانينات القرن العشرين، نشاهد بيري الطفلة حائرة بين تدين أمها واستلابها المرضي حتى الخوف من الجن ولجوئها إلى منقذ روحاني دجال.. وبين والدها الماركسي الرافض باستنكار لكل مظهر أو طقس غيبي. لكن وصولها إلى أوكسفورد، استجابة لحلم والدها، وعودتها الفاشلة إلى بلادها، ثم زواجها.. ذلك كله لا يحل مشكلتها، ولا سيما أنها أساءت لأستاذها حين اتهم بأنه هو السبب في محاولة الانتحار ولم تحضر أمام لجنة التحقيق لتبرئته من التهمة، وإن اعتذرت منه هاتفيا بعد 14 سنة من الغياب والسكوت. وهناك وقائع أخرى متناثرة، إذ جرى اعتقال أخيها الكبير أوميد وتعرضه لأقسى ألوان من التعذيب حتى يعترف بكل ما يتهمونه به، كما أنها كلما مرت بأزمة نفسية تلمح طفلا من ضباب قادما لنجدتها. ويسعى والدها لتذكيرها بأنها ولدت مع توأم، لكن أخاها قضى مختنقا بنواة ثمرة ناولته إياها وهما في الرابعة من العمر، لكنها لا تتذكر ذلك. ويمكن أن نضيف أيضا فضيحة أخيها الأصغر هاكان الذي اتهم عروسه جهلا وحماقة بأنها ليست عذراء، وكان لا بد من تكذيبه في المستشفى.

بنية الرواية قائمة على الذاكرة وكسر جدار الزمن (بين تسعينات القرن الماضي و2016، مرورا، بـ2001 و2002، وذلك بالتناوب في ذكر الأحداث بين إسطنبول وأوكسفورد، ولا يستغرق وقت عرض الأحداث إلا ساعات معدودات في تلك السهرة، حيث كانت بيري متجهة مع ابنتها لحضور حفلة عشاء لأحد حيتان إسطنبول من رجال المال والأعمال، ومعه عديد من المدعويين الداخلين في عصابته من صحفيين ومهندسين وأتباع، ومن بينهم زوجها… وقد تعرضت لسرقة حقيبتها وهي في الطريق، وأدت مطاردة اللص إلى جرح يدها، لكنها تابعت طريقها إلى قلعة الحوت الرابضة على الشاطئ. وتنتهي حفلة العشاء بهجوم عصابة شبه إرهابية، بينما كانت بيري تختبئ في خزانة بين الثياب والأحذية وتخابر الشرطة لتعلمهم بهجوم المقنعين واحتجاز صاحب الدعوة وضيوفه جميعا. إن ما طرحته بيري في الختام على الأستاذ آزور في محاضرتها الأخيرة عن “ابن رشد الفيلسوف البارز، وابن عربي الطالب المفعم بالأمل لدى لقائهما أول مرة…”، هو الأمل العصري الباقي للخروج من مستنقع الصراعات الجارية، ولا شك أن خروج بيري في آخر كلمة من خزانة الملابس والأحذية تركت بارقة ساطعة لهذا الأمل.

رواية متميزة تعالج موضوعا فكريا معاصرا، ما تزال الصراعات الدموية دائرة مدمرة بين أحزابه وتياراته والمتاجرين بتراثه، وهي تقارب 600 صفحة من القطع المتوسط، ومن الصعب الإلمام بخطوطها العريضة في أسطر معدودات. رواية تطالب قارئها بالرجوع إليها والسهر معها في أكثر من قراءة متأنية لها. ولعل هذه الإشارة العجلى تكفي وتحفز الشباب لقراءتها. إنها أنشودة عذبة في فضاء الحرية والانعتاق من كل سلطة قمعية طاغية، سواء كانت بوليسية أو دينية أو عائلية. والجميل فيها أنها موشاة بأقوال عديد من الفلاسفة، إضافة إلى عمر الخيام وجلال الدين الرومي وشمس تبريز. وكلمتي الأخيرة أن الكاتبة لو كانت عربية لما سمح لها بنشر هذا العمل التنويري العميق، لأننا (نحن العرب) ما زلنا متخلفين جدا في فهم الدعوة المحمدية، بعيدين عن أصولها القرآنية، متمسكين بالحواشي الزائفة والعنعنات الخرافية، حتى كأن إسلامنا لا علاقة له بالقضايا الإنسانية ومكارم الأخلاق، وإنما غدا سلعة تجارية للتجاذب والتناحر والارتزاق في أسواق النخاسة من وسطاء وصيارفة ودجالين.

وأود أن أتوجه بتحية المودة والاحترام والاعتزاز للمترجم د. محمد درويش، وأشكره على تلك الهوامش المعرفية العديدة والمفيدة لكل قارئ. ولا أملك إلا أن أكرر تحيتي بانحناءة شبه يابانية لأني تعلمت منه، رغم مجيئي إلى هذه الحياة الجميلة، حتى بهمومها وأوجاعها، قبله بما يقارب نصف قرن!

* شاعر ومترجم عربي من سوريا.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. 🌐قراءة مهمه لهذه الرواية من مثقف كبير
    تحية لك ومحبة ابا الرؤى..
    اشتقنا لك يا عمنا…🔥

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here