علي طه النوباني: حول الاستثناءات في قانون خدمة العلم الجديد في الأردن

 

 

علي طه النوباني

لن يتم استدعاء من يكون شريكا في شركة مسجلة او مالكا لمؤسسة فردية مسجلة لدى الجهات المختصة فعّالة خلال السنة الاخيرة التي تسبق تاريخ الاستدعاء. وهذا الاستثناء لا ينطبق إلا على الميسورين ورجال الأعمال؛ وهو ما ينطوي على تمييز صريح ضد الفقراء الذين بذلوا كل ما لديهم لتعليم أولادهم ثم عانوا الأمرين وهم يرون أولادهم في قوائم البطالة بينما المتنفذون يقفزون بأولادهم فوق الدور والقانون في الهيئات المستقلة وغيرها من المواقع.

فإذا كان ابنك يعمل بشكل متقطع هنا وهناك دون أن يتمكن من الحصول على كشف حساب بنكي يبين وردود راتبه لعام متواصل، وكشف آخر يبين أقساط الضمان الاجتماعي لعام متواصل أيضا، فسوف يجبر على التوقف عن عمله والذهاب إلى خدمة العلم لمدة عام كامل، ليحصل على مبلغ شهري لا يغطي تنقلاته ناهيك عن أية مصاريف أخرى قد تلزمه، وناهيك عن انقطاع عمله الذي كان يساعد والده به.

وبمعنى آخر فإن من كان يبذل جهدا كبيرًا ليحافظ على كونه مستور الحال، لن يعود مستورًا، وسوف تُسرِّع الحكومة بسقوطه وفقدانه ما يسميه الناس “ستيره” بدلًا من مساعدته وبحث الطرق لتحسين أحواله.

وبالمقابل لن يتمكن أيُّ شابٍ من الفئة العمرية المطلوبة لخدمة العلم من إنشاء مؤسسته الفردية من الآن فصاعدًا، لأنه لا يعرف إن كانوا سوف يستدعونه قبل مرور عام على تأسيسها فيضطر لإغلاقها ويخسر تكاليف تأسيسها التي غالبًا ما تكون دَيْنًا. وبالتالي فالمطلوب ألا يؤسسها أصلاً! إنها وصفة محكمة تقدمها حكومتنا لشبابنا المتعَب لزيادة البطالة والحيرة والضياع، وزيادة الإحباط والتخبط بدلًا من بث روح التفكير الجماعي والأمل للحد من الضيق والتراجع الذي تشهده حياتنا بسبب الظروف العالمية التي نشهدها اليوم.

لقد نصت المادة 6 فقرة 1 من الدستور الأردني على: ” الاردنيون امام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وان اختلفوا في العرق او اللغة او الدين”.

كما نصت المادة 6 فقرة 2 من الدستور الأردني على:” الدفاع عن الوطن وأرضه ووحدة شعبه والحفاظ على السلم الاجتماعي واجب مقدس على كلّ أردني”.

كما ونصت الفقرة 1 من المادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي صادقت عليه الأردن عام 2006 على: ” تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب”.

وأذكر الحكومة هنا بأن محكمة التمييز الأردنية أكدت غير مرّة أنّ المعاهدات الدولية المصادق عليها أقوى من القانون المحلي الأردني. فالتمييز بسبب الثروة والوضع الاجتماعي يعتبر انتهاكا لحقوق الإنسان ومخالفا للدستور والقانون والمواثيق والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها الأردن .

وأذكر الحكومة أيضًا أن إعفاء المتزوجين من خدمة العلم يندرج في باب التمييز بسبب الثروة والوضع الاقتصادي والاجتماعي، فليس هنالك حاجة لتوضيح أنَّ الميسورين هم الأقدر على تزويج أبنائهم في هذه الظروف القاسية.

المادة 6 من الدستور الأردني واضحة وضوح الشمس وليست بحاجة إلى تأويل أو تفسير، فالأردنيون أمام القانون سواء، والدفاع عن الوطن واجب مقدس على الجميع، والاستثناءات التي كان معمولا بها في القانون السابق (قانون رقم 1 لسنة 1976) كانت منطقية وتتوافق مع الأعراف العالمية ( الوضع الصحي والابن الوحيد)، أما الاستثناءات التي وضعتها الحكومة في القانون الجديد فهي تنطوي على تمييز صريح لا يصب في مصلحة وحدة النسيج الاجتماعي للوطن.

بقي أن أقول بأن المبلغ الشهري المعلن عنه أثناء فترة التكليف وهو مائة دينار لا يكفي قطعًا للتنقل والمصاريف الشخصية؛ وخاصة أننا نتحدث عن أبناء المتقاعدين وصغار الكسبة الذين يرزحون تحت أعباء كبيرة لا ينقصها الإنفاق على تنقلات المكلف ومصاريفه الشخصية.

لقد كانت الخيارات أمام الحكومة مفتوحة، فإما أن تكون الخدمة اختيارية، وإما أن تكون إجباريَّة للجميع دون استثناءات لا يخفى فيها غرض التمييز ضد فئات محددة من المواطنين؛ وفي كل الأحوال يكون على الحكومة أن توفِّر مبلغًا شهريًا عادلًا يغطي كامل نفقات المكلف لا يقل عن الحد الأدنى للأجور الذي وضعته الحكومة نفسها كمؤشر للحد الأدنى للحياة الكريمة.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. اعتقد بما ان الهدف المُعلن من هذا القانون هو الحد من البطاله، ان يُترك اختياريا، بحيث ينتمي اليه من هو في الأصل عاطل عن العمل ودخله صفر، فتكون الخدمه بالنسبه له افضل من لاشيئ ….
    يوجد الكثير الكثير والكثير جدا من الشباب تعمل بمهن حره مع ابائهم، ما مصيرهم ؟!!!!

  2. تطبيق القانون بهذه الصورة لا يحقق أدنى معايير العدل والمساواة ، ويزيد الفقير فقرا ، مثل هذه الحلول العرجاء لا تصل ولن تصل الى المساهمة في حل مشكلتي الفقر والبطالة اللتين تمثلين خطرا محدقا يهدد الدولة ، الحلول يجب ان تستند الى التنمية الحقيقية والمحاربةالجادة للفساد بمعارك لا هوادة فيها، واختيار الشخص المناسب في المكان المناسب ، فما يلاحظ أن من معظم من يتولون الإدارة العليا هي الوجوه نفسها التي أوصلت الى ما نحن فيه .

  3. التجنيد الرسمي في القوى أمنية يحتاج إلى موافقة أمنية ….. هل التجنيد الإجباري يحتاج إلى موافقة أمنية؟؟؟؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here