علي بدر بمعرض الكتاب الدولي في بغداد مجموعته القصصية “حفلة القتلة” تمزج بين الموقف الفلسفي والموقف التاريخي المعاصر

بغداد – حمدي العطار:

كان لوجود الروائي (علي بدر) في معرض الكتاب – جناح الكا- بلجيكا ، له الاثر الايجابي في اقبال الزوار على هذا الجناح للتعرف شخصيا على هذا الروائي والتقاط الصور التذكارية معه، ويعرض الجناح نوعا خاصا من الكتب في هذا الموسم مثل (حفلة القتلة.محرك الرغبة.بغداد نوار.الصيف الأخير.جريمة الجندي الروسي وارنيف. حجر الشيطان.سنوات الرصاص.الغجر.أعمدة الملح. شهرية لهب الشمعة واحلام العالم القديم.آلهة التمرد والجنون. التحديث في العالم المسلم.القمار والانتحار في كازينوهات أميركا.)

*حفلة القتلة

يقدم لنا في هذا المعرض علي بدر مجموعة قصصية بعنوان “حفلة القتلة” وتقع المحموعة 208 صفحة وتحتوي على 12 قصة،تشترك بوحدة الموضوع وهوية السرد المتميز عند علي بدر في رواياته المنشورة..

حينما تقرأ قصص المجموعة تحس بأن القاص قادر على تقديم خدمة للمتلقي في التعرف على نفسه تاريخيا ،وكذلك حاضرا وربما التنبؤ مستقبلا،كما في قصة (كاتب الروايات البولسية) فشخصية سليم ناجي ،بعد تجارب عديدة في الحياة من العسكرية والحروب وانعكاساتها العنفية على تكوين الشخصية العراقية واسقاطات الحصار الاقتصادي على مستوى المعيشة و امتهان اعمال وضيعة “وقد تسرح من خدمته العسكرية. كسائق دبابة في قوات أبادتها الطائرات الأميركية. في طريق الموت بعد الانسحاب من الكويت”

العنف. والسياسة لا يمكن ان يتجاهلها القاص – الروائي في كتاباته ابدا فهي في المجتمع العراقي تمثل الواقع الماثل والمهم ومن الصعب تجاوزهما خاصة وان علي بدر يهتم كثيرا في ازمة الانسان العراقي المعاصر! في القصة يجعل الكاتب بطله مغرم بقراءة الروايات البولسية “لقد شغف سليم ناجي ذلك الوقت بقراءات غير محترفة للروايات البوليسية…وكان منسحرا بالعلاقة بين المجرم والضحية وكاشف الأسرار” يتعرض البطل الى تجربة التعذيب والسجن بسبب مشاجرة في سوق الملابس المستعملة في ساحة التحرير- حيث كان يعمل” نقطة التحول في القصة هي في اتخاذ قرارا “أن يترك كل الأعمال المذلة والمهينة وأن يصبح كاتبا لروايات الرعب” هذا التحول يتبلور بقدرة علي بدر في جعل هناك تداخل عند البطل بين الموقف الفلسفي والموقف التاريخي، فيخلق لقاء مع الشخصية الثانية في القصة وهو معلم اللغة الانكليزية في مكتبة أبو يعقوب في شارع الرشيد الاستاذ (نديم) غريب الاطوار،والذي يمثل في القصة عنصر الغموض في الحديث والمواقف ونتائج الاعمال ، فالمعلم يقنع سليم بأن “هذا العالم ينقسم إلى اثنين مجرم يوقظ فينا الرعب وآخر يهديء هذا الرعب عن طريق كشفه للجريمة،وأن النفس البشرية نقطة سوداء تتلذذ بالجريمة وتتشوق للخوف والرعب. والبراءة. فكلاهما ملهمان للقسوة. والتصرفات الشيطانية” وتستمر اللقاءات بين سليم – مشروع الكاتب للروايات البوليسية- وبين المعلم نادر الذي يسيطر بأفكاره الشريرة على غرائز سليم ويستطيع توجيهها “لا تنظر إلى المظهر الكاذب للناس، ضيق عليهم قليلا ستعود فجأة وحشيتهم القديمة” و”الانانية، التطرف، والقسوة هي المسار الصحيح طالما أننا نعيش في عالم ليس فيه إله،ولا جحيم، ولا حق، فعليك أن تعفو نفسك من أية مسؤولية أخلاقية”

وحينما يكتب سليم قصصه المرعبة من وحي خياله يصطدم حينما يسمع بإن نفس القصة والجريمة قد حدثت في الواقع،وحينما تتكرر تلك الحوادث والقصص يكاد سليم ان يفقد عقله “لا سيما حينما رأى الأستاذ نديم بخواتمه ذات الشعارات الغامضة. وملابسه الأكثر غرائبية،وهو يمسك موسوعة الجريمة في العالم باللغة الانجليزية ويضحك قائلا لسليم المرتعش:”اكتب عن جرائم أخرى لأستمتع أنا بأكثر عدد من الجثث…اكبر العبقريات الفلسفية لم تصل الى حل لغز الجريمة التي فيه،لقد نجح الله في أخفاء اسم القاتل حتى اللحظة الأخيرة، امعانا في التشويق،وفي ختام الحياة تظهر كل الحقيقة”

استخدام الشكل الحواري

علاقة “الروائي والقاص “علي بدر” بالسلطة السياسية علاقة غير ودية، هو يقف بإيجابية مع البطل المثقف المعارض لجميع انواع السلطة وبالاخص السلطة السياسية! وطلما يتناول ملامح الانحطاط الاخلاقي للسلطة في اي زمان ومكان،والزمن في اعمال علي بدر ركن من اركان القصة اما المكان فيشكل من حيث الاهمية البنية الاساسية للقصة،وفي قصة (حفلة القتلة) التي تحمل المجموعة القصصية عنوانها ,يجسد القاص مدى وحشية النظام السياسي الدكتاتوري في العالم عبر ممارسات لأكثر الاجهزة الامنية قمعا وهي(شعبة التحريات السياسية) ، اما المكان الذي اختاره علي بدر هو فندق “قصر الحياة” الكائن بمنطقة الكرادة!.لكن ما هي علاقة شعبة التحريات السياسية في مرفق سياحي مثل فندق قصر الحياة،الحيرة التي يقع فيها المتلقي تسربت اليه من حيرة البطل الذي تعمد القاص ان تكون الشخصيات من دون اسماء!فهي عناصر أمنية

” وبالرغم من أنني ظننت، وهو أمر ليس منافيا للحقيقة،بأنه مكان استراحة وتسلية ومتعة مخصصا لعائلات ضباط شعبة التحريات السياسية،وهو موجود فعلا في طوابقه العلوية…ومن زيارتي الأولى فهمت أن القسم السفلي هو الجحيم بعينه،حيث تشوي أجساد المشكوك فيهم وهم أحياء. يقوم بذلك ضباط التحريات بينما عائلاتهم ترقص في الأعلى،وبناتهم بالمايوهات في برك السباحة، وزوجاتهم يأكلن الباريكيو،ويتحدثن عن الموضة”

وبعد ان يستعرض مواهب وعبقرية مديره الشاب وما يملك من خيال نادر “فطريقته شيطانية وطفولية في آن معا،نوع من اللعب الذي يمارسه بسرعة وشغف، ليجعل أكبر رجل ينسحق أمامه مثل قملة صغيرة لا تستحق أدنى شفقة”

يستخدم علي بدر اتجاهين في الحوار بين المدير والبطل،وبين البطل ونفسه ،كبديل للوصف السردي،والحوار يرتقي بان يكون فلسفيا للوصول الى الهدف التي ترمي له القصة”عملنا الرئيس هو القتل، إنه عمل، مثل أي عمل آخر، وسوف تتعود عليه،ألا تتأثر بالدعايات التي يطلقها أعداؤنا. نحن بشر كما تعرف مثل أي بشر آخرين،لنا عائلات وأطفال نحبهم لا كما يصوروننا كحيوانات عارية قلوبهم من الرحمة”

اما الديالوج، الحوار الداخلي فهو يمثل الشكل او الاسلوب الاشمل من القصة ،فنقطة التحول في القصة حينما يتم اتهام مفكر الحزب بالخيانة وعليه زيارة شعبة التحريات السياسية للشك بوجود مؤامرة والسبب هو ما قاله للرئيس من انتقاد والذي اعد ليس نقدا فحسب بل تهديد ،صوره وزير الداخلية بمخيلته الخبيثة عندما اقنع الرئيس بوجود مؤامرة “إن انتقاد مفكر الحزب لك بهذه الطريقة يعني أن الثورة بخطر، فهو يقوم بتهيئة لأنقلاب على الثورة. أو شق الحزب إلى نصفين. ولا بد أن هنالك جهة خارجية وراءه” يعيش الرئيس في قلق وارق ،ويفكر بتصفية الخصم ويتم احالة ملف مفكر الحزب على مدير الامن (ناظم كزار) الذي أمر بالقاء القبض عليه وتقديمه إلى شعبة التحريات في قصر الحياة لينال جزاءه.

في هذه القصة يكشف القاص دواخل شخصياته وما يسعدهم “لقد كان مديري سعيدا ..فوجه مفكر الحزب لا يذكر بوجوه الشؤم من الخونة العاديين،وتعذيبه الذي لا يخلو من الحب لا يؤدي إلى التعاسة”وتبدأ حفلة التعذيب وانتزاع الاعترافات ،وتبدأ بتعذيب وقتل ابنه،حتى يعترف مفكر الحزب ويدون مديري اسماء المشاركين بالمؤامرة،ويصف مشهد ارسال مفكر الحزب الى الطوابق العلوية كامكافأة بعد كل اعتراف!

الضربة الاخيرة من القصة وهي الاقوى،يريدون معرفة الرأس المدبر لهذه المؤامرة،هكذا تطلب البرقيات الى مكتب مدير التحريات،وعدم الاعتراف بأسم الرأس المدبر يقلقهم ولا يستطيع مدير مكتب التحريات الضغط اكثر بالتعذيب خشية ان يموت مفكر الحزب،لذل يقررا مدير الامن ووزير الداخلية أن يحضرا جلسة التحقيق .. من اجل سماع اعتراف مفكر الحزب بأسم الرأس المدبر

“سأله وزير الداخلية: اسمع لم يعد لدينا الوقت الكافي. لقد صبرنا كثيرا. عليك اليوم أن تنطق بأسم الرأس المدبر لهذه المؤامرة.

رفع مفكر الحزب عينيه ونظر في عيني الوزير. وأشار له إشارة الموافقة،لحظات صمت ووزير الداخلية يتململ من الانتظار، لا احد يعرف ماذا سيقول، الكل ينتظر.

وفي لحظة، التفت مفكر الحزب إلى مديري الذي أخذ تنفسه يصعد وينزل،رفع أصبعه وأشار على مديري:

هذا الرأس المدبر للمؤامرة

الوزير اشار الى ضباط التحريات الخمسة فهجموا على المدير …لقد مزق مديري بطريقة لا مثيل لها. وهو حي ينظر إلى نفسه ويتلوى من الأم،ومن ثم أخذوه إلى المفرمة وهرسوه وحولوه إلى عجينة من اللحم والعظام،لقد كانت موته ايضا أشبه بالهلوسة، هلوسة العنف والوحشية التي درسها لتلامذته الخمسة”

القصص الاخرى في المجموعة لا تقل اهمية عن هاتين القصتين فهي من نفس (النسيج) التي يبرع في سرديته علي بدر ليقدم صراع الانسان مع الاخرين ومعه نفسه ومع العناصر المتوفرة والمتناقضة في حياتنا

والصراعات الكامنة في الاعماق!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here