علي المسعود: فيلم “سافرجت” يرصد مرحلة مهمة وثرية من نضال المرأة البريطانية  

علي المسعود

 تناولت السينما العربية و العالمية  قضية المرأة و نضالها من أجل نيل حقوقها  في الكثير من الافلام ، في السينما العربية مثلا، كان فيلم ( أريد حلاً ) انتاج عام 1975 إخراج سعيد مرزوق عن متاهات المحاكم والمشاكل والعقبات التي تتعرض لها عندما تفكر فى الطلاق فتهدر كرامتها وتتعقد الأمور عندما يأتي الزوج بشهود زور يشهدون ضدها في جلسة سرية وتخسر قضيتها بعد مرور أكثر من أربع سنوات؛ ولقد استطاع الفيلم تعديل قانون الاحوال الشخصية. وكذالك فيلم «شيء من الخوف» سنة 1969 إخراج حسين كمال بطولة شادية فيقدم نموذج المرأة المقاومة المناضلة للسلطة الرمزية.

أما السينما العالمية فقد تصدت الى نضال المرأة في الكثير من ألاشرطة السينمائية ، و من هذه الافلام ، فيلم «سافرجت» ، لخص الفيلم البريطاني “سافرجت”، حكايات أوائل  ألاعضاء في الحركة النسوية في بريطانيا،  الفيلم إنتاج بريطاني فرنسي مشترك، ينقل سير تطوّر هذه الحركة ونضالها من السلمية إلى العنف لنيل حقوق مدنيّة للنساء، لم تكن المطالب بحقوق المساواة مع الرّجال بل فقط بحقّ النساء في التصويت، وقد عكس الفيلم تاريخا من المعاناة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي تبلورت في السلطة المتمثلة في الأمن والصحافة و الزوج ورب العمل.

وسلط الضوء على الأعراف الاجتماعية القائمة التي أدت إلى الحبس والضرب والتعذيب، حتى سقوط أول ضحية للحركة النسوية وهي “إيميلي ديفيدسون” والتي غيرت بموتها مجرى التاريخ. فيلم (سافرجت ) يرصد مرحلة مهمة وثرية من نضال المرأة البريطانية من أجل حصولها على حق التصويت في البرلمان البريطاني في وقت مبكر من القرن العشرين، ويؤرخ لحركة (سافرجت) التي قادت نضالاً شرساً من أجل الحقوق المدنية عبر حكايات لمجموعة من النساء لم يكنَ من الطبقات المتعلمة أو المرموقة، ولكنهن تمكن من وضع بصمتهن في التاريخ المعاصر للحركات النسوية في بريطانيا والعالم، ويرصد الفيلم الرحلة الطويلة لهذا النضال الذي يتخلله كثير من محطات الألم والمواجهات والتظاهرات بقيادة الزعيمة السياسية ” ايملين بانكهرست ” التي جسدت دورها  الممثلة “ميريل ستريب  ” باقتدار ، و”ايميلين بانكهرست جولدن ” هي ناشطة سياسية بريطانية وقائدة الحركة البريطانية «سوفرجت» التي ساعدت المرأة في الحصول على حق التصويت.

وقد تعرضت لنقد شديد بسبب خططها المتشددة،  ومع ذلك يعد عملها عنصرًا حاسمًا في إعطاء المرأة حق التصويت في بريطانيا.

وقد تعرفت بانكهرست إلى حركة اقتراع المرأة وهي في الرابعة عشرة من عمرها، لأنها ولدت في شولتون أون مدلوك مانشستر، لأبوين مولعين بالعمل السياسي، وقد تزوجت من ريتشارد بانكهرست، المحامي وأستاذها لمدة 24 عامًا الذي يعرف عنه دعمه لحق المرأة في الاقتراع، وانجبت منه 5 أطفال خلال 10 سنوات. وقد كان له دور في دعم نشاطات زوجته خارج المنزل، فقد ساعدها على تأسيس الجامعة الفرنسية للمرأة، التي تولت الدفاع عن حق المرأة المتزوجة وغير المتزوجة في الاقتراع. ثم أسست بانكهرست الاتحاد السياسي والاجتماعي للمرأة وهي منظمة للنساء فقط للمطالبة بحق الاقتراع، وهي مكرسة «للأفعال، لا الأقوال» وتعرف باستقلالها عن الأحزاب السياسية ومعارضتها لها أغلب الوقت.

كما أصبحت معروفة بالمواجهات التي كانت تتسم بالعنف ؛ فقد كانت عضواتها يقمن بتحطيم النوافذ والاعتداء على ضباط الشرطة. وقد تعرضت بانكهرست و ورفيقاتها  وناشطات أخريات للسجن عدة مرات، وهناك قمن بتنظيم إضرابات عن الطعام في سبيل تأمين ظروف أفضل. فيلم «سوفرجت»، وهو اسم الحركة النسائية التي قادت ذلك التحرك، لكنه جسد جميع المواجهات والنضالات التي قامت بها المرأة معتمدا على ما يذكر في التاريخ حول هذه الحركة، يأخذ المشاهد، عبر حكاية مود واتس (التي تؤدي دورها الممثلة كاري موليغان) التي واجهت المستحيل وعاشت ظروفا قاسيا من أجل أن تحقق حلمها وحلم الكثيرات بالحصول على الحقوق السياسية الكاملة، حتى أنها فقدت أسرتها ومستقبلها أمام الرفض والمواجهات السياسية وسطوة الرجل وهيمنته.

أحداث الفيلم تتنقل بين مراحل عدة، تبدأ مع السلطة المتمثلة في الأمن والصحافة والزوج ورب العمل، وبعدها مجابهة الأعراف الاجتماعية المتمثلة في بداية الثورة والحبس والضرب والتعذيب والتضحية ومواجهة الأزواج والجيران.  تبدأ أحداث الفيلم في مصنع والغالبية التي تعمل فيه من النساء، يرافق حركة عملهن أصوات رجال من البرلمان البريطاني من خلال المذياع، وهم يؤكدون على ضرورة عدم الموافقة على منح حق التصويت للنساء، ومن بين ما قاله أحدهم: «إذا أعطينا حق التصويت للنساء، سينافسوننا في أرزاقنا»، وآخر قال: «هذا الحق سيجعل المرأة غداً تطالب بحقها في مقاعد في المجلس، والقضاء والمسميات السياسية، لذلك يجب علينا منعها من الوصول إلى حق التصويت». كمية البؤس في وجوه نساء المصنع، رغم صغر أعمارهن، تؤكد الطريقة التي كانت تعامل بها المرأة، إذ تتحمل أجرها الزهيد مقابل ساعات العمل التي تفوق عدد الرجال في المهنة نفسها، والذين يأخذون أكثر من ضعف أجرها.

ومن جانب آخر، ترى لكمات على وجوه بعضهن بسبب المعاملة السيئة التي يلقينها من أزواجهن، بالإضافة إلى سلطة رب العمل الذي يعتقد أنه يمتلكهن ويمتلك أجسادهن، ويقصد دائماً الفتيات الصغيرات، مثل ما قصد سابقاً واتس التي كان عمرها أقل من 12 عاماً عندما تحرش بها، تنشأ علاقة صداقة بين واتس وفايليت التي تحاول إقناعها بالانضمام إلى الحركة، لكن واتس تقف أمامها وتقول: «أي حركة هذه التي تقمن من خلالها بكسر واجهات المحال، وإثارة الفوضى»، لترد فايليت: «هذه المرحلة وصلنا إليها بعد تظاهرات سلمية لم تُجد نفعاً، فالقانون الذي يطلب منا احترامه يجب عليه أن يحترمنا، ويحقق رغباتنا، وقتها سنحترمه بل وندافع عنه)). ومن ضمن المشاهد المحورية التي غيرت مجرى حياة واتس، عندما اضطرت أن تدلي بشاهدتها بدلاً من فايليت، ضد قانون العمل المجحف بحق النساء، إذ جلست أمام رئيس الوزراء وقالت: «أمي بدأت العمل وهي بعمر 14 عاماً، وورثت المهنة عنها بعد أن توفيت، وكان عمري أربع سنوات، عندما أصبح عمري سبع سنوات بدأت العمل بدوام جزئي، وعندما أصبح عمري 12 عاماً بدأت العمل بدوام كامل، وعمري حالياً 24 وأنا مسؤولة قسم الغسيل والكي، لم أتخيل يوماً أن يكون لي صوت، فكرة أنك من الممكن أن تحقق هذا الشيء بحد ذاتها منحتني القوة، ثمة أمل بطريقة مختلفة في معنى الحياة، فالمساواة بين الرجل والمرأة هي التي ستمنحني الحياة التي أحلم بها)).

أصبحت واتس رسمياً ضمن الحركة النسوية المطالبة بحق التصويت، وتتسلل ليلاً للاجتماعات السرية، وكانت متحمسة للقاء زعيمة هذه الحركة” أيميلين بانكهرست”، التي اختصرت خطابها بضرورة الانتقال من المرحلة السلمية للعنف، وطالبت النساء بالتصعيد، مع مراعاة عدم إيذاء الناس، وقالت: «لقد تغربتن عن حياتكن الطبيعية، وهم لايزالون يتجاهلوننا كبشر، التضحية هي عنوان صوتنا، لا نريد أن نخالف القانون بل نريد أن نكون شركاء في صناعته».

وعندما وقفت واتس أمامها، نادتها الزعيمة باسمها وقالت لها: «دافعي عن صوتك» وكانت هذه لحظة التحول الفعلية في حياة واتس التي خسرت ابنها وزوجها وعملها، بعد أن قررت المقاومة لنيل حقوقها. لم يعد لدى واتس شيء تخسره، لذلك قررت تسخير جميع طاقتها في برنامج الحركة النسائية، والمطالبة بحقوقهن، إذ بدأ التحول عندما ضربت واتس رب عملها المتحرش بها سابقاً، بمكواة ساخنة على وجهه، وعندما خرجت من السجن بعد تعذيب جسدي ونفسي، وقصدت المصنع وقامت باصطحاب فتاة صغيرة اسمها ماجي كان رب العمل يتحرش بها، وأنقذتها من براثنه ووظفتها في مكان آخر، هنا بدأت البطلة تلمس قوتها للمضي أكثر، إلى أن يصل شكل عملها لذروته، عندما انضمت مع صديقتها إيميلي لاستغلال حدث رسمي سيتم تغطيته من وسائل إعلامية مختلفة حول حضور الملك جورج الخامس لسباق للخيول (دربي إبسون) في الرابع من يوليو 1913، لكن وبمشهد مأساوي بعد محاولات بالفشل في الوصول لمكان قريب من تواجد الملك، تقوم إيميلي بالدخول إلى ميدان السباق، لرفع لافتة مطالبتهن بحق التصويت، وتجابه حصان الملك وتموت تحت حوافره، لتصبح أول «شهيدة» للحركة النسوية.

وينتهي الفيلم مع مشاهد حقيقية ووثائقية لتشييع جنازة إيميلي ديفيسون التي شارك فيها الآلاف، وتقفل شاشة العرض مع ذكر تواريخ منح التصويت للنساء، بدءاً من نيوزيلندا التي منحت المرأة حق التصويت عام 1893، مروراً ببريطانيا التي منحت النساء حقاً مشروطاً للتصويت بعمر 30 سنة عام 1918 ثم تحول إلى 21 عاماً في 1928. هذا المكسب والإنجاز الذي نالته البريطانيات، منذ قرن، لم يكن بمحض الصدفة أو الانفتاح أو تفضل من السلطة، ولكنه كان نتاج حركة تاريخية من النضال النسوي المرير، من أجل نيل حقوق المرأة في بريطانيا، والتي تنشط في ظل “الاتحاد السياسي والاجتماعي للمرأة وهي منظمة نسوية تناضل بشراسة من أجل المطالبة بحق الاقتراع، ترأستها الناشطة في حقوق المرأة “ايميلين بانكهرست”.

 أهمية الفيلم أنه لم يركز على الشخصيات البارزة في الحركة النسائية كشخصية الزعيمة بانكيرست أو «الشهيدة» ، بل قام على حكاية امرأة بسيطة، غير متعلمة، وغير مثقفة، لكن كان لديها الأمل بأن تكون جزءاً من التغيير واسمها واتس، فقد استطاعت المخرجة بالفعل أن تدخل المشاهد إلى تلك الحقبة بكل تفاصيلها.  وتنقل لنا عبر الزمن واقع المرأة ونضالها من اجل الحصول على حقوقها التي طالما نزعت منها، فأثبتت قدرتها على تحدي جميع الأنظمة التي لا تتناسب وحقها في الحياة لتغيرها وتسهم في تشريع قوانين جديدة تستحقها.

فالفيلم يحمل رسالة، وقصة ربما مفادها:( عندما لا يكون لديك الحق في التصويت، ستتحولين بشكل مباشر لملكية خاصة للرجل، لن تستطيعن كامرأة أن تمنعيه من ضربك، وإهانتك، والتحرش بك، حتى لو كنت فتاة عمرها 12 عاماً، لن يسمع القانون شكواك، حتى إن الأمر سيصل إلى أن القانون الذي يطلب منك طوال الوقت احترامه هو نفسه سيحرمك من رؤية طفلك، لأن زوجك قرر ذلك، بل وسيتعدى الأمر أن يعطيه الحق بمنحه لعائلة أخرى مع أنك كأم مازلت على قيد الحياة، القانون الذي يريدك أن تحترميه يجب عليه أن يحترمك، ويبدأ ذلك بحقك في التصويت، فصوتك هو كرامتك). وجدير بالذكر أن فيلم “سافرجت”، هو إنتاج بريطاني لعام 2015، أخرجته “ سارة جافرون” وكتبت السيناريو “آبي مورجان”، التي شاركت في إنتاجه. لعبت شخصية الزعيمة النسائية “إيملين بانكيرست” النجمة الأمريكية “ميريل ستريب” كضيفة شرف، لكنها خلقت توازنا لأحداث الفيلم بسبب أدائها المتميز. وقد حاز جائزة  أفضل ممثلة في مهرجان السينما البريطانية المستقلة، كما نال جائزة “الجمهور” في مهرجان “ميل فالي” السينمائي، ونال جائزة “ممثلة العام” في حفل هوليوود السينمائي لعام 2015.

المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. الاخ سرحان ، شكري وتقديري لمتابعتك و قراءتك للمقال ، دمت بخير

  2. شكرا جزيلا للناقد الموسوعي علي المسعود على هذا العرض الشيق الملائم وأفكار الفيلم تمثل مع اختلاف البيئة والتفاصيل خارطة طريق للمراة العربية المتحررة التي لا تتقن الا التهجم على الرجال المظلومين سياسيا واجتماعيا (بدورهم في مجتمعات تقمع شعوبها بلا استثناء)) بحجة حقوق النساء تطبيقا لنهجية الغرب اللئيم في اثارة الخلافات والنعرات في شرقنا البائس الصاغر المستكين فهم لا يريدون تحرير المراة حقا كما حدث بمجتمعاتهم وانما معادة الدين الاسلامي الحنيف وانفلات المراة العربية بلا قيود اجتماعية ….وقد قرات منذ سنوات مقالا لغربي يعيش في عاصمة غربية يشكو بأنه لا يستطيع الاستمتاع بجمال المراة العربية العادية واقامة علاقة جنسية معها نظرا لضغط العادات والتقاليد والبيئة الشرقية المحافظة والباقي عندكم…

  3. عرض جميل يتناسب و شهر آذار و أعياد المرأة. العالمي . شكرًا للتعريف بالحركة النسوية و نضال المرأة في كل مكان

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here