علي المسعود: مأساة إمرأة في مواجهة جريمة دينية مفزعة في فيلم “فيلومينا”!

علي المسعود

هنالك قصص كثيرة لا يمكن تصديقها لو لم يكن هناك ما يؤكد حدوثها في الواقع لغرابتها. ومن هذه القصص حكاية فيلم ( فيلومينا ) ، الفيلم المقتبس من كتاب “الابن المفقود لفيلومينا لي ” لـ”مارتن سيكسميث”، الفيلم يبدا بمشهد لامرأة كبيرة وهي” فلومينا” ممرضة متقاعدة في لحظة تنكسر روحها وهي تحمل صورة لطفل صغير، تتراكض امام عينيها  صورتها التي تعود بها الى سنوات وهي شابة فرحة تتقافز وتتامل صورتها امام مراة في مدينة الملاهي ، عندما يقترب منها شاب وبقبلها ومن ثم بعدها تصبح حاملا منه وليتم عقابها من والدها لجلبها العار اليهم ، يرميها في احدي الاديرة في شمال ايرلندا ثم تلد فيه ، تقوم  “فلومينا ” في الدير بغسيل الملابس ويسمح لها بساعة واحدة للقاء طفلها هي ومن مثيلاتها من الفتيات الخاطئات، عندما ترى ابنتها الصورة تسالها ، من يكون ؟

تخبرها ” اليوم سيكون عيد ميلاده الخمسين “، وتحكي الام للبنت سرها الذي ظل  مدفوناَ مدة خمسين عاما. و يرجع الفيلم ( فلاك باك) في أحداثه الى عام  1952،  وهي في سن السادسة عشرة من عمرها، حين حملت، وأنجبت ولدا، في الدّير الملحق بالكنيسة،  وسط ظروف قاسية وعسيرة، وقد أرغمت على أن تتنازل عنه، وتهبه للكنيسة، تنازل مشروط ، أي لاحق لها في طفلها في المستقبل، تتوالى المشاهد بسرعة على طريقة (الفلاش باك)، لكي تكشف لنا أحداث الفيلم عن سر هذه القضية، وكيف أن الطفل قد انتزع منها، وتم ترحيله عن الدّير، أوبمعنى اخر باعته الكنيسة بألف جنيه إسترليني الى اسرة أمريكية وهي التي تبنّته فيما بعد.  في الجانب الاخر،هناك مارتين سيكسميث الصحفي السابق  الذي كان يعمل  في تلفزيون بي بي سي، والذي تضطره الظروف للاستقالة من منصبة الاخير كمستشار إعلامي لحكومة العمال البريطانية في حكومة توني بلير.

ويبدو على مارتين الحيرة في خطوته المهنية القادمة ويفكر في كتابة كتاب تاريخي عن روسيا ، وفي أحدى المناسبات ، تقترب منه شابة تعمل ساقية، وهي إبنة فلومينا، تتقدم إليه وتقول له إنه إذا كان كاتباً  فلديها قصة مثيرة جداً وهي قصة أمها، لا يبدو على مارتين في البداية الحماس، فهو لا يحب الحديث عن الناس العاديين، وهذا يكشف منذ البداية تعاليه على البسطاء، لكنه وكما يبدو بدافع الفضول يذهب للقاء الأم، وبعدها يعيّ بحس الصحفي إن قصتها تستوجب مزيداً من الإهتمام والتقصي، ويغير رأيه و يلتقي ” فيلومينا”، ربما هي الأقدار التي تجمع الصحافي مارتن سكسميث بفيلومينا التي تسيطر عليها فكرة واحدة، وهي العثورعلى ابنها الذي فقدته قبل خمسين عاما بعدما أنجبته خارج اطار الزواج في دير وهي لم تتجاوز سن السادسة عشرة، والتي تعيش تحت وطأة أزمة ممتدة منذ خمسين عاما، متمثلة في بحثها عن ابنها (توم) الذي انتزعته الكنسية منها وباعته الى إحدى العوائل، إنها أسيرة هذه المأساة، بل وتعيش كل حياتها في طرح التساؤلات حول ابنها، كيف يعيش ؟، وكيف اصبح شكله؟>

هل هو ميت أم حيّ؟  ،  لا يجد الصحفي مارتن في النهاية ، أفضل من أن يشاركها مأساتها، بل والاستماع إليها مليا، وأن يقف إلى جانبها، ومشاركتها البحث في مصير إبنها، الغائب الحاضر، خصوصا بعد نجاحه في إقناع إحدى دور النشر بشراء القصة كاملة، والتي ينوي صياغتها لتصدر في كتاب ، لكن يبدو أن للحكاية  وجها آخر، تكشفه المشاهد اللاحقة، حينما يعود بنا السيناريو إلى الكنيسة الكاثوليكية،التي لجأت إليها فيلومينا، بعد أن وقعت في الخطيئة ، نقطة البداية في البحث والتحقيق تبدأ  في الكنيسة مكان فيلومينا في بداية حياتها، ويكتشف الصحفي مارتن أن الراهبات القديمات الباقيات على قيد الحياة واجيال اخرى من الراهبات بنفس القساوة في المعاملة مع فيلومينا باعتبارها  ارتكبت ذنب واثم شنيع ، وفي المقابل لا تستحق المساعدة او الأفصاح عن مكان ابنها انتوني.  يتوصل الصحفي مارتن الى حقيقية أن الطفل انتقل مع العائلة التي اشترته الى أمريكا، لذا يقرران شد الرحال الى امريكا ، في أمريكا تبدأ سلسلة بحث أخرى، السؤال الأكبر الذي يؤرق فيلومينا ( هل فكر ابنها فيها أم لا ؟). هذا السؤال الذي قاد إلى مفاجآت محزنة، أعطى معنى أبعد للحكاية. فالانفصال القسري ومتاهة الزمن وقلة المعلومات لم تمنع الاثنين من الاقتراب من بعضهما البعض رغم كل شيء.

تسافر ” فلومينا” برفقة الصحفي الى واشنطن لنصل إلى لحظة إدهاش، في أمريكا يحصلان على معلوماتٍ تفيد بأن العائلة التي اشترت ( الطفل) من الدير ، بمبلغ ألف جنيه استرليني ، قد حولت اسمه من ( آنتوني ) الى ( مايكل ) و منحتهُ إسمَها ( هيس) ، وكذالك الإبن قد وصل الى وظيفة المستشار القانوني للرئيسين الأمريكي رونالد ريغان و جورج بوش  الأب ، وتبيّن أيضأ أن هذا الإبن كان مثلياً وذا علاقة مع رجل، وقد توفي في ١٥ أغسطس / آب عام ١٩٩٥ بسبب مرض نقص المناعة (ألايدز) . حينها تصاب ألام ” فيلومينا ”  بالدهشة والانكسار والهزيمة، وعلى الرغم من الأذى النفسي الطبيعي الذي لحق بالأم ، لكنها حافظت على تماسكها، لأنها ما زالت تملك بعض الأمل في أن يكون ولدها قبل رحيله قد تذكرها، أو قد تذكر أصوله الإيرلندية، وتثبت لها المقابلة التي أجراها الصحفي مع صديق مايكل هيس، أنّه كان معجونا بإيرلندا، وقام بزيارة مسقط رأسه في ذلك الدير الذي بيع فيه وطالب بأن يدفن فيه بعد موته، وقد تحقق له ذلك.

وبعدها عادا الصحفي مارتن و السيدة فلومينا  الى  أيرلندا والى الكنيسة “لقد  اكتملت الدائرة” جملة قالتها فلومينا عند بوابة الكنيسة في “روسكريه” المكان الذي بدات منه الحكاية وسوف تنتهي عندها ايضا، ويرد الصحفي مارتن جملة للكاتب ( ت.أس.أليوت) ” نهاية استكشافنا ستكون حيث بدأنا ، حيث سنكتشف المكان للمرة الاولى”، وبعدها يقتحم خلوة الآخت التي عاشت قصة فلومينا وهي (هيلدجار ) و يوجه لها السؤال : لماذا لم تحاولي على لقاء الام بولدها  عندما عرفت انهما يبحثان عن بعضهما و لماذا منعت لقاءهما؟ وترد عليه الراهبة و بانفعال و تشنج” هذه عقوبة الرب على الفتيات اللواتي لايستطعن كبح شهوات اجسادهن! ولايقع اللوم إلا  أنفسهنَ!

معاناتهم هي تكفير لخطاياهنً”، وتسمع فلومينا الحوار وترد عليها ( لايوجد شئ يقال أو يفعل ، أريدك أن تعرفي إني أسامحك وقد جئت الى هنا كي ازور قبر ابني).  في النهاية ، نقرأ على الشاشة  “تعيش فلومينا حاليا في جنوب انكلترا مع ابناءها و احفادها وتزور قبر ولدها في ( روسكريه)  بانتطام ، ونشر مارتن كتابه ” ابن فلومينا لي المفقود ”  في عام 2009″. هذه هي معطيات هذا الفيلم الإنساني البديع، الذي يحكمه سيناريو محكم، يقوم بناؤه على التناقضات القائمة بين شخصيتي فيلومينا، والصحفي، فالأولى أم بسيطة، مفجوعة، لا تجد وسيلة للتعبير عن نقمتها على المجتمع الديني والقوانين المحرّفة، سوى قراءة الصحف الشعبية، باحثة فيها عن أخبار الفضائح التي يقع فيها النخبة ورجال السياسة، في حين أن الثاني، صحفي مثقف درس في أكسفورد، والسوربون، اكتسب خبرات كبيرة، في العديد من البلدان، من خلال عمله مراسلا صحفيا لتلفزيون بي بي سي، ومن خلال هذه المفارقة الدرامية بين الشخصيتين والثقافتين، نجح السيناريو الذكي، في بناء المشاهد الكوميدية التي كسرت جمود القصة، وبخاصة في الجزء الثاني من الفيلم خلال رحلة البحث المشترك عن الابن المفقود، باستخدام أسلوب ( الفلاش باك) ، يكشف لنا مخرج الفيلم كيف انتزع الطفل بقسوة من أمه باعتبارها وقعت في الخطيئة ولا تصلح لتربية الأطفال.

وربما تكون هذه القصة التي يطرحها الفيلم، من أجرأ ما قدّمته السينما، قصة تدين، وتصور الكنيسة وكأنها أقرب إلى بيوت المافيات، حيث تجري في الخفايا، مؤامرات وجرائم جنائية، توحي وكأنها قلعة مغلقة على الكثير من الغرائب والأسرار الدفينة، المختفية وراء الوجوه الصلبة الجامدة القاسية للراهبات، وغيرهن ممن يديرون المكان، قسوة مفرطة، مهينة لكرامة وشرف الإنسان، ولكنها مبررة، في سياق تلك المعتقدات الدينية التي تجيز حرمان مثل هذه الأم من طفلها، استنادا إلى ما ورد في بعض التفسيرات الدينية عن (الأم الخاطئة)، التي لا تصلح لأن تكون أمّا، وبموجبه لا تصلح لتربية طفل.

ما يمتاز  به الفيلم هو العلاقة المنسجمة بين “فيلومينا” و “مارتن” رغم اختلاف عقيدتهما، الاولى متدينة والثاني ملحد، ليست فقط القائمة على الاحترام بل هما يشكلان ثنائي رائع يدعونا إلى سماع حواراتهما عن معاناة وخبرة شخصية في الحياة ، يؤدي دور مارتن سكس سمث في الفيلم الممثل ستيف كوكان والذي ساهم بكتابة السيناريو مع ستيف بوب، شخصية مارتن الملحد الساخر المنتقد للكنيسة، فهو يناقش فيلومينا في مشهد يجمعهما وسط حقول إيرلندا الخضراء، “لماذا خلق الله فينا الرغبة الجنسية هل كان يتوقع منا أن نقمعها؟”، ظهور هذا الصحفي في حياة الام التعيسة كأنه إعتذار إلهي عن فقدانها إبنها وعدم قدرتها على رؤيته مجدداُ، فهما يظلان متحدين طوال مسار الفيلم، وبمساعدته تكتشف إن إبنها كان مثلي الجنس وأنه توفي بمرض الأيدز وهو مدفون في الحقل المجاور للدير الذي ولد فيه بناءً على وصيته، ويتشاركان (فيلومينا ومارتن سكس سمث) عدة مشاهد ساخرة بينما ينفرد مارتن سكس سمث بمشاهد الغضب والحنق على الراهبات اللواتي عاملن فيلومينا بقسوة لانظير لها وحرمنها وإبنها المريض من فرصة اللقاء الأخير، وأما فلومينا “فهي تحمل طاقة تسامح مُلفتة، تبعث فيها قدرة على الاستمتاع بأتفه التفاصيل التي تبدو عادية من حولها، جودة الطعام، استضافة الفندق. متغاضية عما يحيط بها من مخاوف حيال ما سيتكشف لها عن حياة ابنها الذي تبحث عنه. بمثل هذه الطيبة التي تملكها في داخلها، تجنح لمسامحة راهبات الكنيسة، ولا تطالبهم بأية تبريرات حينما يتضح لها أنهم منعوها من مقابلة ابنها الذي جاء ليبحث هو الآخر عنها بداية من نفس المكان،  ومن الممكن القول إن من جماليات الحكاية العلاقة بين مارتين وفيلومينا وكيف بدأت وانتهت،  فما بدا أنه علاقة بين كاتب متمكن وشهير وامرأة بسيطة تحول بمرور الوقت إلى شكل مختلف فقد بدا الصحفي في النهاية أحمق صغيراً أمام فيلومينا وتسامحها وثباتها ورباطة جأشها.

الفيلم البريطاني “فيلومينا” ابتعد    منذ البداية عن كل القصص المعروفة والقوالب المعهودة، فكاتبا السيناريو جيف بوب وستيف كوكان يعرفان أنهما يرويان قصة استثنائية، ولذلك فهما غير معنيين بالقوالب الجاهزة، وقد ساهم أيضاً وجود مخرج متمرس وقدير كستيفن فريرز وهو مخرج فيلم “الملكة”  وغيرها من الأفلام البريطانية المهمة، لجعل الأداء وكافة التفاصيل الأخرى تحافظ على تميز القصة وتبتعد بها عن الابتذال والمبالغة في التراجيديا. لابد من الحديث عن امانة المخرج في نقل الرواية أو أحداث الكتاب الى الشاشة، وهذا يقودنا الى الجدل حول نقل الرواية الى السينما ، لكل من الرواية والفيلم، عالمه الخاص في التعبير السردي ، فالرواية تتخذ من اللغة وسيلة لتصوير مفردات الواقع، والفيلم يتخذ من الصورة لغتها البصرية والسمعية للتعبير عن الواقع أيضاً، ولكن بقدرما تأثرت السينما كثيراً بالأدب من رواية وقصة وشعر، كذلك تأثرت الرواية بالسينما ـ خصوصاً الجديدة منها من خلال نظريات المونتاج وسرد الحدث الدرامي التصويري، والمزج واللقطة الكبيرة والحركة الاستعراضية للكاميرا، وأهم المشكلات التي تعترض المخرج في تعامله مع الرواية، قبل كل شيء هي أن يكون أمينا لأي شيء بالضبط  للفكرة، للمضمون، للشخوص، للإصلاح، للحوار، للأمكنة، للأزمنة؟

في فيلم ” فلومينا ” يركز  مخرج الفيلم على” فيلومينا لي” مع القليل جدا على الابن، ولكننا لم نعرف عن الدافع لمايكل في رؤية والدته البيولوجية، كذالك مساحته السردية في الرواية فيها  الكثير من الاحداث المصنوعة بجهوده، وأكبر بكثير من مساحتها في الفيلم،  (أنتوني)، الذي يصبح مايكل هيس وحياته الجديدة مع العائله الامريكيه، في الكتاب هناك الكثير من التفصيل عن سنوات دراسته وتفوقه الجامعي ، حبه للغناء والأداء في المسرحيات الغنائية، وكطالب قانون متميز في جامعه جورج واشنطن، وكذالك معاركه في الحزب الجمهوري الذي كان عضوا فيه خلال سنوات ريغان،  صفحات عديدة من الكتاب  تتناولت مدي فظاعة الحزب الجمهوري( حسب رأي المؤلف)، وكذالك الكشف عن الكثير من التجاوزات والتناقضات في سياسية الحزب، ومن ثم تجاربه العاطفية و ميوله المثلية وصولا الى اصابته بمرض نقص المناعة وغيرها، برأي يجب ان يكون هناك فيلمين، “فيلومينا” والثاني  بعنوان “مايكل”. الفيلم صور الدير كحصن غامض مغلق على كثير من الاسرار، تملأ وجوه الراهبات قسوة مفرطة تحاول أن تبرر تلك المعتقدات فى حرمان أم من طفلها، حيث لا يحق لها أن تعيش الأمومة بعد وقوعها فى الخطيئة . فى الفيلم تكتشف روعة وذكاء أداء الممثلة جودى دينش في دور “فيلومينا”  وستيف كوكان من قام بدور الصحفى عبر عدة مواقف إنسانية وعاطفية تلهب مشاعرك، ويغلفها سخرية الحوار الذى لا تملك سوى أن تضحك من قلبك معه، والصورة الملهمة الصادقة حتى فى المشاهد المؤلمة والموجعة خاصة داخل الدير، حيث ترفض الراهبات وكبيرتهن الإفصاح عن أى شىء بل ويكذبن، وهنا يتطرق المخرج والسيناريو البارع دراميا فى كشف حقيقة الاتجار بالأطفال باسم الدين وباسم التخلص من براثن الخطيئة، تقول الممثلة جودي دينش عن شخصية فلومينا “كل ما يمكنني قوله هو أنني لا أتخيل نفسي في هذا الموقف ويكون بمقدوري أن أغفر ما حصل. أنا لا أملك فعلا كل هذه الإنسانية التي تملكها”.

هذا فيلم يحمل رسالة إنسانية خالصة ويناقش قضايا الإيمان والشذوذ الجنسي وجرائم الكنيسة الكاثوليكية بإسلوب هادئ ومنساب بسخرية للحد الذي يجعلنا نضحك رغم الحزن ويبتعد عن الحقد والرغبة بالانتقام، مشاهد كثيرة مشحونة بعواطف حادة وبسيطة في ذات الوقت أجاد تأديتها ببراعة الممثلان الرئيسيان فيه (جودي دينش وستيف كوكان).

هناك مشهد مليء بالأسى حين يؤخذ  الطفل بدون علم إمه وتلتقي أعينهما للمرة الاخيرة،  الطفل في المقعد الخلفي للسيارة السوداء المبتعدة والأم من خلف سياج الدير تودعه بصرخة مخنوقة و دموع حارقة ، كذلك تصوير الدير في الشتاء والثلج يحيط به من كل جانب يعكس برودة المشاعر التي أحاطت بهذا المكان وأوجعت ساكنيه. كما أن ما أضفى على القصة قوة هو بالتأكيد الأداء الرائع للممثلة القديرة جودي دينش، وكذلك اللمسة الكوميدية البسيطة والموفقة في التخفيف من جو القصة الحزين، والمتمثلة في أداء ستيف كوجان قد أضافت قوة تضاعفت مع موسيقى الفيلم التصويرية للموسيقي الفرنسي الشهير ألكسندر ديسبلات، الذي اعتاد تأليف موسيقى تصويرية لأفلام شهيرة كثيرة ورشح عن العديد من الجوائز ، جودي دينش الممثلة البريطانية ليست غريبة على لعب الأدوار التي تمثل شخصيات حقيقية أو تاريخية، فهي قد مثلت الملكة فكتوريا الأرملة وقصة عشقها للموظف الإسكتلندي في قصرها جون براون في فيلم ( مس براون) للمخرج جون مادن  1997، وهي التي أذهلتنا بتأديتها لدور الملكة إليزابيث الاولى في شكسبير عاشقاً 1998 للمخرج جون مادن أيضا والذي حازت عليه جائزة الأوسكار عن أفضل دور مساعد، فى هذا الفيلم تكتشف روعة وذكاء أداء الممثلة جودى دينش،  لقد حولت فِطرة فيلومينا القوية، تعسف وظلم الكنيسة التي نشأت فيها إلى مخزون عطاء وحب وتسامح، أحالت قيوده إلى جناحين، وبددت ظلمه وقهره إلى روح متسامحة و تنتمي أكثر إلى مفاهيم الدين الصحيحة وليس المتعارف عليها، تقول جودي دينش عن دورها في فيلم فيلومينا: ” شعرت بمسؤولية جسيمة عند تأدية هذا الدور لأن الناس تعرف فيلومينا الحقيقية وعند مشاهدة الفيلم سيحاولون التعرف عليها من خلالي وآمل أنّهم سيوفقون”. وتضيف إنها قضت وقتاً مع فيلومينا الحقيقية وإنها كانت مأخوذة بضعفها وصرامتها وحس الفكاهة لديها وتقول إنها جعلتني أضحك، لكن عندما قرأت القصة أيقنتُ مدى شجاعتها وصبرها وقوة إيمانها”، وقد برع المخرج في إبراز هاتين الميزتين (الضعف وحس الفكاهة الساخر) في شخصية فيلومينا بجدارة عبر تتابع أحداث الفلم. الواقع أننا شاهدنا مباراة رائعة فى الأداء بين النجمة جودى دينش وبين من يقوم بدور الصحفى مارتن ماكسميث النجم ستيف كوكان فقد أبدعا فى لحظات كثيرة بالتعبير عن لحظات الغضب والسعادة والقبول بالتسامح والإنكار والرفض، إنه ملحمة فنية وإنسانية، قدّم مخرج الفيلم ستيفن روبنز، رؤيتة  الفكرية والواعية لمأساة أم في مواجهة جريمة دينية مفزعة!، رؤية صيغت بأسلوب سينمائي  يحمل كل مقومات النجاح من حركة وإيقاع ومونتاج نظيف، وتصوير وموسيقى وأداء تمثيلي، ومشهدية سينمائية قامت على تنوع وغنى المناظر وحركتها في أمكنة متعددة بين الماضي والحاضر، وبين أميركا وأوروبا.

الفيلم  صور بحبكة ناجحة هى مزيج من المأساة والتراجيديا والكوميديا والسخرية لوعة أم لم تهدأ نصف قرن بحثا عن مصير ابنها، وفى النهاية يقدر الصحفى عدم نشر القصة احتراما لخصوصية فيلومينا حتى لا تتسبب فى جرحها أكثر، لكنها تصر على نشرها حتى تكون عبرة وموعظة للجميع.

 (فيلومينا) فيلم درامي مؤثر وهوقصة لشخصية حقيقية لازالت على قيد الحياة (78 عاما) ، وتعيش في مدينة سانت ألبانس جنوب بريطانيا وقد ظهرت مع جودي دينش في العرض الأول للفيلم في مهرجان لندن السينمائي لسنة 2013.

المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. شكرا لك اخي عادل النابلسي على حسن المتابعة و القراءة ، مع تقديري

  2. تحليل ممتع و ونقد جميل لفيلم يستحق المشاهدة و المتابعة . شكرًا لصحيفة رأي الْيَوْمَ وتحية للناقد علي المسعود

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here