علي المسعود: في الفيلم الكردي “زمن الخيول المخمورة”.. أطفال صغار يحملون  هموم واثقال الكبار

علي المسعود

المخرج الكردي – الايراني ( بهمان قبادي ) الذي تمكن من إاختراق حاجز العلمية في أفلامه المؤثرة، وتمكن في تقديم أفلام ذات قيمة فنية عالية، حصلت على جوائز في مهرجانات عالمية ذات شهرة كبيرة , ومن هذه الافلام الفيلم الرائع ( زمن الخيول المخمورة) والذي أنتج في عام 2000 وشارك في مهرجان” كان السينمائي والذي حصل على جائزة (الكاميرا الذهبية ). عنوان الفيلم يثير الكثير من علامات الاستفهام .

لاادري لماذا عمد قوبادي الى اختيار الخيول في عنوانه رغم اننا لا نرى خيولا ؟؟، بل هي بغالا وحمير، واما “ مخمورة ” فلأنهم كانوا يضعون للبغال الخمور في المياه كي تعطيها طاقة  كبيرة في التحمل وتساعدها في قطع تلك المسافات الطويلة المغطاة بالثلوج. وكما هو معروف عن المخرج” هيمن قبادي”  جميع عناوين الافلام التي قام باأخراجها  تحمل عناوين لها دلالات رمزية ، ومن خلالها يجذب المشاهد ويرميه في بحر من الدهشة و التساؤل، و غالبا ما يستمد عناوين أفلامه من أسماء الحيوانات عنوانا لها ، مثلا، فيلمه الاول والذي نحن بصدد الحديث عنه  عنوانه (زمن الخيول المخمورة) و بعدها فيلم (السلاحف  تستطيع الطيران). وهناك فيلم انتج في عام 2012 وكان بعنوان ( موسم الكركدن) ،الذي شاركت في بطولته الممثلة الايطالية الشهيرة ( مونيكا بيلوتشي) , وفيلم ( لااحد يعرف شيئا عن القطط الفارسية). في فيلم “زمن الخيول المخمورة”،  يحاول ” قبادي” اعطاء صورة اكمل عن واقع انساني بائس يعيش فيه الصغار وجع ومأساة الكبار، لا بل يُستَغلَون ابشع استغلال في ظل غياب الضمير وانعدام المروءة حينما يحمل اطفال صغار هموم واثقال الكبار ويعبروا بها الحدود جنباً الى جنب البغال والحمير دون ان يأخذوا اجورهم من مستغليهم . انها زمن الطفولة المسلوبة من برائتها. يأخذنا فيلم «زمن الخيول المخمورة» لمخرجه الكردي “بهمن قبادي”، الى شريحة من من الاكراد الايرانيين اللذين يعملون في التهريب بين الحدود. في هذا الفيلم، يسرد  قصة عائلة مكونة من خمسة أطفال في قرية “سرداب” الكردية بمنطقة جبلية وعرة غارقة في الثلوج، تموت امهم في زمن سابق، كما يموت والدهم بانفجار لغم ارضى،  في بداية الفيلم، الاطفال يتسللون مع اخرين في سن مقاربه لهم للعمل بالحدود العراقية، في اعمال تفوق طاقتهم، وليس امامهم من سبيل اخر لأبعاد شبح الموت جوعا . يعكس الفيلم( زمن الخيول المخمورة )، الواقع المرير لشريحة من الأكراد، ألا وهو العيش بأصعب الظروف وأقساها،وقد نجح المخرج “بهمن قبادي” في الكشف عن مدى مجابهة الأكراد لحياتهم المليئة بالشقاء والعناء ومقاومة الفقر وقساوة البرد و الظروف، والتي أثرت على مجرى حياتهم. وقائع الفيلم صورت في المنطقة الحدودية الواقعة بين إيران والعراق، حيث الثلوج تغطي المكان، وفيها تزدهر تجارة التهريب بواسطة البغال التي يسقونها الخمور،  من أجل  أن تتحمل آلام البرد والعواصف الثلجية، حياة مليئة بالشقاء و المعاناة والتعب الكبير، وفيها أظهر المخرج براعته في تصوير وقائع من يعيش هناك. الفيلم يحكي بأسلوب واقعي الى أبعد الحدود قصة  اليتامى “خمسة أطفال”، توفي والدهم وتركهم يواجهون قسوة الحياة لوحدهم دون مساعدة من أحد.

يعانون الفقر الشديد. إضافة إلى حاجتهم لإجراء عملية لأخيهم المريض (مهدي) البالغ من العمر 15 عاما الذي يعاني من إعاقة عقلية وجسدية، يبدو كأنه ابن اربع سنوات ويحتاج دائما للرعاية. يؤكد الطبيب الذي يزوره بأنه سيموت بعد اشهر، ولابد له من إجراء عملية في إحدى مستشفيات العراق وإلا  سيكون مصيره الموت خلال أربعة أسابيع لا أكثر. إنه البؤس، البؤس الساحق الذي يضطر أكبر الإخوة (أيوب) للعمل في تهريب البضائع من إيران إلى العراق والعكس .

وبعد وفاة والدهم يصبح لزاما عليهم الاعتماد على أنفسهم فيلجأون الى أعمال التهريب وفي صحبتهم شقيقهم المعاق، في منطقة وعرة ولا وسيلة لعبورها الا على ظهور البغال وفي اجواء مناخية باردة يغطيها الثلج غالبية شهور السنة. وهنا يسلط المخرج  الضوء على الحياة القاسية التي تصل الى درجة صادمة خصوصاً لحظات الجهد الذي يقوم به أطفال في تغليف البضاعة المهربة ووضعها على البغال، وكذلك من خلال إظهاره لحالة الفقر الشديد لفئة تتعرض دائما لملاحقة الشرطة وقسوة الطبيعة.

مشاهد تساقط الثلوج ظلت متواصلة في المناطق الجبلية طوال الفيلم ـ يتخللها تصوير لمشاق السير بمعية البغال  وسط دروب وعرة تلهب خلالها سياط المهربين ظهور البغال التي لا تستطيع تحمل كل هذا العذاب الا بعد ان يسقيها اصحابها كميات من الخمور بغية قتل اي احساس لها بالألم او التعب أو البرد.

في واحدة من عمليات التهريب يعجز الفتى الذي انيطت به مهمة رب العائلة ان ينهي عملية التهريب أسفل الجبل ويتعثر الحصان ولا وسيلة له بالتالي سوى خسارة بضاعته والعودة بصحبة شقيقه الى بيتهم البسيط لرعاية أخوته الصغار بعد ان تكون شقيقتهم التي لم تتعد الثالثة عشرة قد تزوجت قسرا من رجل بالقرية المجاورة تحت ضغط وإلحاح عمها المتسلط.  تلتقط الكاميرا بلا رحمة مشاهد هؤلاء الاطفال وهم يتدافعون على متن شاحنة لنقلهم إلى العراق للعمل في السوق او العودة  منه ، تلتقطهم أيضا وهم يتصارعون مع الواقع علي منحدرات الجبال المغطاة بالثلوج لتهريب البضائع ، ونقل الإطارات الثقيلة على البغال المخمورة  وعبر وديان  مزروعة بالألغام الأرضية.

الشخصية الرئيسية والاشد تأثيرا هي شخصية الصبى “أيوب” الذى يبلغ من العمر إثنتي عشر عاما (( أختيار اسم الاخ الاكبر ” أيوب” له مغزى و اشارة لصبره الكبير في تحمل الشقاء و التعب). التحق بعمل فى مجال تهريب السلع عبر المنطقة الحدودية بين إيران و العراق أثناء فترة الحرب بين الدولتين، من اجل رعاية اخواته وعلاج اخيه  المعاق ” مهدي” الذى لاتفيده العلاجات بالأدوية بل يحتاج الى جراحة. اخت أيوب “روجين” توافق مضطرة بطلب من عمها  على الزواج من رجل كردى، ويكون الاتفاق هو علاج  الطفل مهدي بدلا من الحصول على المهر، لكن بعد الزواج تتنصل عائلة الزوج من الاتفاق، وللتعويض تعطيهم بغلا كمهر، يأخذه ايوب حاملا أخيه  مهدي على ظهره في رحلة وعرة في الثلوج الى العراق لبيع البغل للحصول على تكاليف العملية لآخية المعوق. شخصية ايوب رغم صغر سنه، تظهر متحلية بالصبر على المعاناة،  وكذالك تحمله المسؤولية بعد وفاه ابيه، فهو يوعد اخته الصغيرة ” امنة” بإحضار دفتر لواجبها المدرسي وينفذ وعده، ويساعدها في الدراسة،” هذه اشارة ذكية من المخرج بهمن قبادي في أهمية التعليم و الدراسة مهما كانت الظروف” ثم يقف وقفه شامخه امام عمه متسائلا لماذا تجاهله ولم يخبره باتفاق زواج اخته “روجين” رغم انه اخيها ،وكفرد من العائلة كان عليه اخباره، وهو موقف انتهى بأذلاله، بصفعه على وجهه من قبل عمه، ورغم الاذلال والغضب الذى انتابه، الا انه سار في موكب اخته المتزوجة ليوصلها مع عمه الى عائلة زوجها. ومن اجمل الصور الانسانية والمحبة الاخوية تجسد في إصرار ايوب على خوض معركته مع الظروف ومع الطبيعة من أجل علاج أخية المريض ( مهدي ) .

المشاهد التي تعلق في الذاكرة كثيرة، أحدها تلك التي يقف فيها أيوب وحيدا بالثلوج، تنهمر منه دموع قاسية ومريرة. وهو يشاهد اخته الحنونة”روجين”تبتعد عنه على بغل متجه الى عائلة زوجها على الحدود. الطفل الذى فقد امه، ثم ابيه، يصاب مرة ثالثة باليتم، ويفقد اخر صله له بالحنان في تلك الاخت التي كانت تحنو عليه وعلى اخوته  الصغار، والذى اعتبروها جميعا أم صغيرة ترعاهم وتطبخ لهم الطعام  وتنظف البيت  الصغير. اما الطفل المريض ( مهدي ) في مشاهد وحدته المرتعدة وسط الثلوج، بعيونه البريئة التي تعكس العذاب، أو وهو يبكى عندما يتلقى الحقن اليومية، لكنه رغم الضعف والبكاء والمرض، فهو يتميز بقدر من الصلابة.. أنه يتحمل  المعاناة، وفي احدى المشاهد المؤثرة  للطفل المعوق( مهدي)  حين يعانق شاهد القبر ، والمقبرة المغطاة بالثلوج ودموعه تتساقط، وبجواره اخته امنه الصغيرة ترفع يديها للسماء وتدعوا بحرارة لشفاء اخيها المعوق.

ان المشاهد القوية والمؤثرة للأطفال، متحملين الارهاق والجوع وسط الثلوج، تضعف تأثيرات مشاهد الكبار في افلام اخرى، يظهر فيها هؤلاء الصغار في مشاهد مؤلمة، فمشاهد عذابات الطفولة لا تضاهيها مشاهد اخرى. وكان تمثيل الأطفال مبهرا , وقد وظفهم المخرج بطريقة ذكية ليمثلوا معاناة أطفال الحرب جميعا،  ورغم إنهم غير محترفين،  لكن تمثيلهم عفوي ومشاهدهم مؤثرة واستطعوا أن ينقلوا رسالة الفيلم السامية بأداءهم المبهر، واجبروا المشاهد على الاقتناع بأدائهم بسهولة في مشاهد الحركة والعاطفة، البعيدة عن الخدع والمؤثرات البصرية، انهم لا يمتلكون أي تاريخ في التمثيل لكنهم  إستطاعوا على توصيل الجانب الإنساني والدرامي، وظهروا في مشاهد عديدة  بشكل رائع ومؤثر. و كذالك براعة المخرج القدير” بهمن قبادي ” التي حولتهم إلى نجوم حقيقيين .  ويبقى هذا الفيلم بحكايته البائسة أحد أروع الأفلام الإيرانية ، فيه التصاق بالألم الإنساني الحقيقي. وصراع من أجل البقاء بأقسى شكل وصورة. والأهم من هذا انك عند مشاهدته ستشعر بذلك السحر الكامن خلف كل ما هو واقعي وحقيقي وأصيل في هذه الحياة.

إنه فيلم ساحر. زاد من سحره براءة الأطفال وروعة أدائهم. إنك ستقف كثيراً أمامهم. ركز الفيلم على لجوء الأطفال للعمل في مجال التهريب لأجل العيش، وما يواجهونه من ذل بين التجار وملاحقات، مشاهد مؤثرة تظهر مدى عوز الأطفال للعمل، وعدم  إنتباه  الآخرين لمراعاة طفولتهم.  يبقى فيلم ( زمن الخيول المخمورة) بحكايته البائسة أحد أروع الأفلام الإيرانية، ففيه التصاق بالألم الإنساني الحقيقي. وصراع من أجل البقاء بأقسى شكل وصورة. فيلم من صميم الحياة مصهور بالمعاناة الإنسانية لشعب كردستان الجبار.

 المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here