علي المسعود: فيلم The Two Popes صراع بين التقاليد والتطور وبين الشعور بالذنب والتسامح

علي المسعود

طرحت شبكة نيتفلكس  فيلم السيرة الذاتية  The Two Popes المستوحى من أحداث حقيقة من داخل جدران الفاتيكان، وانتهيت من مشاهدته قبل ايام ،الفيلم من بطولة النجم أنتونى هوبكنز و الممثل جوناثان برايس . تدور أحداث فيلم The Two Popes داخل جدران الفاتيكان ويدور حول القصة الحميمية التى جمعت بين البابا بنديكت الـ16 والكاردينال بيرجوجيو، والذى أصبح فيما بعد  البابا فرانسيس.  والكاردينال بيرجوجيو القادم من امريكا اللاتينية وبالتحديد من مدينة بوينس أيرس والتي هي عاصمة الارجنتين والذى جسد شخصيته الممثل العبقري جوناثان برايس  Jonathan Pryce. تركزت أحداث الفيلم على الخلاف الفكرى الذى دار بين بين البابا بنديكت الـ16 والكاردينال بيرجوجيو، وطلب الأخير من البابا بنديكت الـ16 بأن يقبل استقالته ، أو بمعنى آخر الموافقة على إذن التقاعد، ذلك فى عام 2012 ، وأبرزت أحداث فيلم The Two Popes الأسباب التى دفعت الكاردينال بيرجوجيوالى طلب التقاعد ، والتى تمثلت فى شعوره بالإحباط من الفاتيكان، وذلك من خلال الحوار الذى دار بينه وبين البابا بنديكت الـ16، والذى جسده الممثل القدير أنتوني هوبكنز.

ويتطرق الفيلم عبر أحداثه  ايضا إلى الصراع بين التقاليد والتطور أوالاصلاح، وبين الشعور بالذنب والتسامح، وكيف واجه هذين الرجلين المختلفين للغاية ماضيهما من أجل إيجاد أرضية مشتركة وصياغة مستقبل لما يزيد عن مليار شخص من أتباع الفاتيكان فى العالم . شارك فى الفيلم بجوار النجمين الكبيرين أنتونى هوبكنز وجوناثان برايس، كل من خوان مينوجن، سيدنى كول والفيلم قام بكتابته “أنتونى مكارتن” و من إخراج فرناندو ميريليس.  يكتسب الباباوات بُعدًا جديدًا بالكامل،  لأن جوهر هذا النوع من الأفلام والتي لاتتوافق مع  مفهوم الصداقة، بل كان الجوهرهو صدام بين الشخصيات والأيديولوجيات، يفتتح الفيلم في مشهد للكاردينال بيرجوليو وهو يتعثر في حجز رحلة عبر الهاتف ، ومن ثم يعود بنا الفيلم إلى عام 2005 ، وهوعام وفاة البابا يوحنا بولس الثاني.واجراء التصويت على خليفة للبابا ، الذي يجري وسط سحر وطقوس خاصة إلى حد ما في كنيسة سيستين ، مع مراسم مضنية.

احتل  الكاردينال “بيرجوليو ” المركز الثاني في اختيار البابوية عام 2005 التي انتخب  فيها الالماني ” جوزيف راتزينجر” والذي تغير اسمه واصبح” البابا بنديكت السادس عشر” فيما بعد. يحاول فيلم المخرج فرناندو ميريلز الجديد إثارة نقاش فلسفي بين شخصياته الرئيسية مع الابتعاد عن الخلافات المعقدة، فيلم “الباباوان” هو في الحقيقة ثلاثة أفلام: الاول  قصة وراء الكواليس عن سياسة الفاتيكان ، والثاني هو سيرة ذاتية مصغرة عن البابا الحالي، أما الثالث هو عبارة رحلة عن صداقة رجلين عجوزين والعامل المشترك بينهما هي الكنيسة وخدمتها، و يجمع هذه الاجزاء  ويصهرها في بودقة واحدة : هو التنافس في الاداء المذهل و العبقري وفي التمثيل لأثنين من العمالقة خرجا من تحت عباءة المسرح الشكسبيري، والاهم هو الكاتب والسيناريست المبدع والعبقري الذي استطاع خلق حوارات بين البابوين والنقاش الممتع والسلس والذي هو بالاساس من خلق الكاتب لانه غير موجود في الواقع ، وبهذا رسم تلك الصورة المزدوجة والخفية والجذابة والتي تمس مسائل معقدة من الإيمان والطموح والمسؤولية الأخلاقية، ويعترف كل من الرجلين للآخر بما ارتكبه من آثام. البابا بنيديكت مثلا يعترف للكاردينال” بيرجوجيو” بعد أن تكون العلاقة بينهما قد اكتست بالثقة، في مشهد يتلاشى فيه صوته، بما يمكن تفسيره بندمه على تستره على الاعتداءات الجنسية داخل الكنيسة، ولكنه ينال الغفران من الكاردينال ” بيرجوجيو”.

إلا أن الفيلم يتغاضى عن ماضي البابا” بنيديكت” وعلاقته القديمة بالشبيبة الهتلرية أو قناعته بالنازية. أما الكاردينال” بيرجوجيو “، فيكشف من خلال التداعيات المصورة واستخدام ( الفلاش باك) عن شعوره بالذنب بسبب صمته أمام جرائم الطغمة الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين في السبعينات وجرائمها التي شملت زملاءه من القساوسة والذين كانوا يفترض أنهم تحت حمايته وقد تخلى عنهم،  عندما يجتمع بنديكت و” بيرجوجيو”  يستعرض الممثلان الأبعاد الروحية والنفسية لشخصياتهما بتفاعل وتناغم لطيف، الأمر الذي يراه بعض النقاد على أنه استعراض فلسفي يشوبه بعض الجمود، ولكن لو صور الفيلم رجلين كبيرين يتحدثان معاً بانسيابية دون أن تقطع المشاهد لقطات من الماضي تؤرخ لسنوات ” بيرجوجيو” السابقة لخرج المشهد كقطعة فنية، هذه الرحلة داخل السيرة الذاتية ل” بيرجوجيو” التي سردت حياته حين كان شاباً حين دُعي للانضمام إلى الكنيسة، وشغل منصب رئيس النظام اليسوعي في الأرجنتين خلال حكم الديكتاتورية العسكرية في سبعينيات القرن الماضي، وهي ليست بعيدة الصلة عن محور الفيلم -فهي توضح وجهات نظره السياسية وقابليته للخطأ أيضاً- لكن كان من الممكن إيصال هذه المعلومات بطريقة أكثر حرفيِّة.

ومن المؤسف له،  ما للكنيسة الكاثوليكية  من تاريخ غير مشرف من خلال دعم الحكومات الاستبدادية.  فقد رفض مسؤولوا الفاتيكان في البداية تقاريرعن المذابح في عهد ديكتاتور شيلي( بينوشيه ) باعتبارها مؤامرات شيوعية ، وانتقدوا صراحة الساندينيستانيين في نيكاراغوا. علاوة على ذلك ، في الأرجنتين دعمت الكنيسة دكتاتورية (خورخي فيديلا ) وخلال سبعينيات القرن العشرين. لذلك بينما يرتفع اسم ” بيرجوجيو” بسرعة في الكنيسة ، كانت  البلاد تعاني من الديكتاتور و جلاوزته التي الذين قاموا بالبطش والتنكيل بالكثيرمن الاحرار،  بل وحتى حبيبة  الكاردينال” بيرجوجيو ” نفسه لم تسلم من التعذيب ومن ثم القتل و من ثم رميها جثتها في البحر،  كل ذالك حدث والكاهن (بيرجوجيو ) كان فقط يراقب ، كيف أصدقاءه قتلوا أو سُجنوا أثناء مقارعتهم للنطام الديكتاتور وهو كان على مقربة من الحكومة او السلطة.

كان  رفاق ” بيرجوجيو ” متصورين انه متعاون مع الديكتاتور ولذا  قاموا بمقاطعته، وعندما سقط حكم  الجنرالات الاستبدادي للبلاد، فقد ” بيرجوجيو ” منصبه، وتم نفيه ، هذا الماضي ظل يطارد ” بيرجوجيو ” وظلاله لا يزال يتبعه – لدرجة أن بيرجوليو يرفض أي فكرة  استلام منصب البابوية لدى جوزيف راتزينجر أو البابا بنديكت السادس عشر. يبدأ الفيلم في عام 2005 ، بعد وفاة البابا يوحنا بولس الثاني. يجتمع الكرادلة في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في القديس بطرس لانتخاب خلف له ، ويستقر الأختيار على جوزيف راتزينجر (أنتوني هوبكنز) ، الذي سصبح البابا بنديكت السادس عشر. وكان الوصيف هو “خورخي بيرجوجيو” (جوناثان برايس) وهو قس أرجنتيني، والذي سيحل محل بنديكت بعد ثماني سنوات  ليصبح البابا فرانسيس في انتقال غير عادي للغاية للسلطة الكنسية. يستعرض فيلم المخرج فرناندو ميريليس انتقال السلطة بين الباباوات بنديكت السادس عشر وفرانسيس (جوناثان برايس) الذي حدث عندما تخلى البابا عن التقاليد السابقة عن طريق اتخاذ قرار التقاعد ، مما فتح الطريق أمام البابوية لهذا الأخير، أعلن البابا بنديكت السادس عشر بشكل غير متوقع استقالته في عام 2013 – أول بابا يفعل ذلك منذ ما يقرب من 600 عام – مشيرًا إلى الاسباب وهي ” ضعف في الجسد وتفدم في العمر “، ووقع ألاختيار على خلفه بعد شهر واحد. عند انتخاب الكاردينال “خورخي ماريو بيرجوجيو “، دقت أجراس كاتدرائية القديس بطرس تأكيدا لانتخاب البابا الجديد، وتصاعد الدخان الأبيض مساء الأربعاء (13 آذار/ مارس 2013) من مدخنة كنيسة السيستين في الفاتيكان، ما يشير إلى توصل الكرادلة الـ115 إلى انتخاب بابا جديد لخلافة البابا المستقيل بنديكت السادس عشر. بعدها أطلق الكاردينال جان لوي توران الإعلان الرسمي “أصبح لنا بابا”، ثم أطل البابا الجديد من شرفة كاتدرائية القديس بطرس، وقال البابا في أول كلمة له:”مساء الخير أيها الأخوة وأيتها الأخوات، كما تعلمون فإن واجب الكرادلة هو انتخاب بابا لروما ويبدو أن أشقائي الكرادلة اختاروه من نهاية العالم تقريبا”.

وطلب البابا الجديد من الحشود الصلاة من أجل سلفه البابا بنديكت السادس عشر ومن أجله أيضا. وقال البابا الجديد “أشكر حفاوتكم، صلوا من أجلي، سوف أراكم قريبا .. إلى اللقاء. رغم أن اسم الكاردينال خورخي بيرجوجيو لم يكن ضمن لائحة الأسماء الأكثر تداولا في وسائل الإعلام لخلافة ليصبح البابا 266 في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، إلا أن بيرجوجيو” البالغ من العمر 76 عاما، يتمتع بشعبية واسعة لدى باقي كرادلة الفاتيكان، وكان المنافس الأقوى ” جوزيف راتزينجر” ( البابا بنديكت) خلال الانتخابات الباباوية عام 2005. كما يعتبر أول بابا يتم اختياره من الأمريكيتين، ويبدو الحس الاجتماعي ل”خورخي ماريو بيرجوجيو” في اختيار اسمه الباباوي (فرنسيس الأول) تيمنا بالقديس فرنسيس الأسيزي الذي عاش حياة البدخ في مراهقته وبداية شبابه إلى أن ترك عائلته عام 1206 ميلادي، وبدأ بالدعوة إلى مساعدة الفقراء، بعدها كوّن مجموعة من 12 تابعين له وهبهم سكان مدينة أسيس قطعة أرض وبنوا عليها مساكنهم واتخذوا لنفسهم ملابس بسيطة.

و كان فرانسيس يدعو أيضا إلى البساطة، حب الله والناس، وظهرت أهمية البساطة والقرب من الناس عند بيرجوجيو حينما عين كاردينالا لبيونيس آيريس عام 2001، إذ رفض استعمال السيارة الفاخرة أو السكن في قصر بدخ، وفضل مواصلة حياة بسيطة فواصل مثلا استعمال وسائل النقل العمومية في تنقلاته. ولذلك لم يكن من النادر أن يرى في مترو الأنفاق ذاهبا إلى كنيسته بلازا دي ماو بمدينة بوينس آيريس. كما أنه لم يكن يتجول في روما مرتديا عباءة داكنة اللون ومتخليا عن قبعة الكاردينال.

 في المشاهد الافتتاحية ، يصور المخرج الوقت الذي يكافح فيه البابا بنديكت السادس عشر للحفاظ على صورة الفاتيكان وسط فضائح متعددة ، فإنه  يستدعي الكاردينال “بيرجوجيو” إلى إيطاليا لتوضيح نقاط القوة والقيود في فلسفته مقارنة  في أسلوب ونهج  البابا بنديكت السادس عشر أو راتزينجر الأكثر تعصباً.

ربما لم يحدث مثل هذا الاجتماع أبدًا ، لكن كاتب السيناريو ، أنتوني مكارتن – الذي برز مؤخرًا كمبدع كبير قي كتابة أفلام السيرة الذاتية ، مثل فيلم  “نظرية كل شيء – وهو فيلم سيرة ذاتية و‌رومانسية بريطاني 2014 من إخراج جيمس مارش وكتابة أنثوني مكارتن، مستوحى من مذكرات السفر إلى اللانهاية: حياتي مع ستيفن ل جين وايلد هوكينغ، الذي يركز على علاقتها مع زوجها السابق، العالم الفيزيائي النظري ستيفن هوكينغ، وتشخصيه بداء العصب الحركي ونجاحه في الفيزياء. أو فيلم ” أحلك ساعة” وهو هو فيلم سيرة ذاتية ودراما بريطاني تمّ إنتاجه وعرضه عام 2017، من إخراج جو رايت وبطولة غاري أولدمان، يتناول قصة الفترة العصيبة التي قضتها المملكة المتحدة أثناء الحرب العالمية الثانية بقيادة رئيس الوزراء آنذاك وينستون تشرشل الذي وقعت على عاتقه مهمّة انتشال المملكة من الوضعية الخطيرة التي عاشتها في ظلّ زحف القوات النازية بقيادة هتلر داخل أوروبا. بالاضافة الى الفيلم الذي رشح الى الاوسكار في العام وهو فيلم “البوهيمي رابسودي”  وقصته عن حياة مغني فرقة الروك البريطانية “كوين” فريدي، وتقريبا استحوذ مكارتن على السوق في الأعمال الدرامية والسيرة الذاتية اللامعة، تمكن من خلق حوارات ونقاشات بين الرجلين العجوزين ممتعة وغنية ، لقد استثمر مكارتن في الاختلافات الفلسفية الواسعة بين هذين الرجلين حتى نتعرف على ما تعنيه خيارات الباباوات في الممارسة، وبينما يجعل ذلك فيلم  الباباوات تجربة مشاهدة ممتعة، أما المخرج فرناندو ميريليس الذي سبق وان اخرج افلام متميزة مثل فيلم (مدينة الله) أوفيلم (البستاني الدائم)  كان ناجحا في إدارة  كادر التمثيل  واختيار زوايا التصوير السينمائي والاماكن بشكل مبهر وخلاق. ماهو واضح في الفيلم هو أن الرجلين البابا بنديكت والكاردينال خورخي بيرجوجيو ، اللذين قد يكونان أخوة في المسيح ، لكنهما ليسا أصدقاء.

“أنا لا أتفق مع كل ما تقوله” ، وبينما تتسم محادثتهما بالاحترام والاصغاء ، لكن الهوة المزاجية والإيديولوجية بينهما لا يمكن فصلها، والكاردينال” بيرجوجيو” لا ينفذ من  الخطاب المتشدد  للبابا بينديكت بشأن القضايا الاجتماعية والثقافية ، بحجة أن الكنيسة يجب أن تستخدم نفوذها الأخلاقي لمعالجة قضايا ساخنة. بنديكت هو صوت السلطة والتقاليد، وما يراه بيرجوجيو تغيير ضروري في طريقة معالجات الكنيسة لتلك الازمات ، يرى بينيديكت  انه من الافضل أن يقدم حلول وتسوية وسطية. تراهم عندما يجادلون يستخدمون الدلالات في استعارات بعضهم البعض – يقول “خورخي بيرجوجيو ” إنه يريد تحطيم الجدران ؛ يجيب بنديكت أن “البيت يحتاج إلى جدران” – ما هو على المحك هو مستقبل الكنيسة نفسها، الباباوات” ليسا محايدين تمامًا في هذا النقاش الذي يدور على خلفية الفضيحة – وقوع انتهاكات جنسية في الكنيسة الكاثوليكية وبعد كشف أسماء أكثر من 300 من رجال الدين المتهمين بممارسة هذه الانتهاكات، أكبر تحدي واجه البابا الذي يُعد مرجعا روحيا لحوالي 1.2 مليار مسيحي كاثوليكي حول العالم، أثناء ولايته كانت قضايا التحرش الجنسي المتعاقبة في الكنيسة الكاثوليكية، بداية بإدانة الأب مارسيل ماسيل، الكاهن المكسيكي السابق ومؤسس جمعية “فيلق المسيح”، وحرمانه من الدين المسيحي وفسخه من سلك الكهنوت في 2010، وصولا لرئيس الكنيسة الكاثوليكية في اسكتلندا كيث أوبراين الذي اشتكاه ثلاثة كهنة وقس سابق إلى الفاتيكان متهمين إياه بارتكاب “سلوك جنسي غير مشروع” منذ عام 1980كما استدعى الفاتيكان سفيره لدى أيرلندا في منتصف 2011 للتشاور بشأن اتهامات أطلقها برلمان جمهورية أيرلندا متهما الكنيسة بالتستر على “تحرش قساوسة جنسيا بأطفال في وقائع ترجع أحداثها إلى عام 2009”. وقد واجه البابا انتقادات بشأن تعامل الكنيسة مع أزمة تحرشات جنسية على مدى عقود ألحقت ضررا بالغا بمكانتها في أنحاء العالم ودفعتها لتخصيص مليارات الدولارات كتعويض. وكان موقف البابا بنديكت السادس عشر من المثلية الجنسية قد أثار استياء العديد من الجمعيات الحقوقية، حيث اعتبرها “مرضا يجدر معالجته”.

وفي مشهد من اجمل المواقف وهي لحظة رائعة يسمع فيها بيرجوجيو” اعتراف رئيسه وتصبح كلمات “جوزيف راتزينجر” أو البابا بنديكت السادس عشر فجأة غير مسموعة.  يستخدم الفيلم مقتطفات من الأخبار والتعليقات التلفزيونية من أشخاص عاديين لتذكير المشاهدين بآيات الاعتداء الجنسي والمخالفات المالية التي ابتليت بها الكنيسة ، لكنه يحاول أيضًا ، إلى حد ما ، عدم التركيز على تلك المشاكل. هذا جزئيًا لأن صانعي الأفلام يريدوننا أن نرى ” بيرجوجيو ” كشخصية تعويضية وبديلة ، وهو رجل واجه إخفاقاته الخاصة بالتواضع والذي ينذر صعوده إلى البابوية بعصر من الإصلاح والتجديد، يحب ” بيرجوجيو” أن  يبين بساطته.  وإنه رجل الشعب وكان يرتدي أحذية سوداء الدانتيل بدلا من النعالات المخملية.

كما إنه  يتسم بالتواضع من خلال الدردشات الودية مع البستانيين والسائقين، ورقصة التانغو التي راقص بها البابا بنديكت بالاضافة الى إنه من مشجعي كرة القدم، وفي مشهد جميل يظهر متابعته لمباراة كرة قدم بين منتخبي المانيا والارجنتين وبمشاركة البابا بنديكت، وهذا قد يجعله أكثر جاذبية من بنديكت ، ولكنه يجعله أيضًا أقل إثارة للاهتمام، يحاول المخرج “فرناندو ميريلز” أن يعود بنا وبطريقة الفلاش باك مستخدما اللونين الاسود والابيض الى ماضي وذكريات لشباب” بيرجوجيو”.

بعد أن تذوب الثلوج بين الرجلين، وفي مشهد بديع يلعب فيه المونتاج الدور الأساسي، يجلس بنيديكت يعزف على البيانو مقطوعة موسيقية يقول إن مغنية ألمانية يذكر اسمها كانت تغني على نغماتها قبل الحرب، وإنه كان معجبا بها. وعندما يودّعه ” بيرجوجيو” في النهاية قبيل العودة إلى بلاده، يجذبه من ذراعه ويصر على أن يرقص معه رقصة التانغو التي اشتهرت بها الأرجنتين، على مرأى من المرافقين والحراس في فناء الفاتيكان.  الفيلم أشبه بسيرة ذاتية لكن في إطار سياسي تاريخي مليء بالدراما، إذ تدور قصته عن الكواليس في سياسات الفاتيكان، وسيرة ذاتية مصغرة عن بابا الفاتيكان الحالي فرانسيس. ولم يكن الفيلم يأتي على كل هذا الرونق والسحر والجمال إلا بأداء اثنين من عمالقة التمثيل في العالم. فكما أنه احتفال بالفن الرفيع، هو أيضا احتفال بفن التمثيل. هنا يبلغ أداء أنتوني هوبكنز الذروة في دور البابا بنيديكت. فهو يعبر بطريقته في الحركة وبظهره المقوس المنحني، وإيماءات رأسه بشعره الأبيض، ونظرات عينيه التي تضيق وتتسع في رد فعل فوري على ما يسمعه من رفيقه ويدهشه، بل وحتى في طريقة إمساكه بالمظلة التي يلتقطها من الحديقة في أول لقاء له مع الكاردينال ” بيرجوجيو “، واستخدامها في تأكيد كلامه وسلطته، ثم تدرجه من الخشونة والتزمت وضيق الصدر إلى الرقة والفهم والود والتسامي، لتصبح العلاقة بينهما أقرب إلى الصداقة والفهم. ويؤدي  الممثل العبقري “إنتوني هوبكنز” مشهد العزف على البيانو بشكل مقنع كثيرا ( وهو في الحقيقة عازف متمكن)، كما ينتقل بين اللغات المختلفة (الإنجليزية والإسبانية والإيطالية واللاتينية) مع زميله الممثل العملاق جوناثان برايس (في دور  بيرجوجيو)، الذي يجيد الحديث باللهجة الأرجنتينية. وعندما يسأله بنيديكت في النهاية؛ هل اشتقت للعودة إلى الوطن؟

يكون جوابه؛ أشعر بأنني سجين في اللغة الإنكليزية!!،الفيلم يعاني إلى حد كبير في تقديمه السردي من الغفران إلى أبطاله بعد الاعتراف بالخطايا، ويغفر الرجال بعضهم بعضاً عن خطاياهم دون عملية إعادة تأهيل أو ترميم للعديد من ضحايا سوء المعاملة.  في الختام ، يريد صناع الفيلم على الأغلب أن يسلطوا الضوء على أن خورخي بيرجوجيو رجل واجه إخفاقاته وماضيه بتواضع، وأنه شخصية إصلاحية يُبشِر صعودها إلى البابوية بفجر عهد من الإصلاح والتجديد.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here