علي المسعود: فيلم “مانديلا: طريق طويل نحو الحرية”.. قصة شعب جسدته حياة رجل

 

علي المسعود

قليلون هم الزعماء أو الأشخاص الذين أثروا في حركة التاريخ، وخلفوا وراءهم ميراثًا عظيمًا من العمل والكفاح والنضال في سبيل تحرير وبناء أوطانهم، وأيضًا في سبيل السمو بالقيم الإنسانية حتى باتت الأجيال تذكرهم جيلاً بعد جيل وتردد سيرتهم ومآثرهم باعتبارهم قدوة يجب الاقتداء بها والسير على نهجها والتحلي بخصالها. ولا شك في أن الزعيم الجنوب إفريقي «نيلسون مانديلا» واحد من هؤلاء الزعماء، فتجربته كزعيم مناضل قاوم واحدًا من أعتى الأنظمة العنصرية حتى حرر شعبه من نير العبودية تؤهله لذلك، بيد أن ما قدمه من نموذج إنساني وأخلاقي يجعله حالة فريدة نادرًا لا تتكرر. «مانديلا» هو الذي قال: «إن الضحية لا تنسى الظلم الذي وقع عليها.. لكنها يمكن أن تغفر وتسامح»، فبهذه الكلمات استطاع أن يرسي أسس التسامح والمصالحة التي كانت الأساس في نهضة دولة جنوب إفريقيا وتقدمها بقيادته، وكانت أيضًا الأساس في نشر ثقافة اللا عنف وثقافة السلام وقيم الحرية والعدالة،  في وقت بات العالم في أمس الحاجة إليهم.

أنا لا أبالغ عندما أقول أن “مانديلا” كان من أهم المناضلين في تاريخ العالم الحديث، رجل حارب من أجل حقوق الشعوب ضد التمييز العنصري بشكل كبير ومن أجل الحرية والمساواة. أمر كان له التأثير الأكبر على تاريخ دولة جنوب أفريقيا فبالرغم من قضائه لـ 27 سنة في السجن بتهمة التخطيط للانقلاب على الحكومة. لكنه خرج بعد ذلك و استلم رئاسة الدولة في عام 1994 ليكون بذلك أول الرؤساء السود و أولهم من المنتخبين بطريقة ديمقراطية في جنوب أفريقيا. ركزت حكومته على مهاجمة الإرث العنصري و معالجة المجتمع من تأثيراته ليساعد بذلك على تحقيق المساواة، محاربة الفقر و تعزيز المصالحة العرقية، شغل أيضاً منصب رئيس الكونغرس الوطني الأفريقي من 1991 إلى 1997 و كان أيضاً الأمين العام لحركة عدم الانحياز ما بين 1998 و 1999 التي شهدت أيضاً انتهاء فترة رئاسته، درس المحاماة و القانون في شبابه قبل أن يبدأ بإطلاق صوته لمناهضة الاستعمار، وألقي القبض عليه عدد لا يحصى من المرات أثناء ممارسته لنشاطاته السياسية، كان شخصية مثيرة للجدل و للإعجاب بالطبع بسبب تاريخه الكبير المميز حيث تلقى مانديلا أكثر من 250 تكريم بينها جائزة نوبل للسلام عام 1993.

شهدت جنوب إفريقيا انتقالا تاريخيٌّا من حكم الأقلية إلى حكم الأغلبية ،  وبعد تقاعده عام 1999 ظل «مانديلا» يتابع تحركه مع الجمعيات والحركات المنادية بحقوق الإنسان حول العالم، وكان له كذلك العديد من الآراء والمواقف المثيرة للجدل في الغرب والمثيرة للإعجاب عربيٌّا، ولا سيما فيما يتعلق بالقضايا العربية مثل آرائه في القضية الفلسطينية، عندما وصف الفلسطينيين بأنهم «لا يناضلون من أجل الدولة بل من أجل الحرية والتحرير والمساواة تمامًا كما نناضل لحريتنا في إفريقيا الجنوبية»، كما اتهم إسرائيل بأنها (حرمت ملايين الفلسطينيين من حريتهم وممتلكاتهم وفرضت نظام تفرقة عنصرية قائمًا على التمييز وعدم المساواة). أيضًا يُذكر له موقفه حين رفض طلب الرئيس الأمريكي السابق «بيل كلينتون» قطع العلاقات مع إيران وليبيا وكوبا بدعوى أن هذه الدول راعية للإرهاب وعلل «مانديلا» موقفه بأن هذه الدول وقفت مع نضال شعبه ضد التفرقة العنصرية.

هذه لمحة بسيطة عن حياة نيلسون مانديلا شخصية لا أظن أنها ستكون غريبة أو غير مألوفة عليكم، لمحة ضمت أمور عديدة تتمكن بسهولة من أن تضع نفسها كمصدر إلهام حقيقي لصناع الأفلام، استهوت حياة مانديلا الكثير من صناع السينما من الكتاب و المنتجين والمخرجين،  وهناك الكثير من الأفلام التي تناولت شخصية نيلسون مانديلا. ومن بين هذه الانتاجات التي أنجزت حول هذه الشخصية فيلم “اينفيكتوس” لكلينت ايستوود سنة 2009، وجسد شخصية مانديلا في هذا الفيلم مورغان فريمان الذي أسف لخسارة “أحد عمالقة القرن 20 الفعليين”. وقال في بيان “نلسون مانديلا كان إنسانا يتمتع بعزة لا مثيل لها وبقوة لا تنضب وعزم لا يتزعزع”. وكان الممثل الأميركي التقى الزعيم الجنوب إفريقي مرات عديدة تمهيدا لتحويل سيرته إلى فيلم سينمائي، وكان من المقرر أن يؤدي فريمان دور مانديلا في الفيلم الاخير عن مسيرة نيلسون مانديلا النضالية ،لكنه تخلى عن الدور بعد التأخير في انجاز الفيلم.

ومن الممثلين الذين جسدوا شخصية مانديلا أيضأ” داني غلوفر” في الفيلم التلفزيوني “مانديلا” (1987) وكذالك الممثل سيدني بواتييه في “مانديلا اند دي كليرك”. وفيلم ( مانديلا : مسيرة طويلة نحو الحرية)، و هوعمل سينمائي يحكي قصة مانديلا ومسيرته نحو الحرية ، أطلق هذا الفيلم في دور العرض في يوم 29 نوفمبر أي قبل سبعة ايام من رحيل نيلسون مانديلا،  الفيلم يتناول السيرة الذاتية للمناضل الأفريقى منذ طفولته وحتى زعامته لجنوب أفريقيا عن طريق أول انتخابات رئاسية فى البلاد ، أنتج الفيلم خلال عام 2013، فيلم (مانديلا : مسيرة طويلة نحو الحرية)، من إخراج جاستن شادويك ، الفيلم مبنيٌّ على السيرة الذاتية لنيلسون مانديلا، والتي كتبها نيلسون تحت عنوان «مسيرة طويلة نحو الحرية»، ويستعرض نشأته حتى تقدّمه في السن، وتعليمه، وتمرّده، والسنوات السبع والعشرين التي قضاها أولاً في سجن جزيرة روبن آيلاند، ثم في سجن بولسمور وسجن فيكتور فيرستر، وحتى وصوله إلى رئاسة جنوب أفريقيا ، الفيلم من بطولة الممثل إدريس إلبا بدور نيلسون مانديلا، وناعومي هاريس التي قامت بدور زوجة مانديلا السابقة ويني ماديكيزيلا مانديلا.  وفي  تلك السيرةالذاتية،  يؤمن مانديلا بتعريف آخر للنضال السلمي يختلف ربما عما أشيع عنه.

في أحد نصوص السيرة الذاتية يقول مانديلا: «الحكومة والشرطة كانت اتخذت التدابير لمنع أي اجتماع سلمي وتجريمه، وكانت الأمور تسير تجاه حكم بوليسي. وبدأت أرى أن الاحتجاجات القانونية ستصبح مستحيلة في الوقت القريب، وأن المقاومة السلمية تكون فعالة إذا تمسك من تقاومهم بالقوانين ذاتها التي تتمسك بها أنت، وإلا فلا فاعلية لها. وبالنسبة إلي، كان عدم العنف استراتيجية فقط، ولم يكن مبدأً أخلاقياً. فلا يوجد خيار أخلاقي في استعمال سلاح غير فعال).

وفي الفيلم برزت فكرة المناضل مانديلا في نبذ العنف وسيادة لغة التسامح حتى مع سجانه ،   ويفتتح الفيلم  بصوت الراوي وهومانديلا وهو يتحدث عن نشأته : (منحني أبي لقبا وهو” أو لِش لاشَا” ومعناه  مسبب المشاكل ، ولكني لم أرد ان أسبب اي مشاكل ، بل اردت ان اكون مصدر فخر لأسرتي). يبدأ الفيلم في جوهانسبرغ عام 1942. و يستمر في رواية مسيرة مانديلا منذ طفولته وحتى خروجه من السجن في العام 1994 وترؤسه للبلاد بعد أن أمضى سبعة وعشرين عاماً في سجون نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا بعد إدانته عام 1964 بتهم لفقها له نظام الفصل العنصري ليتحول بعدها مانديلا إلى رمز عالمي للنضال بعد قيادة بلاده خلال مرحلة انتقالية نحو الديمقراطية والمصالحة بين السود والبيض. نقل الشريط الذي يقارب الساعتين من الزمن مادة وثائقية عن حياة هذا المناضل الثائر ورمز اللاعنف والسلم والديمقراطية إذ جسد الشريط ببصرية لافتة حياة مانديلا الزعيم الوطني “أبو الأمة” أو “الأب المؤسس للديمقراطية في جنوب إفريقيا” كما يلقبه سكان بلاده وذلك بعد أن قضى سبعة وستين عاماً من حياته في النضال ضد الفصل والتمييز العنصري فهو الزعيم الذي تحول إلى أيقونة منذ كان في السجن لتقدم عنه أعمال كثيرة عبر الغناء والموسيقى والأفلام والمسرحيات وبكل أشكال التعبير ليتواصل تكريمه بعد أن خرج من سجنه.

الفيلم حقق أصداءه الطيبة في كل من باريس ولندن والولايات المتحدة الأمريكية وذلك لما يكنه شرفاء العالم الحر لهذا الرمز من احترام وتقدير. وبالرغم من أن بطل الفيلم ليس من مواطني جنوب إفريقيا وهو أدريس إلبا (صاحب الجذور الأفريقية بدوره حيث ولد لأبوين من غانا وسيراليون)،إلا أن  لهجته وإن كانت ليست بالضبط مثل  نبرة ” نيلسون مانديلا”، لكنها  هادئة وقريبة من لهجته على نحو كافي .

ولد نيلسون مانديلا في قرية مغيزو، في منطقة ترانسكي جنوب جوهانسبورغ، في 18 تموز (يوليو) 1918، واسمه الأصلي روليهلاهلا داليبهونغا. كان والده زعيماً قبلياً، ورث الزعامة عن أجداده الذين كانوا يعتبرون ملوكاً، غير أن مانديلا لم يعش عيشة الملوك، بل على العكس منها عاش طفولة قلقة بعد طرد والده من منصبه كشيخ للقبيلة. أمضى مانديلا طفولته متنقلاً بين منزل والدته، ومنازل زوجات أبيه، ربما كان ذلك سبب قوله لاحقاً إنه “في كل مراحل حياته، كان يشعر بالراحة مع النساء”. كان مانديلا يسمع أخبار أجداده ملوك شعب التمبو، فيشعر أنه في زمن لا يعترف بالملكيات الغابرة، خصوصاً في ظل وجود التمييز العنصري وانهيار المجتمع الزراعي التقليدي. أما سبب اعتماده اسم نيلسون بدلاً من اسمه الاصلي، فيعود إلى معلمه في المدرسة التبشيرية الذي أطلق عليه اسم نيلسون، في سياق اختيار البعثات التبشيرية للتلاميذ السود أسماء أبطال إنكليز. وحين أنهى دراساته العليا، كانت الحياة الجامعية أعطته تجربة قيادية من خلال النشاطات الطالبية ذات البعد السياسي، إضافة إلى اختلاطه بطلاب من مختلف الأعراق، لينتقل بعدها إلى جوهانسبورغ، المدينة الرئيسية في البلاد، حيث عمل مساعداً لأحد المحامين.

مارس مانديلا نشاطاً سياسياً، فشارك عام 1942 في حملة ناجحة لمقاطعات الحافلات احتجاجاً على رفع ثمن التذاكر. وشكل ذلك بداية ارتباطه بحزب “المؤتمر الوطني الأفريقي” الذي كان تأسس عام 1912، فشكّل المؤتمر إطاراً لنشاطه السياسي والاجتماعي. وبسبب حظر “المؤتمر الوطني الأفريقي” بقرار من حكومة الفصل العنصري التي يقودها البيض، والتي قامت بفرض نظام “الفصل العنصري” (الأبارتهايد)، مارس مانديلا عمله سراً مع المؤتمر. في تلك المرحلة، طرأ تحول على فكر مانديلا، وأصبحت المقاومة السلمية شعاراً ينتمي إلى بدايات النضال، فراح ينظّم مع رفاقه في الحزب حملات عنف لتخريب وتعطيل الدورة الاقتصادية في بلده جنوب أفريقيا.

وأدى ذلك إلى اعتقاله وإحالته إلى المحاكمة، بتهمة التآمر لإطاحة نظام الحكم. وفي تشرين الأول (أكتوبر) 1963 بدأت المحكمة النظر في قضيته، وسط اهتمام عام وعالمي بهذه القضية، أثناء المحاكمة ألقى مانديلا خطاباً دفاعاً عن نفسه، استغرق 5 ساعات، واعتبر الأعمق وقعاً في حياة مانديلا السياسية كلها، إذ أبرزه بوضوح زعيماً ليس فقط لحزب “المؤتمر الوطني الأفريقي”، وإنما للمعارضة المتعددة الأعراق والمعادية التفرقة العنصرية،  في خطابه الذي  ألقاه أثناء محاكمته بتهمة الخيانة في 20 ابريل نيسان 1964: “طوال حياتي كرست نفسي لنضال الشعب الافريقي هذا، قاتلت ضد هيمنة البيض، وقاتلت أيضا ضد هيمنة السود، تعلقت بمبدأ المجتمع الديمقراطي الحر يعيش فيه الجميع معاً في وئام وبفرص متساوية”. ولعل أهم ما جاء في خطابه، هذه العبارة التي عبرت عن أفق واسع وتسامح مارسه لاحقاً مع سجّانيه ومضطهديه وأبناء جلدته، حين خرج من السجن وأنهى نظام الفصل العنصري وانتخب رئيساً للبلاد، فقال: “كرّست حياتي لكفاح الشعب الأفريقي وحاربت هيمنة البيض بقدر ما حاربت فكرة هيمنة السود. كنت دائماً أرفع عالياً نموذج المجتمع الديموقراطي الحر، حيث الجميع يعطون فرصاً متعادلة ومنسجمة. وإذا اقتضى الأمر سأموت من أجل هذا الهدف”. في العام 1985 عرضت عليه صفقة تشمل إطلاق سراحه في مقابل وقف المقاومة المسلحة، إلاّ أنه رفض العرض، وبقي في السجن حتى 11 شباط (فبراير) 1990، أي نحو 27 سنة، إلى أن أدت الضغوط المحلية والدولية إلى إطلاقه، بأمر من رئيس الجمهورية فردريك دوكليرك، الذي شارك مانديلا جائزة “نوبل” للسلام عام 1993.  لدى خروجه من السجن يوم 11 شباط عام 1990: “أقف هنا أمامكم لا كرسول بل كخادم ذليل أمامكم أمام الشعب. ان تضحياتكم الدؤوبة والتاريخية هي التي جعلت من الممكن ان أقف هنا اليوم. ولهذا أضع ما تبقي من سنوات عمري بين أيديكم”. أصبح نيلسون مانديلا أول رئيس أسود لجمهورية جنوب أفريقيا في 10 أيار (مايو) 1994، وذلك بعد فوز حزبه “المؤتمر الوطني الأفريقي”، بأكثرية ساحقة في أول انتخابات متعددة الأعراق، في بلد كان يشكل آخر قلاع التمييز العنصري، في أول خطاب له كرئيس لجنوب افريقيا في العاشر من ايار 1994: “حان الوقت لمداواة الجراح، حان وقت تخطي الهوة التي فرقت بيننا، حلّ علينا وقت البناء”.

في نهاية الفيلم يرتفع صوت “مانديلا”  ( لقد سلكت طريقا ..طويلا ..طويلا  نحو الحرية، لقد كان طريقا طويلا ، ولكنه لم ينتهي بعد ،أعلم أن دولتي لايمكن أن تكون أرضا للكراهية، فلا أحد يولود وهي  بكراهية لاحد أخر، بسبب لون بشرته، بل الناس يتعلمون الكراهية، ويمكن أن يتعلموا الحب ، بواسطة الحب تاتي الامور على نحو طبيعي لقلب الانسان” ، وفي العام 1999 قرر مانديلا التقاعد بعدما انتهت مدة ولايته، ورفض أن يُمدَّد له، فتنحى عن الحكم، لكنه تابع نشاطه مع الجمعيات والحركات المنادية بحقوق الإنسان حول العالم. لقد روى «مانديلا» في مذكراته «مسيرة طويلة نحو الحرية» التي كتبها في المعتقل في «روبن آيلاند».

بعد مشاهدتي للفيلم، أعتقد أنه سيكون من الصعب اختزال هذه الحياة الثرية، التي تتضمن 27 عاما قضاها مانديلا في السجن، في ساعتين دون إغفال بعض اللحظات التاريخية. أعتقد أن الفيلم أبرز روح الرجل ومواطنيه من حيث رغبتهم في تحرير أنفسهم من نير النظام العنصري الوحشي. أعتقد أنه كان ينبغي تناول موت كريس هاني، حتى وإن كان ذلك من خلال مشهد واحد، وأذكر كريس هاني لأن اغتياله في صباح يوم السبت المشؤوم في العاشر من إبريل/نيسان عام 1993 يعتبر اليوم الذي تحتفل فيه البلاد بأكبر عطلة عامة ، وهو يوم الحرية. وكان هاني وقت اغتياله ثاني أبرز زعيم شعبي في المجلس الوطني الإفريقي بعد نيسلون مانديلا. لقد اغتاله رصاص المهاجر البولندي يانوش فالوس بناء على أمر من السياسي اليميني كليف ديربي-لويس″.

وقالت ” زيندزي ” إبنة مانديلا عند حضورها العرض ألاول للفيلم ” هناك مشهد يصورنا أنا وشقيقتي وحدنا في المنزل بعدما جرى توقيف والدتي وكانت شقيقتي تهتم بي وتحاول إعداد طعام الإفطار، المشهد البسيط أعاد إلى تلك الذكريات والأوقات التي شعرت فيها بغياب والدي حرمت من الحياة العائلية، كل هذه الاوقات من الوحدة واليأس والتي لم يأت فيها احد لمساعدتنا ،وبصراحة، الفيلم قاس، واعتقد اني بحاجة لمشاهدته مجددا”. أما الممثل الرئيسي وهو البريطاني إدريس إلبا فقد قال” (هذه القصة أكبر مني بكثير، وأكبر من أي شخص، وان الجنوب إفريقيين يحبون مانديلا حباً كبيراً، ما يجعل تجسيد شخصيته مسؤولية كبيرة)). وما يميز الفيلم أنه حاول نقل صورة اصلية لكل الأحداث مرتكزا على بحث معمق في محفوظات مركز نلسون مانديلا، وانه عمد الى تصوير الحياة الشخصية والعائلية لمانديلا. وقال مخرج الفيلم، البريطاني جاستن شادويك:”لقد حاولنا ان نفهم البعد الشخصي للرجل، وليس الامور التي يعرفها كل الناس، أردنا أن يتناول الفيلم العائلة والحب والمسامحة”.

 وإذا كان الفيلم يؤرخ لحياة مانديلا، فأنه أيضا يلقي الضوء على مواطني جنوب إفريقيا، الذين شارك منهم عدد كبير في المشاهد التي تصور أعمال العنف إبان الصدامات العرقية في البلاد.  تحدث المخرج عن الفيلم “أردنا أن نرسم صورة شاملة حقيقية للناس الذين يظهرون في الفيلم”.

وأذكر هنا فريق العمل من النجوم المحليين الذين لا يمكن إغفالهم على الاطلاق أمثال شخصية والتر سيسولو، الرجل الذي ضم نيلسون مانديلا إلى المجلس الوطني الإفريقي وجسده الممثل الموهوب توني نغوروغ إلى جانب موهبة إلبا والممثلة البريطانية (ناعومي هاريس ) التي جسدت دور ويني مانديلا فضلا عن مشاركة العديد من المواهب الأخرى في ملحمة سيرته الذاتية.

 فيلم (طريق طويل نحو الحرية) من الأفلام المؤثرة للغاية ويذكرنا بالكفاح من أجل الحرية،  الفيلم لا يتناول حياة مانديلا، بل هي يتناول قصة شعب جسدته حياة رجل. مسيرة مانديلا ستبقى المثال الحاضر دائما لتقديم النموذج السياسي والاجتماعي الذي يؤكدبأن الاختلافات الدينية و العرقية و الإثنية لايمكن أن  تشكل عائقا أمام بناء دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية والتعددية التي تحفظ  التنوع والتعدد ضمن مكونات أبنائها من خلال تحقيق مبادئ العدالة والمساواة، لا بل أن هذا التعدد والتتنوع ضمن مفهوم ورؤية مانديلا يشمل مصدر غنى لهذه الدولة في ثقافته وحضارتها وليس مصدرا للإقتتال والدمار وارتكاب أفظع الجرائم ضد الإنسانية على النحو الجاري في مناطق كثيرة من هذا العالم ولعل ما يجري في بعض الدول العربية لا سيما في سوريا والعراق ليس سوى دليلا صارخا كما أن هذا الوطن العربي يتوق إلى مانديلا ينقذه من براثن الطائفية والمذهبية التي تدمر تنوعه وتغرق مجتماعاته في صراعات الموت العبثية. توفي نيلسون مانديلا عن 95 سنة، تاركاً وراءه 3  بنات، 17 حفيداً و12 من أبناء أحفاده. عرف بشجاعته وحبّه للحرية، ما جعله وجهاً ورمزاً عابراً للثقافات.

وللمفارقة فإن وفاة الرئيس الجنوب أفريقي السابق أعلنت خلال العرض الأول في لندن لفيلم “مانديلا.. لونغ ووك تو فريدوم” (مانديلا.. طريق طويل نحو الحرية) المقتبس عن سيرته الذاتية التي صدرت العام 1994، وهو فيلم انتظر 19 عاما للوصول إلى الشاشات الكبيرة. وبرحيله يكون هذا العالم العاصف والمليئ بشتى أنواع العنصرية والعنف والتمييز بين أبناء البشر، قد خسر رجلا مميزا  ترك بصمة استثنائية في مسار التاريخ الإنساني ، وكيف لا ونلسون مانديلا قد  أمضى حياته ساعيا لحقيق مبادئه في العدالة والمساواة والحرية والسلام من دون اي مساومة بالرغم كل المصاعب والأهوال التي واجهها وخرج منها منتصرا قويا، لذلك أن غياب  تلك الروح السامية عن قميص جسد ذلك الإنسان لن يغير في الأمور شيئا لأن نلسون مانديلا سيبقى بإرثه ونهجه وتعاليمه حاضرا بقوة في ذاكرة  وقلوب ووجدان  الشعوب ورمزا حاضر في تطلعات الأحرار وملهما لملايين المناضلين الذين لا يزالون يرفضون الخضوع إلى القهر والتعسف لأن تجربة مانديلا ستكون دائما أمامهم الأمل الواعد بانه مهما طال عهد الظلم والإستبداد لا بد في نهاية الامر أن يستجيب القدر ولابد لليل أن ينجلي و يشرق فجر الحرية والعدالة.

 المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. نلسون مانديلا سيبقى بإرثه ونهجه وتعاليمه حاضرا بقوة في ذاكرة وقلوب ووجدان الشعوب ورمزا حاضر في تطلعات الأحرار وملهما لملايين المناضلين الذين لا يزالون يرفضون الخضوع إلى القهر . عرض جميل وقراءة ممتعة

  2. عرض شيق وجميل لفيلم سلطة الضوء على شخصية ترك اثرا كبيرا في مسيرة النضال وهو نيلسون مانديلا ‘ شكرًا للكاتب و تحية ل( رأي الْيَوْمَ)على النشر.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here