علي المسعود: فيلم “على بوابة الخلود” يعيد الرسام “فنسيت فان كوخ من جديد

علي المسعود

لقد كتب الكثير من نقاد الفن والاجتماع عن سر عظمة وشهرة الرسام “فنست فان كوخ” التي لم تحدث إلا بعد موته، وفي كتابها سوسيولوجيا الفن تقول” نتالي إينيك”( إن غزارة الدراسات التي تناولت فان كوخ وفنه تعزز الفكرة الشائعة بين المعجبين بأن نهايته المأساوية كانت نتيجة عدم الفهم الذي تعرضت له أعماله وكان ضحيتها). تكمن أهمية “فان كوخ” في كونه أكثر الرسامين موازنة بين السيطرة على فرشاة الرسم، وبين إطلاق العنان للإبداع. ويمكن ملاحظة هذا الأمر في أغلب لوحاته. إن ما يدفع الجماهير لمحبة ” فان كوخ ” (شعور بالدَّين الجماعي لهذا الفنان) الذي عاش حياته فقيرا ووحيدا ومعذبا ولم يشهد كيف أصبح -هو نفسه- أحد رموز الفن المعاصر، وأصبحت لوحاته أيقونات عالمية.

“فنست فان كوخ” هو رسام هولندي من القرن التاسع عشر، رسم ما يقارب 900 لوحة ولم تبع له سوى لوحة واحدة في حياته بملغ 400 فرنك وهو سعر لا يمثل شيئًا بالنسبة  لمبلغ 66.3 مليون دولار الذي سجلته لوحته “زقاق أليسكامبس″. إن مأساة حياة” فان كوخ” وقصة موته الغامض أثارت اهتمام عشرات المخرجين والكتاب الذين صنعوا عشرات الأفلام الروائية والوثائقية حول حياته والتي حولته لأحد رموز الثقافة المعاصرة.

من بين هذه الأفلام فيلم “فان كوخ” للمخرج موريس بيالا 1991، يركزهذا الفيلم الفرنسي على الأيام الـ 67 الأخيرة من حياة الفنان، وما يميز هذا الفيلم أن المخرج كان مهتما بنفي صفة الجنون عنه، وإعادة تقديمه كرجل طبيعي لا يعاني مرضا عقليا. هناك أيضا فيلم للمخرج روبرت ألتمان 1990 وهو الفيلم الذي كان مخرجه مسحورا بالعلاقة شديدة الخصوصية التي كانت تربط فان كوخ بأخيه ثيو، الذي كتب له مجموعة من أعذب الرسائل التي عرفها العالم، واحتوت هذه الرسائل على الكثير من المعلومات شديدة الثراء بسبب ما تعكسه حول الجوانب الخفية للنفس الإنسانية، ويمكننا من أيضا أن نتعرف على الكثير عن سيكلوجية الإبداع الفني. أما المخرج” فينسنت مينيللي “فقدم صورة أخرى ل(فنسنت فان كوخ ) من خلال فيلمه “شهوة الحياة لفنسنت كوخ” 1956 وهي الصورة التي يبدو أنها الأكثر انتشارا عن الفنان، ذلك المجنون الذي يدفعه جنونه هذا نحو ممارسة الفن حتى لحظة موته، ففي مشهد انتحاره يصوره الفيلم وهو يطلق الرصاص على نفسه أثناء رسمه لوحته الأخيرة “حقل القمح والغربان.

وفي عام 2017 أُنتج  فيلم ( محبة فنست ) وهو إنتاج بريطاني/ بولندي مشترك من إخراج ” دوروتا کوبیلا “وهیو ويلتشمان” وتدور أحداثه  بعد وفات ” فان كوخ” بعام، وذلك عبر رحلة أرماند ابن ساعي البريد صديق فان كوخ، الذي يطلب منه والده إيصال رسالة الفنان الأخيرة لأخيه الوحيد، ولكن هذا الطلب الذي قد يبدو هين، لكنه يأخذ الفتى الى مسارات غير متوقعة، ليبدأ في استكشاف تفاصيل العام الأخيرة في حياة الرسام الشهير، وتفاصيل وفاته، أوانتحاره كما هو شائع.

هذا الفيلم استعراض لتقنيات “كوخ”  في رسم لوحاته بصورة بديعة للغاية، حيث بدلًا من الشرح النظري ستجد أنّ كل لقطة هي جزء من عالمه الفني الذي حاول الفنانون محاكاته بدقة، واستخدم الفيلم الرسائل بين فنسنت وأخيه ثيو لشرح عمق العلاقة الأخوية بينهما، والتي جعلت الأخير يموت بعد فنسنت بستة أشهر حزنًا عليه ، فقد تم استلهام اللوحات التي  صنع منها الفيلم وحتى شكل الشخصيات الرئيسية تم اختيارها لتشبه شخصيات رسمها هو بنفسه، بل إنّ الممثلين الذين تم انتقاؤهم للعمل في الفيلم يشبهون إلى حد كبير شخوص الرسام” فان كوخ”، ليتضافر كل ذلك ويصنع وهمًا جميلًا بأنّ “فنسنت” قد عاد لزمننا، وقام بنفسه بصناعة فيلم برسومه يحكي من خلاله قصة أوجاعه، وإخفاقاته التي عجلت بنهايته قبل الأوان. فهو الأول من نوعه، كفيلم مصنوع من لوحات مرسومة باليد باستخدام الألوان الزيتية .

في شهر سبتمر لعام 2018 أطل علينا الرسام ( فنست فان كوخ ) من خلال التحفة السينمائية وهو فيلم  ” على بوابة الخلود” هذا الفيلم هو انصهار رائع لثلاثة من الفنانين وهما، الموضوع (فنسنت فان كوخ) ، والمؤدي ويليم دافو ، والمخرج جوليان شنابل، إنه فيلم انطباعي ، يهتم أكثر بالجو المحيط بالعبقري أكثر من تفسيره. الفيلم ينتمى لفئة الدراما والسيرة الذاتية، وقام بإخراجه الأمريكى “جوليان شنابل”، فيما أعدُ السيناريو الخاص به الكاتب المسرحى “جان كلود كاريير”، قصة الفيلم تدور فى إطار درامى حول أحدى الفترات الزاهرة فى حياة الفنان الهولندى فان كوخ، وتحديدًا الفترة التى قضاها بالعاصمة الفرنسية باريس فى عام 1886، حيث التقى مع جماعة من المدرسة الطليعية بما فى ذلك الفنان الكبير” بول غوغان”. الفيلم يسلط الضوء على الإبداع والتضحيات التى قدمها لإنتاج روائع مذهلة من الأعمال الفنية التى لاتزال حديث العالم حتى الآن. يفتتح الفيلم في باريس ، حيث كان “فان كوخ” يستعد للقيام  بمعرضً

لرسوماته على جدار مطعم (كان من المفترض أن يكون عرضًا جماعيًا ، ولكن لم يأت أحد من زملائه من الفنانين ، ويصاب” فينست فان كوخ ” بحالة من الاحباط . بعدهأ، يلتقي” فينسنت فان كوخ”، الذي كان منبوذا وغير معترف به آنذاك كفنان تشكيلي جدي، بالرسام “بول غوغان”، التشكيلي ما بعد الانطباعي الذي لم تعرف أهمية تجربته إلا بعد وفاته، بعدما غادر هذا الأخير غاضبا اجتماع فنانين تشكيليين “يفكّرون كبيروقراطيين يسكن في داخل  كل واحد منهم مستبد صغير”، وبعد التعرف عليه يدور الحوار بينهما يخبره غوغان :  (أريد الذهاب الى  جزيرة مدغشقر حيث لم يسمعوا عن لوحة، بعيدا عن الانظمة و النظريات أريد اكون في حرية حقيقية واريد ان اكون لوحدي) ويخبره فنست انه هو الاخر يبحث عن الضوء 🙁 أنا اكره الضباب وتعبت من اللون الرمادي, أني أبحث عن ضوء جديد  للوحات لامعة رسمت في ضوء الشمس ؟؟ )”. و هنا يقترح غوغان على فنست فان كوخ الرحيل صوب الجنوب الفرنسي في  قرية أرليوز، يصل الى القرية أرلي متعب و ويستوعب الناظر مدى فقر وبؤس فينست، فهناك جوربه المثقوب، وحذاؤه البالي، وتعبه الظاهر، يخلع حذاءه ويبدا برسم لوحة”الحذاء”.

هذه اللوحة (لوحة الحذاء) التي أثارت الكثير من ألاسئلة ، فقد انهالت عليه التعليقات الساخرة من زملاءه، فكيف لحذاء رث أن يصلح لوحة لتزيين جدران غرفة الطعام. بعد حين، أصبح حذاء “فان جوخ” أحد أشهر الأحذية في تاريخ  الفن الحديث ، فهو ليس مجرّد حذاء، لقد كان فضاء كبيرًا لسيل من المعاني والرموز والتفسيرات.  “جاك دريد”ا يعتقد أن أحذية فان جوخ تحوي أشباحًا فنحن أمام هذا العمل الفني وفقًا لدريدا لا نتذكر سوى الأشباح التي تسكن الأحذية بعد رحيل الأقدام عنها، لقد اكتسب جلد الحذاء قسوة من وعورة المشي في الطين حتى ملأته التجاعيد والشقوق. لقد تركت الغيطان أثرها عليه. وصارت أخاديده مسارات تغدو فيها الرياح، هذا الحذاء ينتمي للأرض. ينتمي للممرات بين الحقول. تتبع كاميرا المخرج” شانابيل “فان كوخ ” أثناء تجواله في حقول القمح

المتموجة في قبعته من القش أو على ظهره الصندوق خشبي ، أو يرش الأرض على وجهه ، مغمورا بضوء الشمس ، مرتديًا ابتسامة من السماء كما يتيح تدفق النعيم للطبيعة من خلاله. مع كاميرا محمولة والتصوير بشكل متوتر وعصبي والكثير من الزويا واللقطات من نوع العدسات الواسعة الزاوية التي تعكس المنظور والحالة غير المستقرة لعقل مضطرب وهو عقل الفنان ( فنست فان كوخ ). حتى أستخدام الموسيقى  تم توظيفه بشكل رائع أبدعت فيها “تاتيانا ليسوفسكايا “. يحل “فنست فان كوخ” سنة 1888بمدينة «آرلي» المتوسطية التي سيدشن فيها المرحلة الأكثر إشراقا في حياته الإبداعية.

كان يبدي ولعا شديدا بالمناظر الطبيعية والأشياء البسيطة.. وبالأشخاص الذين يرسمهم. لكنه ظل بالنسبة لهم مجرد غريب ، وبدلا من إدراك حساسيته، كان من حوله لا يرون فيه سوى الجنون ، فالجمال الذي كان يوَلّْد لديه النشوة، كان قبحا في نظر الآخرين. تتغير والألوان التي يستعملها في الرسم بعد ممارسته “طقوس الوحدة”. لكن ما يثير الانتباه هو أن هذه الألوان هي غير الألوان المعهودة في لوحات فان كوخ من أزرق وأصفر دافئ يميل إلى البرتقالي، بل هي ألوان تعكس القلق مثل الأصفر الفاقع، والأسود الذي يطغى على اللوحة، والأحمر، والبرتقالي غير الدافئ، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل: هل المشهد يصوّر فينسينت قبل أن يصبح كما نعهده اليوم؟

الورود الحقيقية تذبل ووُرودي لا تذبل”، قدّم فان كوخ هذا الجواب للمرأة التي كانت تنظّف بيته، وسألته عن سبب رسمه ورودا تكون أجمل في حالتها الطبيعية، مضيفا أن وروده “ستقاوم”، وأنه يمكنه أن يجعلها هي نفسها أصغر سنا في لوحة من لوحاته، وهو ما رفضته المرأة الشابة لأنه “لن يكون عادلا”. فان كوخ الذي لا يعتني بنظافته، وهو ما يفهم من حديث المنظّفة عن رائحته الكريهة، يستمر في رحلاته الاستكشافية الخارجية التي تعكس محاولة بحث داخلي عن الإلهام، حتى في الأيام الممطرة، فيتسلّق الجبال بحثا عن الجمال وما يستحقّ التأمّل، مرتديا قبعته التي عهدنا رؤيتها في أحد بورتريهاتِه الفنية الذاتية. أفضل المشاهد تأتي عندما يواجه فان كوخ البشر – على عكس الأشياء. مجموعة من أطفال المدارس المشاكسين، مع معلمهم الفظ والمتخلف ، الذين يقاطعون الهام الفنان فان كوخ وهو يرسم في الحقل  ، وسيسخرون من رسوماته ، بعدها صوّب طفلان حجرين نحو الرسام متسبّبين في اندفاعه جريا وراء أحدهِما، رغم صراخه، ليجد نفسه في مصحة للأمراض العقلية بعد انهيالِ أب الطفل وجيرانه عليه بالضّرب. ،عند زيارة أخيه ( ثيو ) له في مستشفى الامراض العقلية بعد شكوى عليه من قبل الاهالي بانه يقوم بطلاء وجهه بلون اسود لاخافة الاطفال ( وهو أدعاء باطل) ،يسر “فنست فان كوخ”أخاه بعد سؤاله لماذا أرسلوك مع المجانين؟، يهمس له “لاتخبر الاطباء أحيانا تراودني رؤيا زهور، ملائكة ، بشر شيئا مربك أحيانا يتحثون معي “، يسال الاخ : ماذا يقولون ؟ “لاأفهم شيئأ ، لكنه مخيف وليسوا لطفاء دائما. وعندما أكون كذالك لا أعرف ماذا افعل ، ربما اقتل نفسي”!!. وبعدها يرسل أخيه”ثيو” وهو تاجر للوحات الفنية ، رسالة الى الرسام غوغان يطلب منه ان يكون قريبا من أخيه” فنست ” في الجنوب الفرنسي في ( أرلي)  ويغري الرسام غوغان بالبقاء مع فنست فان كوخ مقابل بيع له لوحة في الشهر و كذالك على استعداد على ارسال مبلغ 250 فرنك شهريا . قدِم غوغان للعيش مع ” فان كوخ” في (أرلي) . فرح فنست بتواجد غوغان قربه لانه وجد رفيقا يكسر عزلته ووحدته، استأجر منزلًا في «أرلي» جنوب فرنسا.  في تلك الفترة رسم مشاهد حية من الريف. ، حيث عمل الرجلان مع بعضهما لشهرين. وفي حوار جميل مفعم بالشاعرية والجمال بين الرسامين ( فان كوخ وغوغان ): لم عليك أن ترسم دائما من الطبيعة؟ ، فيرد “فنست فان كوخ” :  (أبدو تائه إن لم يكن لدي شئ للنظر اليه!!). ويطلب منه غوغان “:

” عليك أن ترسم مافي عقلك، ومايراه دماغك لان جوهر الطبيعة هو الجمال ، ولان الطبيعة مانراه في رؤوسنا لاشئ أخر، بدون عيوننا  ليس هناك طبيعة؟؟ ، وكذالك الناس سيكونوا معروفين و خالدين لانك رسمتهم.” هذا واحد من الحوارات و المناقشات التي  دارت مع  غوغان، حوار شاعري ممتع  يجذب المشاهد وسط الطبيعة الساحرة وهذه هي عظمة السيناريو وروعته، وقد أبرز الفيلم بقوة مبهرة هذا التأثر العميق بالطبيعة لدى فان كوخ لحد الذوبان إن لم أقل الهيستيريا، حيث كانت الكاميرا تركز على المناظر والفضاءات الطبيعية الواسعة حيث تنتشر النباتات والأغراس بمختلف أنواعها بما فيها أزهار عُبَّاد الشمس التي طالما رسمها فان كوخ بافتتان، وكان مولعا باللون الأصفر – هو الذي انتهي به الفيلم. يتجول الفنان عبر المناظر الطبيعية ، وينظر إلى الضوء الذي يرشح عبر الأشجار أو يتسلق فوق تل صخري للحصول على رؤية أفضل، ينتقده صديق وزميله الفنان “بول غوغان”  (أوسكار إسحاق) ، في إحدى المراحل، بأنه يرسم على عجل ثم يفرط في الزخرفة ، مما يخلق انطباعًا كثيفًا يشبه الطين: “مثل النحت أكثر من الرسم، وفي أحد المشاهد يقول فينسنت في أحد التعليقات التي ترسم معنى الفيلم: “عندما أواجه مشهدًا لا أرى سوى  الخلود “.

“هل أنا الوحيد الذي أراه؟”. و بعد أن أخبر غوغان فان كوخ انه لايستطيع البقاء في أرلي ،  وينوي الرحيل و يخبره انه قرر الرحيل من أرلي ،  ويخبره غوغان السبب هو الاختلاف في مزاجهما وكذالك لايمكن البقاء اكثر في بلدة ريفية.  أنهار الفنا ” فنست فان كوخ ” وأنخرط في موجة من البكاء لان رحيل غوغان يعني  ترك فراغا كبيرا في حياته وسيعود لعزلته. ويبدا يلوم نفسه ويخبر الطبيب انهما تشاجرنا قليلآ، (ربما آذيته لا أعرف كيف ؟، أنا اعرف إنني  أخذت شفرة حلاقة وقطعت إحدى إذني، أردت أن اعطيها ل(غوغان) بمثابة اعتذارمني واردت ان أؤثر عليه بالعدول عن قراره بالرحيل ، وسلمتها ملفوفة بورقة الى النادلة غابي التي أفزعها المنظر،  وظنت أنه سوف يقتلها لذا اتصلت بالشرطة).

يرسل بعدها ” فان كوخ” الى مصح (القديس رمي) وهوملاذ طوعي  يخبره الطبيب بأمكانه الرسم. بينما يُرى الرسام “فينست فان كوخ” في مشهد من المشاهد وهو يجري حرا، والصورة مصفرة مثل أشعة الشمس التي يعشق رسمها، إلى أن يصل إلى راعية ظهرت في بداية الفيلم ولم يعرف كيف يتواصل معها بفعالية من أجل رسمها في وضعية تصوّر أنها الأنسب، فالشابة أساءت فهمه و رأت في كلماته المبهمة، وحركاته، محاولة للاعتداء عليها من طرف غريب.

وفي مشهد مؤثر وذا أبعاد جمالية عبر فيه ” فنست فان كوخ” عند لقاءه و حديثه مع القس، عن أن في حياة المسيح معطيات تساعد على فهم حياته، لأنه لم يُعرف ولم يُتَّبع إلا بعد عشرات السنوات من رحيله عن الأرض، موضّحا أن هبة الرسم الإلهية تمكّنه من أن يرسم، ربما، لأناس لم يولدوا بعد. عن هذا الحدث سأله رجل دين الذي  جاء يزوره في بمستشفى الأمراض العقلية في” سان ريمي ” كي يحكم على قواه العقلية زبعده يقرر خروجه أو بقاءه في المستشفى ، فيسأله رجل الدين ويقوم بدوره الممثل الدانماركي الفذ (  مادس ميكلسن ) : سمعت أنك قطعت أذنك وأهديتها إلى مومس.. هل هذا صحيح؟

فرد فان كوخ بحزم :  ” غابي ” ليست مومسا. تقلّبت حالة “فان غوخ “بين الجنون والإبداع الشديد خلال حواره مع رجل الدين، حتى  ذهل رجل الدين بخصوص تصنيفه  هل هو مجنون أم حكيم؟؟ كما يبدو من ملخص الحوار التالي الذي دار بينهما حين سأل الكاهن : هل تشعر بالغضب؟ ،اجاب ” فنست فان كوخ”: أجل

وماذا تعمل؟

أخرج أنظر لورقة عشب أوفرع شجرة تين  للهدوء!

وهل ينجح الامر؟

اجل

هل أنت رسام؟

نعم

وكيف عرفت ذلك؟

لأنني أرسم

ولماذا ترسم؟

لكي لا أفكر

وهل تشعر بالسعادة حين تفعل ذلك؟

نعم

من علمك الرسم؟

هو موهبة من الله!!

ثم حمل الكاهن لوحة صغيرة لفان غوخ تجسد باقة ورد وأراها له دون أن يخفي امتعاضه منها سائلا :

هل هذه لوحتك؟

نعم

وهل تظن أن هذه القباحة رسم؟

فرد غوخ متسائلا بدوره والذي لم تكن الابتسامة تفارقه:

وهل تعتقد أن الله سيلهمني أو يمنحني موهبة لأرسم الأشياء القبيحة؟

فتساءل الكاهن بحيرة، لكن الناس لا تحبك بل لا تكاد تعرفك؟

ربما الله اعطاني الموهبة في الوقت الخاطئ

ماذا تعني بالوقت الخاطئ؟

ربما الرب منحني موهبة الرسم للناس الذين لم  يولدوا لحد ألان، المسيح كان مجهول عندما كان حي!!

كيف تعرف ذالك؟

والدي كان قس، وكنت متدين طول حياتي وقبل أن اكون رسام وجربت نفسي لااكون رجل دين، يعني انك تعرف الانجيل؟ يسأل القس فيرد علية فان كوخ :

ليس فقط الانجيل أستطيع أن اخبرك ان المسيح لم يكتشف حتى بعد 30 او 40 سنة بعد موته، لانه عندما كان حي لاأحد تحدث عنه.  وفعلا هذا ما حصل، فالعالم كله لن يعترف بموهبة وتألق “فان كوخ” إلا بعد وفاته متأثرا بطلقتَيْ رصاص في بطنه لم يعرف حتى الآن هل هو من أطلقهما على نفسه؟ أم من طرف صبيين كانا يلهوان بمسدس بجواره كما ظهر بالفيلم؟. تقول أشهر الروايات بأن “فان كوخ “مات منتحرا بطلقة رصاص أطلقها على نفسه؛ لكن السيرة التي كتبها “ستيفن نايفة” و”غريغوري وايت سميث  (“الحياة: فان كوخ”)، تفيد بأن فان كوخ قد يكون تلقى رصاصة من مجموعة من الصبية كانوا يعبثون بسلاح سواء إثر جريمة قتل أو حادث تم التعتيم عليه، وهذه هي الرواية التي يتبناها الفيلم.، حيث كانت فقط جثة الرسام ولوحاته يصرخون شجبا وإدانة، ينتهي الفيلم مبررا عنوانه باستحقاق كامل حيث مات فان كوخ وهو «على بوابة الخلود».. إذن في صمت هادر – قبل لقطة الاختتام باللون الأصفر السالفة الذكر- تنتهي حكاية الرسام الهولندي الشهير ( فنسيت فان كوخ) عبر رحلة من خلال التحفة السينمائية والتي أبدع صياغة السيناريو الكاتب والسيناريست الفرنسي الشهير” جان كلود كاريير ” الى جانب إدارة المخرج “جوليان شنابيل” الذي وجد في  اداء الممثل  الرائع  “وليام دافو”  ضالته في تقديم هذا السحر والجمال، ومن المتعة البصرية ، ورغم أن “دافو”، يبلغ من العمر 63 عامًا، إلا أن المخرج استعان به لتمثيل دور “فان كوخ” عندما كان عمره 30 عامًا، ومع ذلك قدم الشخصية بطريقة مثالية؛ حتى بدا على الشاشة وكأن الرسام العالمي عاد إلى الحياة من جديد بحماسه وفنه الذي لم يفهمه كثيرون ، بقامة وليم دافو الذي يقدم لنا أداء يمثل إضافة لرصيد حرفة التمثيل السينمائي ولربما يتوج بالأوسكار كأفضل ممثل لهذ العام.

إنها دراما من اللحظات والشظايا والانطباعات، وعلى الرغم من أنها تبين لنا فان كوخ كنفس مسكون، غارق في معركة مع مشاكله العقلية، إن رؤية الفيلم ل(فنٍست فان كوخ) كانت صادقة وحاسمة، وفي نفس الوقت  رومانسية بلا خجل. قد تسميها صورة للفنان كأول زهرة في العالم، في وقته القصير على هذا الكوكب (توفي عام 1890) عن عمر 37عاما. الفيلم  يحتوي كم كبير من الفلسفة والفكر والقراءات العميقة التي اشتغل عليها “جوليان شنابيل ” ليقدم لنا عملاً سينمائياً لا يمكن أن يفارقك. إنها السينما في بهائها والإبداع في تجلياته والاحتفاء في قمته.. هكذا هو فيلم «على بوابة الخلود» الذي يمثل واحداً من اهم نتاجات السينما العالمية لعام 2018.

المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. الناقد الجميل مهند النابلسي أسعدني متابعتك و قراءتك المتميزة ، محبتي لك و دمت ناقدا مبدعا

  2. هذا السرد السينمائي الجميل المتكامل يتماهى مع عبقرية الفنان والتحفة السينمائية وقد استمتعت به وكأني اشاهد الفيلم الذي لن يعرض بالتاكيد في قاعات عمان لأنه ليس فيلم تجاري!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here