علي المسعود: فيلم “رجل السكة الحديدية” دعوة الى التسامح ونبذ الكراهية..؟

علي المسعود

التسامح هو السمو في ألاخلاق و الشفاء للروح ، وهي عملية فيها خطوات وربما مطبّات فشل وتردّد وإن أول إحساس ينتابك بعده هو الإحساس بالحرية والتصالح مع الذات ومع الآخرين, وتقبّل أنك بشر وأنك قادر على محاولة الإحساس الجديد وكأنه أعظم شيء وليس ضعفا.

تلك هي خلاصة رسالة فيلم ( رجل السكة الحديدية ). الفيلم هو امريكي ومن اخراج  “جوناثان

تيبليتزكي” و مبني على احداث قصة حقيقية وقعت خلال الحرب العالمية الثانية, هو دراما وسيرة ذاتية من إنتاج المملكة المتحدة وأستراليا يستوحي أحداثه من واقع سجلات الحرب العالمية الثانية، عندما اسر الجيش الياباني اريك لوماكس ويقوم بدوره الممثل “كولين فيرث” وهو ضابط  في الجيش البريطاني و ما زال يعيش على ذكرياته المؤلمة عندما كان أسيرا للجيش الياباني في أحد المخيمات

التابعة لهم في سنغافورة أثناء الحرب العالمية الثانية. الفيلم إعتمدا على مذكرات” إيريك  لوماكس”

 نفسه والذي تحدث عن مشاركته في الحرب ومن ثم وقوعه في الأسر والعمل على سكة الحديد التي ربطت بين تايلند وبورما .. وعن الضابط الذي كان مكلفا بتعذيبه ويقوم بالدور الممثل الياباني ” هيرويوكي سانادا ” وكيف أثر ذلك على حياته بعد نهاية الحرب.

تبدأ أحداث الفيلم عبر لقاء بين رجل وامرأة في عام 1980 واللقاء يجمع بين ايرك لوماكس “كولين فيرث “وباتي والتي تقدم الدور الممثلة ” ونيكول كيدمان “بعد أن عاش “إيريك لوماكس  وحيداً بعد الحرب حتّى قابل “باتريشا” (نيكول كيدمان) وأحبها، العلاقة تتطور، الى الارتباط ثم الزواج،

المصادفة وحدها جمعت الحبيبين في القطار، شغفهما بالكتب والسياحة أيضاً. وعرف إيريك الحب للمرة الأولى في حياته مع باتي، وكأنه أدرك أنها ستكون سبب خلاصه من كابوس جاثم على صدره طوال 30 عاماً وأكثر، وهذا الذي حدث، فباتي زوجة إيريك ومنذ ليلة زواجهما أدركت أن زوجها الذي أحبته يعيش عالماً مليئاً بالسواد لا يفصح عنه لأحد، فقررت انتشاله من هذا العالم، وهو الذي تركت قسوة التعذيب آثاراً مدمرةً في نفسه، وتبدو كم هي صبورة على تقلبات مزاجه، وكوابيسه التي تغزو نومه، وصراخه المبكي الذي يجعلها تتألم، وفي كل يوم تكتشف باتي ان زوجها ايرك يخفي ألما وذكريات وماضيا  يجعله يصرخ ألما . وأن زوجها يعاني من آثار نفسية مدمرة لما تعرض له أثناء الحرب. وتبدأ مهمتها في  الكشف و التقصي لترحل معه الى عوالم وحكايات تلك الآثار والجروح والماضي المثخن بالعذاب والوجع وأثاره. وتحس  في البداية بالعجز بسبب رفض زوجها البوح لها، وقد حاولت زوجته باتي مساعدته ولكنه لم يكن يريد التحدث عما جرى له ولجأت إلى أقرب أصدقائه الضابط البريطاني السابق فينلي الذي رافقه في ألاسر . لكنها تصمت عندما يقول فينلاي لها «لا يمكن البوح بكل شيء أثناء الحرب، تحاول الزوجة ( باتي ) أن تفهم طبيعة المعاناة التي يعانيها لوماكس. وتحاول الزوجة أن تصل إلى ذكريات الزوج، فتعود إلى فينلي مرة  ليكمل حكاية إيريك التي يبوح بها بينه وبين نفسه خلال كوابيسه، عبر مشاهد تمر بطريقة (الفلاش باك)  المركبة لكنها متسلسلة، ولا تشعر المشاهد بالتشتت, يلخص ( فينلي ) مشاهد استرجاع صور المعاناة للزوجة والحياة وقت الأسر،

واسباب كوابيس “لوماكس إيريك ” حيث العمل المضني في منطقة معزولة وأمام جبل كبير في تايلاند حيث يقوم عدد كبيرمن العمال (أسرى حرب) بتكسير الحجارة لهدف بناء السكة الحديدية.

إيريك ورفاقه المهندسون من الضباط، ولخبرتهم في الاتصالات واللاسلكي، قرروا أن يصنعوا راديو (جهاز استقبال بدائي) كي يستمعوا إلى الأخبار ويستمعون الى إذاعة الـ«بي بي سي» والتي انقطعوا عنها، الهدف كان في نشر أي خبر سار على الأسرى، ونجحوا في المهمة، ونشر الخبر حماسة بين

الأسرى جعلتهم ينتظرون وصول قوات بلادهم لانتشالهم وأنقاذهم من الآسر المهين و المذل. ولكن

 اليابانيين إكتشفوا سر الراديو , فقرروا عقابهم، وبعد أول تعذيب، تقدم إيريك وأقر بأنه الفاعل لينقذ المجموعة التي لم تنسَى له هذا الموقف الشجاع.  بعدها تعرّض لشتّى أنواع التعذيب و لوقت طويل، قاموا بضربه وتعذيبه بشدة حتى اقترب من الموت. وكان الشخص الذي يقوم بتعذيبه ضابط ياباني يدعي ( ناغاسي).

تنتهي العودة للماضي فجأة، ليعيش المشاهد حاضر إيريك لوماكس ومن حوله، فقد وجد  “فينلي وهو أحد رفاقه في ألاسر من خلال خبر مفاده أن  الضابط الياباني (ناغاسي ) لايزال على قيد الحياة ويعمل دليلاً سياحياً في المكان ذاته الذي كان يجلد فيه أسرى الحرب، يقطع الخبر من الصحيفة واضعاً إلى جانبه خنجراً، ويسلمه لإيريك لوماكس، ويقرر الذهاب إلى منطقة أخرى، فيودعه باتي ولوماكس أمام محطة القطار، فيقترب ” فينلي ” من باتي ويقول لها: «عندما أصل سأرسل رسالة إلى لوماكس لن  يستطيع تجاهلها»، وقد وصلت الرسالة فعلاً، فقد قام صديقه ( فينلي ) بالانتحار وشنق نفسه، وفهم لوماكس الرسالة وهي ان يقوم بالانتقام لهم بقتل الضابط الياباني واذا لم يواجه جلاده ستكون نهايته مثله؛. كان يريد  منه أن ينتقم لهم، لأنه كان يتمنى كل يوم أن يرى الضابط الياباني الجلاد مقتولا . وأخيرا, قرر أيريك لوماكس السفرو الذهاب لقتل ناغاسي. المواجهة  بين “إيريك لوماكس” والضابط الياباني “ناغاسي” أوحت بأنهما ينتظران هذه المواجهة طوال سنوات، لكن الجلاد هذه المرة أقر بفعلته، وأن حياته الى هذه اللحظة كانت عذاباً، واراد لوماكس ان يقيم محكمته و ينفذ عقاب بحق الضابط الياباني والذي كذب سابقأ وقال إنه فقط يعمل مترجمأ رغم القتل والتعذيب الذي مارسه:

«دفنت بيدي كثيرين ممن عذبتهم، والجلاد لا يعد ضحاياه». كانت نية إيريك لوماكس قتل المترجم الجلاد، لكنه أراد أن يجعله يعيش قليلاً من الرعب الذي زرعه في نفسه، وفي حوار تحول فيه الجلاد الى متهم والضحية الى قاضي بعدها حاول تعذيبه ففشل، حاول تقييده، وفشل أيضاً، زج به في القفص الصغير الذي كانوا يزجون فيه أسرى الحرب، وأغلق الباب عليه، استسلم ناغاسي له، وطلب منه تخليصه، وعندما أقدم إيريك لوماكس على قتله، أغمض ناغاسي عينيه، وفتحهما وقد وجد حبل القفص قد انقطع بالخنجر الذي رماه “لوماكس ” في النهر والذي كان من المفترض أن يغرس في عنقه . هنا تحرر لوماكس، وشعر بحريته أكثر من أي وقت مضى، وعاد إلى زوجته باتي، مليئاً بالحب والحياة، وزاد على ذلك  تلك الرسالة التي وصلته من ناغاسي، يقول فيها: «أنا أعتذر، وسامحني»، وكان لهذه الرسالة أثرها في حياة لوماكس وكأنه ينتظر فقط إعتذار من جلاده !!.

  ذهب وراءه لينتقم حتى يستعيد نفسه، أخذ معه سكيناً وقرر أن يقتل هذا الضابط . وقد قابله، وهذه فرصته لكي ينتقم، وضع السكين على رقبة ناغاسي، وكان يمكنه أن ينفث عن غضبه كل السنين الماضية ويقتله. ولكنه لم يفعل، لأنه اكتشف أن الانتقام ليس هو الطريق الصحيح لشفائه، ووقف على حافة الجسر وألقى سكينه, و بعد رجوعه أستلم رسالة من الضابط ناغاسي يوصف فيها عذابه هو ألآخر وشعوره بالندم بسبب ما اقترفه من جرائم بحق ألاسرى، وأن المعاناة مثل سيف يخترق قلبه!.

قرر لوماكس وزوجته الذهاب للضابط الياباني و اللقاء به. وقابله في ذلك الممر بين الجبال،وفي لقطة كبيرة ومعبرة ينحنى الضابط الياباني و يقول للاسير ( لوماكس ) : أنا أسف , ماأعظمها من كلمة وأعظم تأثيرها في نفس (لوماكس ) تلك الكلمة التي هزمت الكراهية ولابد أن تنهزم الكراهية يومأ ما, وكأن الضحية تنتظر كلمة « أعتذار » فقط حتى تستطيع المسامحة !!.

بعض المشاعر التي يخرج بها مشاهد فيلم «رجل السكة الحديدية » للمخرج الأسترالي جوناثان تبليتزكي هي أن (( الكراهية لابد أن تتوقف يوما ما» جملة قالها بطل فيلم «رجل السكة الحديدية)) إيريك لوماكس في مشهد النهاية, وكأنها الرسالة  التي اراد صانعوا الفيلم ايصالها للمشاهد وربما المشاهد العربي على وجه الخصوص  استحضارا لما يجري في بعض الأقطار العربية أثناء النزاعات والأحقاد الطائفية . والشئ الجميل  والحقيقي أن الابطال الحقيقين لتلك الرواية أن الاثنين أصبحا صديقين حميمين وظلاّ هكذا حتى وفاة ناغاسي عام 2011، وتوفي لوماكس عام 2012

وعند الحديث عن التمثيل وألاداء يتألق كعادته النجم الفائز بالأوسكار عن فيلم خطاب الملك الممثل البريطاني “كولين فيرث ” عبر أداء يدهشنا بالذات في تجسيد مرحلة الكبر بالنسبة لـ ايرك، بينما يجسد مرحلة الشباب “جيرمي ايرنني ” وبدور الزوجة تطل علينا النجمة” نيكول كيدمان”والتي تظهر أكثر نضجا، بالاضافة الى شخصيات أخرى مثل دور الضابط الياباني، الذي قام بتجسيده الممثل

  القدير” هيروبوكي سانادا” الذي يتفاعل كثيرا مع الشخصية، ليقدمها بأداء شديد الشفافية والعمق. الفيلم رائع وخاصة أنه قصة  حقيقية ولانه أيضا يوضح الفارق العظيم بين الغفران و ألانتقام، الفارق بين آلام الجروح التي لم تلتئم، والشفاء التام. انها رسالة عظمية عن العفو وأن في العفو لذة لا نجدها في الانتقام, وان التسامح هو الشكل  ألاخر للحب .

المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here