علي المسعود: فيلم (حرب خاصة) قصة الصحفية (ماري كولفين) الجريئة والباحثة عن الحقيقة

علي المسعود

الحكايات المأساوية للصحفيين و للصحفيات اللاتي لقين حتفهن في الحروب كثيرة بدءا بالإعلامية والكاتبة” أطوار بهجت” مراسلة قناة العربية التي قتلت مع زميليها المصور ومهندس الصوت في سامراء بالعراق، والتي اختطفت واغتيلت مع طاقم العمل أثناء تغطيتها لتفجير ضريح العسكريين في سامراء في صباح يوم الأربعاء 22 فبراير 2006  على يد مسلحين من قبل جماعات مجهولة. وكذالك إقدام داعش على تنفيذ حكم الإعدام بالصحفية الموصلية “سهى أحمد راضي” بعد أيام من اختطافها، وتسليم جثتها إلى ذويها فيما بعد من دائرة الطب العدلي بالموصل وعليها آثار إطلاق رصاصات، وتأتي سوريا والعراق على قمة قائمة مناطق عمل الصحفيين و الصحفيات  الساخنة والأكثر خطورة. حاولت هوليوود نقل معاناة الصحافة ورجالها في المناطق الساخنة وأنتج العديد من الافلام،  ومن هذه الافلام فيلم  “حرب خاصة” ، وهو فيلم سيرة روائي يروي سيرة

 الصحفية الأمريكية” ماري كولفين”، منذ إصابتها وفقدانها لعينها أثناء تغطيتها لحرب استقلال التاميل في سيريلانكا سنة 2001، وحتى وفاتها أثناء القصف في حمص  في 22 فبراير 2012.  (وهو نفس اليوم والشهر التي قتلت فيه العراقية أطوار بهجت) ،

 تعتبر  الصحفية “ماري كولفين ” واحدة من أشهر مراسلي الحرب في عصرها، وبسبب  شجاعتها وجرأتها وربما تمردها، أرسلت إلى الخطوط الأمامية للصراعات في جميع أنحاء العالم لنقل الأحداث، و يروي فيلم ” حرب خاصة ” القصة الحقيقية ل”ماري كولفين” مراسلة الحروب وباتحديد هي 11 عاما الاخيرة من حياتها المهنية ، وتم نقل شخصيتها الأسطورية بشكل حاذق إلى الشاشة من خلال مقال  في مجلة ( فانيتي فير)  للكاتبة ماري برينر بعنوان “حرب ماري كولفين الخاصة” و وتم أعداد السيناريو من قبل  “آراش آميل” ومن إخراج ” ماثيو هاينمان” . الفيلم هو الفيلم الروائي الأول للمخرج المتخصص في الأفلام الوثائقية “ماثيو هاينيمان”، الذي قدم لنا أفلام وثائقية رائعة مثل ( مدينة ألاشباح) عن فظائع داعش في مدينة الرقة، وفيلم ( كارتل لاند). عن تهريب المخدرات عبر الحدود المكسيكية الأمريكية.  الفيلم درامي ومستلهم من حياة مراسلة الحرب الأميركيّة” ماري كولفين”  التي يصفها البعض بتهورها في العمل الميداني، متواجدة حيثما  كانت طبول الحرب تقرع،  من حرب المخيمات في لبنان إلى الحرب العراقيّة الإيرانيّة، ومن غزو العراق إلى مظاهرات ميدان التحرير في مصر، إلى المعارك  في مصراتة وحي بابا عمرو قبل أن تلقى حتفها هناك لدى تعرّض مكان اختبائها لقصف  مدفعي . ولدت (ماري كولفين) في الـ(كوينز) في نيويورك سنة 1956 وتخرجت من جامعة (ييل). بدأت مسيرتها المهنية كصحفية مع (يونايتد بريس أنترناشيونال) في باريس قبل أن تتنقل إلى إنكلترا كمراسلة صحفية عن الشؤون الخارجية لصحيفة الـ(صانداي تايمز) في سنة   1985. لم يستغرقها الأمر طويلا حتى صنعت اسماً لنفسها في الميدان، ففي سنة 1986، أي في سنتها الثانية لدى الصحيفة الآنفة  أصبحت أول مراسلة تجري لقاء صحفياً مع العقيد معمر القذافي بعد أن قصفت الولايات المتحدة بيته وفقد على إثره ابنته الرضيعة، وبدا واضحا أن العقيد أعجب بها حيث طلب منها أن ترتدي حذاء أخضر اللون ، وفي العراق هذه المرة، التقت بزوجها الأول (باتريك بيشوب)، وهو مراسل دبلوماسي يعمل لصالح صحيفة الـ(تايمز)، وكان زواجهما قصير المدة، حيث انفصلا بعد أن اكتشفت أن زوجها كان يخونها بينما كانت خارج البلاد في مهمة. كانت (كولفين) دائما ما تضع قلبها على الخط، سواء تعلق الأمر بعلاقاتها العاطفية أم بمهنتها، فوقعت في الحب مجددا وتزوجت مرة أخرى في سنة 1996 من صحفي زميل بوليفي الأصل يدعى (خوان كارلوس غوموسيو)، وفي نهاية المطاف أقدم (غوموسيو) على إنهاء حياته بشكل مأساوي في سنة 2002. وفي في عام 2000  حصلت على جائزة أفضل صحفي في العام من قبل رابطة الصحافة الأجنبية ، وكذالك حصلت على جائزة الصحافة البريطانية  للمراسلين الأجانب للعام 2001 و 2010.  عرف عن ( ماري كولفين) انتباهها الشديد للتفاصيل وقدرتها الكبيرة على تحويل ما هو غير إنساني إلى إنساني، فكانت تسارع إلى المناطق المتنازع عليها دون أن تعير تقريبا أدنى اهتمام لحياتها، وكانت في معظم الأحيان تقوم بأكثر من مجرد سرد التقارير الصحفية. في سنة 1999، عندما كانت تيمور الشرقية تحارب من أجل الاستقلال من أندونيسيا، أعتصمت  (ماري كولفين) داخل مركّب خاص بالأمم المتحدة إلى جانب حوالي 1500 لاجئ كان معظمهم من النساء والأطفال، الذين كانوا محاصرين من طرف ميليشيات أندونيسية كانت تهدد المبنى. كان الصحفيون وموظفو الأمم المتحدة قد غادروا المدينة وفروا بحياتهم مسبقا، ولم يبق هناك سوى  (ماري كولفين) وبعض شركائها الذين قرروا البقاء إلى جانبها من أجل حماية الأشخاص داخل ذلك المركّب، وجعل العالم كله يعرف ما كان يحدث بالضبط . بقيت محتجزة هناك لمدة أيام كاملة، لكن الأمر أتى بثماره في نهاية المطاف، حيث كانت كل تلك الضجة الإعلامية التي أنتجتها القصص التي كانت تنشرها قد سلطت ضغطا كبيرا على العالم من أجل التحرك والقيام بأمر ما حيال ما كان يحدث، ولأنها بقيت هناك ولم تغادر تم تحرير اللاجئين وتم إجلاؤهم، وأنقذت  بذلك 1500 شخص بفضلها ليروا يوما جديدا.  بالنسبة لـ(ماري كولفين)؛ كان سرد التقارير الصحفية من المناطق الخطيرة والصعبة واجبا لا يجب التفكير فيه، فلطالما كانت تقول: ”هنالك أشخاص هناك لا يملكون صوتاً“، وتضيف: ”أشعر بأنني ملزمة أخلاقيا تجاه هؤلاء، وأن تجاهلهم فعل جبان. لو كان للصحفيين الفرصة لإنقاذ حياتهم، فيجب عليهم القيام بذلك”. في فيلم         ( حرب خاصة) يبدا المخرج( ماثيو هاينمان )  بالعودة الى عام 2001 حين يطلب من “ماري كولفين “التوجه الى فلسطين، لكنها تصر على الذهاب الى سريلانكا لعمل مقابلة مع زعيم حركة التاميل ويحذرها مديرها ” شون”  ( إن أمسكت بك الحكومة سيقتلوك )، ويطلب منها الذهاب الى فلسطين بدلا من سريلانكا. وتذهب الى سريلانكا وتشاهد الصور لرجال ونساء واطفال يموتون جوعا بسبب حصار الحكومة للمنطقة التي تسيطر عليها فصائل التاميل،  وتدون في مذكراتها: ( في مناطق الحرب ، الاباء ينامون ليلا ، بدون ان يعرفوا إن كان أولادهم سيشاهدون الصباح أم لا ؟).

كانت تنقل التقارير من داخل منطقة خاضعة لسيطرة الانفصاليين الذين يسمون ”نمور التاميل“، في سبيل أن تظهر للعالم أن المدنيين هناك كانوا يعيشون في مجاعة، في السادس عشر من شهر أبريل من نفس السنة،  دفعت ثمن شجاعتها المنقطعة النظير تلك، فبينما كانت تتسلل عبر أحد حقول الكاجو الذي تديره نمور التاميل، توهج الحقل كله فجأة بالمشاعل وسرعان ما انتشرت دوريات الجيش السيريلانكي في المنطقة، فوجدت (كولفين) نفسها عالقة ، رفعت يديها في السماء معلنة عن استسلامها وراحت تردد: ” أنا صحفية أمريكية“، لقد تأملت أنهم عندما يدركون أنها صحفية وأنها لم تكن أحد الجنود سيطلقون سراحها، أو على الأقل لن يؤذوها. وسرعان ما انقطع أملها ذلك عندما دوّت قنبلة يدوية بالقرب منها اخترقت شظاياها رئتها وعينها اليسرى، أصبحت ( ماري كولفين) مجبرة على ارتداء رقعة عين لبقية حياتها، لكن قصتها أجبرت الحكومة السيريلانكية على نزع قيودها التي فرضتها على الصحافة الأجنبية، وجعلت منها بطلة في عيون التاميليين، حيث صرحت لاحقا: ”اتصل بي الكثير من التاميليون وعرضوا علي التبرع لي بأعينهم”. ترك ذلك الحادث في نفس  ( ماري كولفين) ندوب كانت أعمق من الجروح الجسدية، حيث أصيبت (كولفين) ب «اضطرابات ما بعد الصدمة»، الذي يصيب عادة الجنود العائدين من الحروب، ظلت الأشباح تطارد ” ماري كولفين”  طوال الفيلم، هذه ألاشباح تظهر على هيئة فتاة مقطوعة اليدين  ممددة على فراشهأ، وكوابيس بصور اخرى تلاحقها بالرغم من تكريمها من قبل مؤسستها بأعلى الجوائز والأوسمة. بعد ذالك تنتقل الى الحدود العراقية في عام  2003 ( تسع سنوات قبل حمص ) وتذهب الى الفلوجة للكشف عن مقبرة جماعية وتلتقي برفيقها المصور” بول كونروي  ” في المجمع الصحفي في المنطقة الخضراء ( لسلطة التحالف المؤقتة) والذي سيرافقها حتى يكون شاهدا على رحيلها في حمص، ويبلغها صعوبة الوصول الى تلك المنطقة  القريبة من بحيرة الحبانية، لكنها تصر و تذهب  للبحث عن المقبرة الجماعية  ل 600 شخص أمر “صدام حسين”  بدفنهم عام 1991 وتجازف رغم تحذير مديرها ، ويحذرها ب(أن رجال صدام يحاربون مع القاعدة في منطقة الرمادي) ، ولكنها تصر وتذهب من اجل الكشف عن الحقيقة ، و في سيطرة الفلوجة تبرز هوية ممرضة وتتدعي انهم عمال إغاثة لمساعدة اطباء في بحيرة الحبانية.

وعندما تصل و بعد أن توجر ألة الحفر ( شفل ) لاغراض الحفر والبحث عن جثث المفقودين وهي العازمة على تدوين قصص الناس ، مثلا :  هذه أمراة تبحث عن جثة والدها الذي أعدم قبل ثلاثة عشر عاما و تريد ان تعمل له عزاء أو فاتحة : ( كتلنه الحزن و القهر إهنا أندفنوا أهلنا و أخوتنا، عوائلنا أنتهت، هذا أخوية صارله 12 سنة مدفون بالمجمع ).  وتسمع قصص الناس ، أمراة تلتحف الحزن مع العباءة السوداء ( أني جاية إهنا، لآن سمعت أكو مقابر جماعية والدي صارله  13 سنة مفقود وجاية أشوف شكوماكو ، إنطلع جثته، إنطلع إعظامه ،ندفنه، نسويله فاتحة )،  وتبكي لصرخة النساء ونحيبهم واللطم على الصدور عند ظهور جثث الضحايا . وعندما اندلعت أحداث الربيع العربي رغبت  (ماري كولفين) في أن تكون هناك في قلب الحدث من أجل تغطية الثورات في الشرق الأوسط وجمع القصص التي لم يكن أحد آخر سواها يتجرأ على فعلها. على الرغم من أن العمل كان ليتسبب في خسارتها لحياتها في نهاية المطاف، فإن عدم قيامها به كان ليقتلها أيضاً.

سافرت الى ليبيا وأجرت مقابلة مع العقيد معمر القذافي الذي أظهره الفيلم بمظهر البليد ويقوم بدوره (راد راوي) قبل أسابيع من موته على يد شعبه. وقالت له، “مهمتنا أن نقول الحقيقة في مواجهة السلطة . بعد وفاة القذافي، والتي لم تكن عقب فترة كبيرة من تلميحاته المسيئة لها، قالت عنه كولفين في تقريرها: “انتهت ديكتاتوريته القاسية بالعار والموت”. وثقت كولفين الكثير من الجرائم والانتهاكات التي شهدتها ليبيا إبان الانتفاضة، من بينها تقاريرها التي أحدثت ضجة كبيرة بشأن أوامر القذافي باغتصاب الفتيات والنساء لمعاقبة كل من شارك في الثورة الليبية. بعدها تتوجة الى افغانستان لتكشف لنا مذابح طالبان بحق المدنيين العزل. وفي محطتها الاخيرة في مدينة حمص،  وجدت مايقارب 28 الف عائلة عالقة و محاصرة .

وفي أحد المشاهد وفي ملجأ في مدينة حمص المحاصرة، تخبرها  إحدى النساء كيف تغذي طفلها من السكر والماء فقط. وتخبرها إن جسدها توقف عن إنتاج الحليب بعد معاناة فقدان أحد أطفالها لهجوم بالقنابل!!. قالت لها المرأة:” (من فضلك ، لا أريد أن يكون هذا مجرد كلمات على الورق. أريد أن يعرف العالم أن جيلا يحتضر هنا. أريد أن يعرف العالم قصتي). قامت   (ماري كولفين) بتقديم آخر تقرير صحفي لها في الواحد والعشرين من شهر فبراير سنة 2012 من داخل مدينة حمص المحاصرة من طرف قوات النظام السوري، كان برفقتها مصورها (بول كونروي)، الذي كان جنديا سابقا وعمل  في صفوف المدفعية الملكية البريطانية، ولقد كان يعلم جيدا من خلال الاستماع للأصوات المدوية في السماء أن حمص كانت تحت القصف بمعدل 45 قذيفة كل دقيقة. ، وقد أثبتت هذه المهمة المحفوفة بالمخاطر أنها ستكون آخر تقرير صحفي تقدمه (ماري كولفين) في حياتها ، حيث قتلت في يوم 22 فبراير سنة 2012.، مع المصور الفرنسي ريمي أوشليك، كما أصيب المصور البريطاني بول كونروي، والصحفية الفرنسية إديت بوفييه، والناشط الإعلامي السوري وائل العمر في القصف نفسه.  على الرغم من أن (ماري كولفين) لاقت مصرعها فإنه كان هناك الكثيرون الذين حملوا على عاتقهم نقل قصتها، ففي سنة 2018 تم إصدار فيلمين اثنين حول حياتها: واحد وثائقي بعنوان: «تحت الخط»، والآخر فيلم سينمائي بعنوان: «حرب خاصة» . كتبت  الصحفية “جانين دي جيوفاني ” وهي محررة قسم الشرق الأوسط في مجلة ‘نيوزويك’، ولها كتاب سيصدر قريباً بعنوان “سبعة أيام في سوريأ”,  ورافقت ” ماري كولفين ” في عملها الصحفي ، كتبت شهادتها عن كولفين “:”

 (كان موت كولفين بمثابة هاتفٍ أيقظ الكثيرين في ميدان عملنا. كانت كولفين صحفيةً محترفة لآخر حياتها – قطعت الجبال الجورجية سيراً على الأقدام لتغطية الحرب الشيشانية ،وضلَّت طريقها وتحتم إنقاذها بالمروحية، وأُصيبت إصابةً بالغة في سري لانكا وفقدت إحدى عينيها. وأثناء الحرب في كوسوفو، خيَّمت مع جيش تحرير كوسوفو، ورفضت مغادرةَ مجمع الأمم المتحدة إبان أعمال العنف في تيمور الشرقية. كانت صديقةً شخصية للزعيم الليبي معمر القذافي ورئيسَ منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات. ولم تكن تخشى الدفاع عمّا تؤمن به). الفيلم كان  من بطولة الممثة (روزاموند بايك) التي أدت دور الصحفية ( ماري كولفين)،  وكان التمثيل في الفيلم  متقن جدًا. “روزاموند بايك” كانت مبهرة رائعة! إستطاعت أن تعكس شجاعة، وتعاطف، والاحباط النفسي ل(ماري كولفين) و بشكل فوق الممتاز، و بذلت جهداً كبيراً في محاكاة نبرة صوت كولفين داخلها، كما غيرت في لهجتها الإنكليزية وحركة جسدها لمحاكاة جسد ولهجة كولفين. وما شكل إضافة مهمة أيضاً للفيلم، وفي مشاهد ارتدت ثوب (ماري) الذي جاء على قياسها وفيها تحولت للشخصية الحقيقية فعلًا حتى في صوتها ليس في شعرها الاشقر المجعد بل حتى في لغة الجسد، استطاعت الممثلة بايك في اداءها الرائع أن تحجز لها مكانا في ترشيحلت جوائز الاوسكار. وفي لقاء لها مع مجلة الصانداي تايمز اللندنية بتاريخ ( 12 أوكتوبر لعام 2018 ) صرحت الممثلة (روزاموند  بايك)، “انها قراءت الكثير من التقارير التي أعدتها “ماري كولفين “و كذالك اطلعت على الصور والافلام الخاصة بها ،وأكثر من ذالك أنها تواصلت مع اصدقائها بوسطة تطبيق ( السكايب ) في التعرف على عادات “ماري كولفين”  واللحظات الحرجة وأدمانهاعلى الكحول”. بينما لعب الممثل جيمي دورنان دور زميلها مصور الحرب، بول كونروي. وضم طاقم الممثلين  أيضا ستانلي توتشي في دور توني شاو، وكوري جونسون في دور نورم كوبرن، وتوم هولاندر. لم تكن ماري كولفين مراسلة عادية، وبحسب  فيلم ( حرب خاصة)  كانت كولفن مهووسة بإيجاد الحقيقة وراء العديد من الاحداث في أخطر الصراعات في العالم . بعين واحدة وضعت عليها رقعة سوداء ودفتر ملاحظات وسترة واقية من الرصاص، انتقلت الصحفية الأمريكية “ماري كولفين ” بين الجثث والأنقاض، توثق الأحداث برباطة جأش وثقة بنفس، تمسح الدموع من عينها محاولة استعادة السيطرة على مشاعرها، وتستأنف عملها حتى تنقل صورة صادقة عما يحدث للعالم أجمع، حتى باتت هذه المشاهد الوحشية طبيعية ومعتادة بالنسبة لهأ.

أخبرت (ماري كولفين) صحيفة (ذا غارديان) في شهر نوفمبر 2010، أي قبل أكثر من عام على رحيلها: ”إن تغطية الحرب إعلاميا تعني الذهاب إلى أماكن تمزقها الفوضى، والدمار، ومحاولة نقل  الحقيقة “، واستطردت: ”يعني الأمر محاولة العثور على الحقيقة في عاصفة رملية من الحملات الدعائية المتضاربة”. على مدار 27 عامًا، حرصت كولفين على توثيق الانتهاكات والجرائم التي يشهدها العالم، قبل أن تبدأ عملها  عملت لفترة وجيزة في إحدى النقابات العمالية في نيويورك، ثم بدأت مسيرتها في الصحافة مع وكالة الأنباء الأمريكية يونايتد برس انترناشونال، وعملت لبعض الوقت في مكتبها في باريس، حتى استقرت في الصحيفة البريطانية ذائعة الصيت ” الصنداي تايمز”  في عام 1985.  . ويجىء فيلم “حرب خاصة”، ليكون شاهداً على ما يقدمه الصحفيون أثناء الحروب ، ويكشف لنا الصحفية”ماري كولفين ” تلك الشخصية الشجاعة والجريئة والتي عندها استعداد تواجه مخاطر جمة  وخطيرة لانها مؤمنة برسالتها  الصحفية  في نقل معاناة الناس في البلدان الملتهبة وضحايا الحروب وتصوير المآسي التي تتنج عنها أحداثها، والذى يصل إلى حد التضحية بالأرواح عشقاً لتلك المهمة الباحثة عن الحقيقة.

قبل أيام من الذكرى السنوية لرحيل كولفين، طفت قصة قتلها مرة أخرى على السطح، بعد أن اصدرت محكمة أمريكية  حُكما قضائيًا يُحمّل الرئيس السوري بشار الأسد المسؤولية القانونية عن مقتل المراسلة الحربية” ماري كولفين”  في مدينة حمص في فبراير 2012، أثناء تغطيتها بداية الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد وقتذاك لصالح صحيفة (ألصنداي تايمز)  البريطانية. ملاحظة أخيرة عن الفيلم ، إنه رغم تصنيفة على أنه فيلم دراما وسيرة ذاتية،  لكنه كان أكثر وثائقية وتقريرية ولم يستطع المخرج ( ماثيو هاينمان ) التخلص من اسلوبه الوثائقي!،  فالفيلم مليء بالقفزات الزمانية، التي تشعر أنها توثيق لمحطات كولفين الصحفية في تغطية حروب العقد الأول من القرن العشرين والربيع العربي، أكثر منها محاولة لتشريح حياتها، فهذه القفزات والتي  كانت سريعة، ساهمت بتشتيت المشاهد بشكل واضح ، بحيث لا يكفي لرسم ملامح أفكار”ماري كولفين”  ومشاكلها النفسية المركبة كشخص شاهد الكثير من الفظائع والمأسي من جراء الحروب.

المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. شكرا لك استاذ نزيه على قراءتك و متابعتك للمقال ، وبدون تحدي لاني ارى الاختلاف في الذوق و الفني وحتى الرأي حالة صحية كي ترتقى بالحوار بالشكل الذي ينعكس بالفائدة على المتلقي ، في مقالتي عرضت فيلم حرب خاصة ، وعند الحديث عن فيلم ( مدينة اشباح) من المؤكد أني سوف اعرض وجهة النظر الفكرية و السياسية بجانب تحليل المنجز الابداعي ،وقد تختلف وتتقاطع مع الطرح حتى نفصل السم من العسل ، تقبل مودتي لك.

  2. شكرا لك استاذ نزيه على قراءتك الذكية ، وأسعدتني في متابعتك ، ألمقالة تخص فيلم حرب خاصة وإذا أردت الحديث عن فيلم مدينة الأشباح فمن المؤكد أني سأتناول الموقف السياسي ووجهة النظر للمخرج و التي لاتنفصل عن الإبداع الفني لان الكثيرين في هذا المجال ممن يدسون السم في العسل ، تقبل محبتي

  3. شاهدت فيلم ماثيو هاينمان الوثائقي عن الرقة ووجدته يدين داعش والنظام السوري بتحيز غربي مقصودومشين وكاذب ويضعهما في سلة واحدة، ولم يعجبني ابدا اسلووبه الغربي المتحيز والممنهج، ابدع علي المسعود بوصفه السردي لوقائع الفيلم فيما اخفق بتقصي الحقيقة الواقعية، فالغرب وادزواته يشيطنون كل النظمة التي لا تتوافق معهم، فيما نادرا ما نجد افلاما واقعية تدين غزو العراق والدور الغربي المشبوه بانشاء داعش ناهيك عن الانتهاك الاسرائلي الصارخ اليومي للفلسطينيين…وهكذا، واعتقد ان هذه الأفلام التي تدعي الوثائقية وتعج باالأكاذيب ولي الحقائق، وهي تمثل الأدوات الاعلامية للغرب الكاذب المنافق الداعم المطلق لدولة الشر المطلق في المنطقة اسرائيل، وأتحدى ان تنشروا تعليقي!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here