علي المسعود: فيلم “انفصال نادر وسيمين”.. صرخة تنبيه للمجتمع الإيراني ومجتمعاتنا الشرقية..!!

علي المسعود

تميزت السينما الايرانية في السنوات الاخيرة بإنها تملك لغة هادئة وشفافة وتحمل معالجات درامية لقضايا اجتماعية مغلفة بالسياسة من جانب وبالدين من جانب اخر، ويتسم الانتاج السينمائي الايراني منذ نهاية التسعينات بعمق تناوله للواقع الاجتماعي وعكسه لتطلعات الاجيال القادمة، وعلى الرغم من قيود السلطة الدينية والقيود الاخلاقية المفروضة عليها، لكنها افرزت مجموعة كبيرة من الاسماء والافلام والمخرجين الذين اصبحوا مدار حديث السينمائيين في كل مكان، فبعد جيل (مجيد مجيدي) و(عباس كياروستامي) و(محسن مخملباف)، زادت وتيرة الاهتمام بالأعمال السينمائية الايرانية بعدما برز اسم (جعفر بناهي) و(سميرا مخملباف) و(بهمن قوبادي) وغيرهم، وقد نالت اعمالهم استحسان الجميع اينما عرضت ونالت الكثير من الجوائز المرموقة في المحافل الدولية،ومن المخرجين المتميزين، المخرج (اصغر فرهادي) المولود في مدينة خمين في محافظة اصفهان عام 1972، والحاصل على البكالوريوس في الفنون الجميلة والماجستير من جامعة طهران ، بدأ “فرهادي” بممارسة العمل السينمائي عام 1987 عندما التحق بجمعية الشباب السينمائية في اصفهان، التحق بفن السينما في البداية عبر كتابة النصوص السينمائية لعدد من الأفلام،  اختار «أصغر فرهادي» الأسرة كموضوع  في أغلب أفلامه، أعماله تدور في إطار مشاكل الحياة الزوجية، وتأزم العلاقة بين الأسرة والمجتمع، وأعتقد أنّ ما يطرحه هو إدانه بشكل ما لمؤسسة الزواج في مجتمعه الذي نجهل عنه الكثير، ومع ذلك براعة المخرج ” أصغر فرهادي” في السرد وتقديم حكايات اجتماعية بسيطة مليئه بالانفعالات الدرامية وفيها أجواء من الإثارة والتشويق، تقربه جدًا من المشاهد في جميع أنحاء العالم، المخرج “أصغر فرهادي” يقدم نوعً مختلفً عن الدراما الايرانية؛ فدراما “أصغر فرهادي” أقرب للدراما العالمية، لكنها تتصدى لمشاكل المجمتع الإيراني، وخصوصًا الصورة العامة للمرأة ومعاناتها في إيران، في فيلم “إنفصال” يقدم  المخرج”أصغر فرهادي” جرعة من التراجيدية والحزن في هيئة حدث برأي عابر، المخرج “أصغر فرهادي” يقدم لنا في هذا الشريط إيران التي نجهلها ولا نعرف عنها شيئًا، ( إنفصال نادر وسيمين ) فيلم درامي إيراني تم إنتاجه عام 2011، وهو من إنتاج وإخراج “أصغر فردهاي” وبطولة كل من : ليلى حاتمي، بيمان معادي، شهاب الحسيني، وسارية بيات، يفتتح الفيلم بمشهد للزوجين نادر (بيامان ماضي) رجل من الطبقة المتوسطة وسيمين (ليلى حاتمي) المرأة العصرية المتحررة وهما امام القاضي من اجل الانفصال، وهما زوجان في متوسط العمر لهما ابنة في عمر الرابعة عشرة، ونفهم أن الزوجة “سيمين”  وبعد انتظار طويل حصلت على موافقة للهجرة مع عائلتها الى خارج ايران، الا ان  الزوج “نادر” يرفض قرار مغادرة بلده كي لا يترك والده المريض بالزهايمر، من هنا تتعمق العزلة والتفكك داخل هذه الاسرة الايرانية التي يقدم لنا الفيلم بعض تفاصيل حياتها في مدينة طهران، وفي حوار امام القاضي تقول له الزوجة،” لماذا تُصرعلى البقاء معه، إنه حتى لا يدري أنك ابنه؟”، فيرد عليها الزوج ” لكنني أعلم أنه والدي”، تخيره زوجته بين الهجرة اوالانفصال ويقررعلى اثر ذلك انهاء حياته الزوجية، ولعدم تفرغ الزوج يضطر الى إستقدام الخادمة رضية ( سارا بيات) للاعتناء بوالده المصاب بمرض الزهايمرعند غيابه، بعد إنتقال الزوجة ( سيمين)  للعيش في بيت والدها تاركة ابنتها تيرمة (سارينا فرهادي) مع والدها بعدما اختارت العيش معه، حيث يجب أن تختار مع من تبقى؛  هنا وضعت الابنة في موقف صعب، لذلك تحاول أن تُثني أمها -التي تركت المنزل- عن طلب الطلاق، وتوحي لها أنها ستختار البقاء مع أبيها في إيران، وفي خضم تلك القصة تنعكس كل التغيرات التي يمر بها المجتمع الإيراني بفئاته وشرائحه الاجتماعية ما بين زوجة تطلب الطلاق لرغبتها في مغادرة البلاد، أملاً في مستقبل أفضل لابنتهما الوحيدة، وزوج يرفض ذلك لإعالته لوالده المريض بالـ«الزهايمر». تتقاطع تلك القصة مع خيوط قصة أسرة فقيرة يحمل الزوج عبء ديون عديدة وتحاول الزوجة «رضية» مساعدة زوجها بالعمل خادمة في البيوت، تعامل الخادمة”رضية”  مع  الرجل العجوز يضعها في اشكالية دينية ، وفي أحد المشاهد، حين تضطر  وقبل تغيير ملابسه وتغسيله بعد تبول الرجل العجوز ( والد نادر) على نفسه، بالاتصال باحد رجال الدين، وفي السؤال عن شرعية هذه الخطوة، يبرز هنا دور الفقيه في حل هذه الاشكالية، في تقاطع واضح بين فرضيات التعاليم الدينية والنزعة الانسانية في مساعدة الاخرين، وفي احد الايام تضطر الخادمة ” رضية”  للخروج من المنزل للذهاب الى الطبيب بعدما صدمتها سيارة وتربط العجوز بالسرير كي لا يؤذي نفسه، واثناء غيابها يحضر (نادر) مبكرا الى المنزل ليجد والده ساقطا على الارض، فيقرر طردها ويدفعها الى خارج المنزل وتسقط من السلم وتنقل على اثر ذلك الى المستشفى وهناك يتم تبليغها بخبر سقوط حملها، وبسبب ذالك ييرفع الزوج- زوج رضية- ،المتدين والمثقل بالديون حجات (شهاب حسيني) قضية على (نادر) لتسببه بالحادث، وتدور نقاشات بين (نادر) و(رضية) أمام القاضي لإثبات أو نفي علم (نادر) بالحمل وهل كان متقصدا في اسقاطه، وتتدخل الزوجة (سيمين) لكفالة (نادر) واخراجه من السجن مؤقتا، ويساور البنت “تيرمة” الشعور بعقدة الذنب بعدما ترصد والدها يستمع الى حديثها مع (رضية) في وقت سابق، وبعد كل هذا تنتهي القضية بالاتفاق على تسليم العائلة مبلغ من المال، وبالعودة الى موضوع الانفصال يستدعي القاضي ابنة الزوجين (تيرمة) لتقرر مع أي منهما تفضل العيش بعد افتراقهما، وحين يسأل القاضي الابنه الباكية عند أي من الوالدين تريد الاستمرار معه بعد الانفصال، وعند هذا المشهد ينتهي الفيلم،  دون أن نعرف الإجابة ينهي «أصغر فرهادي» الفيلم بنهاية مفتوحة كسائر أعماله، المخرج ( أصغر فرهادي) يضعك في محل الحكم، ويترك  الحكم الى المشاهد، ولكنك لن تستطيع الحكم، فلكل شخصة  لها أعذارها.

الفيلم يتضمن عدة قصص فرعية متشظية داخل الفيلم يسلط فيها المخرج الاضواء على مجموعة كبيرة من القضايا التي تخص المجتمع الايراني والصراع الطبقي فيه، وفي نهاية الفيلم الذي احتوى على مشهدين قاسيين، الأول وهو مشهد المواجهة الأخلاقية بين الأسرتين واعتراف الخادمة (رضية )  بأن نادرلم يكن المتسبب في إجهاضها، والثاني، كان مشهد مواجهة الابنة “تيرما ” للقاضي وهي  توضع في موقف صعب ألا وهو الاختيار في البقاء بين أبيها وأمها ، فلا تجد سوى الدموع وسيلة للرد على أنانية والديها.

 الفيلم جميل وصادق ومعبر وشديد العمق، ويحتاج لعين بصيرة ترى دواخله وتتعلم من مشكلاته، حيث أراده المخرج أن يكون صرخة ينبه فيها المجتمع الإيراني ومجتمعاتنا الشرقية للتقاليد والعادات والإرث الأخلاقي والمحبة الصادقة الآخذة في الانهيار والتهاوي، والتمسك أحياناً ببعض تقاليد جوفاء بالية تطوقنا كأسوار من حديد، ورغم ان احداث الفيلم تدور حول معاناة الطلاق  في العاصمة الايرانية طهران برؤية إنسانية وفي مجتمع محافظ يعيش داخل دائرة التقاليد والاعراف الا ان الفيلم يحوم جزئيا حول هذه المسألة دون ان يتوغل فيها كثيرا،في النهاية، الفيلم رصين مسبوك جيدا والسيناريو فيه لمحات ولفتات كثيرة، فضلا عن لغته السينمائية الهادئة ويمتاز بالبساطة في الدخول والخروج من كل مشهد، فلم نشعر بثقل أي لقطة في الفيلم بل كانت كل جزئياته مهمة وذات تأثير في سير أحداث الفيلم، ومما يلفت ألانتباه، هي  تلك التفاصيل الصغيرة، تلك التي يجب علينا الاهتمام بها والانتباه لها، على سبيل المثال، محاولة نادرالبر بأبيه المريض، وكذالك صراعه بين رغبته في إنجاح علاقته الزوجية واستمراره مع زوجته وابنته، وبين أبيه الذي ليس له سواه، كذالك رغبة  الزوجة “سيمين” في عالم أفضل لابنتها، ورغبة الخادمة”رضية” في مساعدة زوجها وعدم الوقوع في ما يحرمه الدين. ظهرت الأزمة الحقيقية في كل العلاقات في أن كل طرف لا يرى سوى نفسه فقط، نادر لم يحاول أن يبين مرة لسيمين أنه يقدر علاقتهما وحبهما وزواجهما، وهي لم تُقدر معنى أن يترك أباه المريض الأشبه بطفل، ولم يرتضي كلاهما التنازل عن كبريائه وعناده على الرغم من الحب الذي جمع بينهما لأكثر من خمسة عشر عاماً،  نادر لم يتعامل مع رضية  بانسانية ولم يعطيها الفرصة في الدفاع عن نفسها، ولم يحاول أن يستمع لها وهي تشرح له كيف حدث أن تركت والده، وهي لم تستطع أن تقف وتشرح لزوجها الأمر، أما جيل الأبناء الصغيرتان، ابنة الأسرة المتوسطة «تيرما» ذات الأربعة عشر عاماً التي لا تجف دموعها وتوسلاتها لأبويها بالعودة، وابنة الأسرة الفقيرة – سمية – التي لا تتعدى الخامسة وهي تهرول زائغة النظرات مع أمها، فهما تمثلان الجرح الذي لن يندمل.

كان المخرج قاسياً على المشاهدين في مشهد بكاء الأب ( نادر) أثناءغسل جسم الجد، وابكي كادر العمل من المصور الى مخرج الفيلم بعد إطلاعي على كواليس الفيلم ، الفيلم هو تحفة فنية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، يشهد على عبقرية «أصغر فرهادي»، بداية بالمشهد الأروع بطريقة الكاميرا (العين )، حيث يجد المشاهد نفسه امام القاضي (الذي يجسد سطوة السلطة)،عند الحكم في قضية انفصال الزوجين “نادر” و “سيمين” التي تريد الطلاق بسبب رفض زوجها الهجرة خارج إيران، تريد هي الهرب من الظروف، وتعجز عن الرد على سؤال القاضي – “أي ظروف؟”، والزوج يريد البقاء لرعاية والده الذي يعاني أمراض الشيخوخة ومرض (الزهايمر)  من تلك الدائرة ينطلق السرد المتقن الذي لا تنفلت حبكته مطلقًا، ليتقاطع مع دائرة ثانية لثنائية زوجية ثانية، يعاني فيها الزوج من الديون، مما يدفع الزوجة للعمل كخادمة وهي حامل، وكالعادة لابد ان يكون ضحايا لسلوك الاباء، وضحية هذا الانفصال أو الطلاق هي ابنتهما البالغة من العمر 12 عاماً والتي تعيش مع والدها في البداية، وتعد الابنة تيرمه بؤرة أحداث الفيلم العاطفية، فبينما يغرق الكبار تدريجياً في الأكاذيب وأنصاف الحقائق، فإنها تطالب بشدة بإظهار الحقيقة. يهتم ” أصغر فرهادي” بالتفاصيل إلى أبعد الحدود؛ يصوّر خلجات الوجه، والرعشات البسيطة، والنظرات الحزينة والحالمة. كما يهتم بالابتعاد عن المؤثرات الصوتية وتخلو أعماله من الموسيقى التصويرية لتخرج لنا قصة واقعية تحدث كل يوم. وضعنا المخرج “ أصغر فرهادي” أمام نهاية جديدة مفتوحة؛ فالطلاق قد وقع، وصار حريًا بالابنة أن تختار مع من ستبقى، ولأن “أصغر” لم يتحيز لأحد الزوجين، فكذلك فعل المشاهد، الأمر الذي يُصعّب علينا التكهن باختيار الابنة، وكعاته يضع المخرج ” فرهادي”، نهايات مفتوحة، عوضًا عن الحل الذي يريحك، وتجد عشرات الأسئلة تستفز تفكيرك،هو يؤمن بأنّه من المهين حقًا للمشاهد أن يقدم له نصيحةً، وبما أنّ معظم أفلامه تناقش موضوعات اجتماعية معاصرة لم تحسم بعد في الواقع، فتقديم أي حل لها على الشاشة يكون نوعًا من الخداع و الاستخفاف بعقلية المشاهد.

فيلم (انفصال نادرو سيمين) شديد الصدق وشديد البساطة، جميع الشخصيات تكذب أمام المحكمة، لعدم ثقتهم في عدالة الدولة والقانون، ولكن الكل يقول الحق أمام القرآن الكريم. في هذا الفيلم ، المخرج الايراني “أصغر فرهادي” يُسلّط الضوء ويركّز على أداء الأطفال؛ الأمر الذي يجعلنا نزعم أن من قاموا بأدوار الأطفال والمراهقين في أفلام “أصغر فرهادي”، هم الأفضل على الإطلاق. فمثلًا، نظرة عين ابنة “راضية” في فيلم “الانفصال” حين رأت “نادر” يهين أمها ويلقي بها على السلم، وانحناءة كتفي ابنة “نادر” و”سيمين” كأنها تحمل ثقل انفصالهما، يبدو أن المخرج” أصغر فرهادي” هو الطفل الناقم على نشأته، ومن الواضح أنه لم يسامح والديه على انفصالهما، وإن كان يختلق لهما الأعذار في كل أعماله؛ كأنه بذلك يحاول الوصول إلى السلام الداخلي عبر أعماله الفنية التي يقدمها لنا. بالرغم من أن موضوع الطلاق او ألانفصال قد تم تناوله في الكثير من الافلام العربية، على سبيل المثال فيلم” أريد حلا “، وكذالك السينما العالمية هي الاخرى تناولته، إلا ان الفيلم الايراني  تطرق لهذا الموضوع بشكل مختلف و مغاير. الفيلم كسب احتراما نقديا و وحصل على العديد من الجوائز في المحافل العالمية فبعدما استطاع الفوز بدب برلين الذهبي والجائزة الكبرى لمهرجان سان بطرسببرغ وجائزة من مهرجان السينما العالمية في لندن، وكذالك فوزه بجائزة افضل فيلم أجنبي في جوائز الغولدن غلوب، واخيرا فوز الفيلم بجائزة الأوسكار لأفضل فلم باللغة الأجنبية في عام 2012.

المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. اعتقد ان سبب نجاح الفيلم انه لامس في موضوعه المشاعر و الاحاسيس عند تناوله قضية الاتصال ( الطلاق) في المجتمع الآسيوي بشكل عام و المجتمع الشرقي بشكل خاص ، وبعيدا عن الشعارات و الزعيق يطرح المخرج القضية أمام الجمهور و كذالك بساطة الفيلم وعفوية الاداء ، كل هذه العوامل ساعدت في وصول الفيلم الى منصة الجوائز ، شكرا لك على التعليق و المتابعة

  2. اعتقد لانه الفيلم تناول دائرة التقاليد والاعراف وترق لموضوع حساس وهو الانفصال أو الطلاق و تبعاته في المجتمعات الشرقية بالإضافة الى ان ، الفيلم رصين مسبوك جيدا والسيناريو فيه لمحات ولفتات كثيرة، فضلا عن لغته السينمائية الهادئة ويمتاز بالبساطة ، شكرا لك على المتابعة و التعليق

  3. روعة سردية جاذبة كمعظم مقالات علي المسعود ولكن بالرغم من التجليات الكاشفة في هذا الفيلم الجرىء الا أنه بالحق لا يستحق كل هذه الجوائز الكبيرة واتساءل هل اعطيت له كل هذه الجوائز البراقة لأنه فيلم ايراني ينتقد خفية وبصراحة المجتمع والنظام الايراني المعادي للغرب؟! وتشجيعا لمخرجي ايران الاخرين لانجاز اعمال مماثلة والله اعلم…

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here