علي المسعود: فيلم “الحب فى زمن الكولير” حكاية عن الحب الذي لا نهاية له

علي المسعود

يُعد الروائي الكولمبي غابرييل غارسيا ماركيز من الأسماء الهامة في مسيرة الرواية والقصة القصيرة في العالم، حيث تتمتع هذه الأعمال بإقبال جيد من قبل مختلف شرائح القراء، ذلك أن القارئ يستمتع بالدخول إلى عالم هذا الروائي، وبالتالي يتعرف على جمالية المشاعر الإنسانية وهي تقاوم نزعات الشر التي يواجهها سواء من نفسه، أو من قبل الآخرين. قلة من عشّاق الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز تعرف علاقته الوثيقة بالسينما،  صحيح أن رواياته مثل “قصة موت معلن” و”الحب في زمن الكوليرا” حُوّلت إلى أفلام، لكنه كتب بنفسه أيضاً سيناريوهات كثيرة، ووضع كتاباً عن المخرج التشيلي (من أصل فلسطيني) ميغيل ليتين بعنوان “مهمّة سرية في تشيلي”، وقد حظيت أعمال الروائي الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز باهتمام كبير من قبل السينما العالمية، حيث جسدت هذه الأخيرة معظم رواياته، حيث مكنت عشاق الفن السابع من الاستمتاع بخيال ماركيز وقوة أعماله، ولعلّ ميول ماركيز المبكر إلى السينما، من جهة، وإقبال السينمائيين على نصوصه، من جهة ثانية، جعلته يثق في قدراته التخييلية البصرية ومعارفه السينمائية، فانبَرى لكتابة السيناريو وبرع فيه، لم يخف ماركيز، مثلما يفعل الكثير من أهل الكتابة، حبه للسينما وسعيه خلفها، وإنما أعلن هذا الحب أمام الجميع، ولم يكتف بذلك، بل راح أمام الملايين من قراءه والمعجبين بأدبه، يتقدم بالهدايا والعطايا تقربا من معشوقته في محاولات شبه يائسة للوصول إلي قلبها ونيل وصالها،  وفي  حوار أجرته معه مجلة «باريس ريفيو» في العدد 82 الصادر في شتاء 1981 يقول: ” هناك أوقات فكرت فيها أن أصبح مخرجاً سينمائياً، درست السينما في روما، وشعرت بأن السينما وسيط بلا حدود، وكل شيء ممكن فيها، ذهبت إلى المكسيك لأنني أردت أن أعمل في صناعة الأفلام، ليس كمخرج، لكن ككاتب سيناريو، لكنني وجدت أن هناك عائقاً كبيراً في السينما، وهو أنها فن صناعي، صناعة كاملة، من الصعب أن تعبر في السينما عما تريد التعبير عنه فعلا، مع ذلك لا زلت أفكر فيها، كرفاهية يمكن أن أقوم بها مع الأصدقاء من دون أن أطمع في التعبير عن نفسي فعليا، لهذا فقد أخذت أتباعد عن السينما، والآن علاقتي بها مثل زوجين لا يستطيعان الانفصال، لكنهما أيضاً لا يستطيعان العيش معا”.

تكلم الأديب الراحل وكتب عن السينما ربما أكثر من أي أديب آخر. لم يتكبر عليها يوما كعادة أهل الحرف علي أهل الصورة، أعطاها الكثير من اهتمامه ووقته وجهده، ومع ذلك لم تمنح السينما ماركيز فيلما عظيما واحدا يرقي ولو بعض الشيء إلي مستوي رواياته، لكن ماركيز يعترف أن تجربته في السينما عزّزت إمكاناته الروائية، ويستشهد بالناقد الأميركي” دونالد إم موراليس ” الذي يرى أن كل شيء كتبه قبل رواية “مئة عام من العزلة” ما هو إلا سينما مُغَلَّفة بالأدب وقصص مؤهلة بشكل تلقائي لأن تصبح أفلاماً. أما الناقدة الأميركية” كاثلين ماكنيرني” فترى أن جميع أعمال ماركيز، التي تعدّ ثانوية، تتميز بخصائص بصرية قوية جداً وهو أمر يعود إلى تأثير السينما الكبير عليه، تبدأ “ليس لدى الكولونيل من يكاتبه” وكأنها سيناريو كُتِب بما يسمى لغة واصفة، وهي من ناحية الأسلوب – بحسب ماركيز – أميل إلى السيناريو السينمائي، “الشخصيات تتحرك وكأن كاميرا تتبعها”.

 علاقة ماركيز بالسينما لها أكثر من جانب، الأول يتعلق بتحويل رواياته وقصصه إلي أفلام، والثاني يتعلق بالسيناريوهات التي قام بكتابتها أو ساهم في كتابتها مباشرة للسينما، والثالث يتعلق بورش كتابة السيناريو التي أشرف عليها وساهم من خلالها في تخريج أجيال من السينمائيين الشباب في أمريكا اللاتينية والعالم، يفخر ماركيز  بعشرات الأفلام القصيرة -30 دقيقة تقريبا- التي تم انتاجها داخل ورش عمل السيناريو التي أشرف عليها، بالرغم من أنها تحمل أسماء كتاب آخرين، ربما أكثر من افتخاره بالأفلام الروائية الطويلة التي صنعت عن رواياته وتحمل اسمه بوضوح. انتقال الروايات إلى شاشات السينما أمر مغرٍ، وخاصة إذا حظيت الرواية بالقبول وبالنقد الجيد، والأهم تكون قد حظيت بمبيعات عالية تجعلها في مصاف الروايات العالمية، وهذا الذي حدث مع ماركيز ورواياته الذي يحاكي فيها الخيال والخرافات في  جميع أعماله، تلك القصص التي تزخر بها بلدان أمريكا اللاتينية ، أول نص أدبي لماركيز تحول إلي فيلم سينمائي هو “عزيزتي ماريا” إخراج خايم همبرتو همبرسيلو، المكسيك، عام 1979، وهو مأخوذ عن إحدي قصصه القصيرة، وقام ماركيز بكتابة سيناريو الفيلم بنفسه، بعدها توالت الاعمال حتى وصلت الى  أكثر من ثلاثةَ عشرَ فيلما من الأفلام المقتبسة من قصص ماركيز، من هنا نتساءل،

 لماذا هذا الإقبال على أعمال ماركيز من طرف السينمائيين؟ ما الذي وجده المخرجون في نصوص “غابو” (لقب ماركيز)؟، سب إعتقادي، السّر في ذلك، يتمثل في كون اللغة التي يكتب بها غارسيا ماركيز لغة بصرية، فاللغة الواصفة التي تنتج الخيال عنده أقربُ إلى المشاهدة والرؤية الحسية منها إلى الرؤية المجردة، الأمر الذي جعل نصوص هذا الكاتب مؤهلة بشكل تلقائيّ لتتحوّل وتصير أفلاما، ومن هذه الاعمال، رواية (الحب في زمن الكوليرا» للكاتب «جابرييل جارسيا ماركيز»  وهي رواية رقيقة جداً، ورواية مفعمة بالمشاعر الإنسانية العنيفة تارة والعذبة تارة أخرى، ولعلّه أبرز عمل انتقل من الورق إلى عالم الصوت والصورة والتي تعد بمثابة الرواية الثانية لماركيز من حيث الشهرة والمبيعات التي حققتها،  نشرت رواية الحب في زمن الكوليرا بالإسبانية عام 1985، وتصدرت الروايات الأكثر مبيعا، وقد حولت الرواية إلى عمل سينمائي عام 2007 في فيلم  يحمل نفس الاسم، وقام المخرج “مايك نويل” بإخراج العمل الذي قام ببطولته خافيير باردم، وجيوفانا ميزو جيورنو، الحب في زمن الكوليرا، تروي قصة حياة رجل وامرأة منذ المراهقة وحتى ما بعد بلوغهما السبعين، وتصف ما تغير حولهما وما دار من حروب أهليه في منطقة (الكاريبي) وحتى تغيرات التكنولوجيا وتأثيراتها على نهر (مجدولينا) العظيم والبيئة الطبيعية في حوضه.

ولأن الرواية رواية “حب” كان اسمها حب، ولأنها قصة حزينة في وسط حزين كان لا بد لماركيز أن يضيف “في زمن الكوليرا” والحاضرة كبطل رئيسي في الرواية كوحش منتشر في منطقة (الكاريبي) ذات الحر الخانق والفقر المدقع، حاصدا البشر بشراسة لدرجة ترى فيها الجثث ملقاة في الشوارع ، ليبدأ ماركيز في قص أحداث الرواية عائدا بذاكرة الأبطال ما يزيد على نصف قرن، البطلان الرئيسيان هما (فلورنتينو اريثا) الذي يعشق (فيرمينا) وهي على مقاعد الدراسة، وتبادله الحب عبر الرسائل فتطرد من المدرسة الدينية لأن المدرسة ضبطتها تكتب رسالة حب، كما يرفض والدها التاجر هذا الحب لأنه يأمل لابنته بعريس من طبقة اجتماعية أعلى، فيسافر بها بعيدا عن المنطقة ويغيب فترة يظنها كافية دون أن يدرك أن ابنته كانت على اتصال مع حبيبها طيلة الوقت بوساطة التلغراف وتعلقت به إلى أن اعتبرته خطيبا لها، والمفارقة المدهشة والتي ستكون بداية المأساة أنها وبعد ثلاثة سنوات من حبها له عبر الرسائل شبه اليومية لم تقترب منه بدرجة كافية كما في حصل ذات مرة في لقاءها معه في السوق ، وهي تشتري بعض ألاغراض لتفاجأ بان حبها مجرد “وهم”، وتذهل كيف أحبت ذلك “الطيف” المفتقر إلى الملامح المحددة فتنهي الأمر بقرار فردي، ثم تتزوج من طبيب جذاب خريج أوروبا والذي يحظى بمباركة والدها نظرا لمكانته الاجتماعية، وتعيش معه سعيدة طوال اثنين و خمسين عاما من عمرها، تسافر فيها معه إلى أغلب أنحاء أوروبا ، وتساهم مع زوجها الطبيب في النشاطات الاجتماعية والثقافية في البلاد وتنتقل إلى طبقته بتفوق، وتنجب منه وتنسى حبها الأول الذي لا ينساها للحظة ويعاهد نفسه على الزواج منها حتى لو أدى به الأمر أن ينتظر أو يتمنى وفاة زوجها!!، وبعد أن كان يرفض أن يعاشر غيرها رغم أنه يقضي وقته في فندق خاص بين عصافير الليل اللواتي يتكسبن عن طريق جسدهن دون أن يعيرهن اهتماما، إلا أنه بعد زواجها وتعرضه لحادثة (اغتصاب) من قبل امرأة لم يتح له معرفتها، يحاول أن يدفن نفسه في العلاقات الجنسية مع النساء بحثا عن الحب وكمحاولة للتعويض بطريقة الأخذ أكثر من العطاء ودون أن يذهب في أي علاقة إلى حد الالتزام لأنه يريد أن يظل حرا على أمل الاقتران بـ (فيرمينا). وفي الوقت ذاته يرتقي في عمله في شركة النقل النهري التي يملكها عمه بفضل اجتهاده وسعيه لمكانة ترضي حبيبته ، ورغم أنه كان يحب النساء اللواتي يعرفهن بطريقة ما ويحببنه إلا أنه كان يعتبر نفسه طوال الوقت زوجا لــ(فرمينيا) ويحافظ على سرية تلك العلاقات ويرفض أن تقاسمه أي منهن سريره في بيته والمعد فقط لها، ولم يكن يعذبه ضميره أو يحوله عن تصميمه شيء حتى حين كان سببا في قتل إحداهن من قبل زوجها بسببه، وكذالك حين انتحرت تلك الطفلة التي كان وصيا عليها وتصغره بستين عاما فيما كانت تشاركه سريره لأنه صدها بعد وفاة زوج (فرمينيا) أخيرا. أما زوج (فرمينيا)  فقد كان طبيبا مثاليا، يحب زوجته دون أن يخلو الأمر من نزوة تعرض لها وضحى بالمرأة التي أحبها وكانت دكتورة وتدرس اللاهوت، في سبيل زوجته ودون أن تخلو حياة طولها نصف قرن من بعض الرواسب والخلافات لتظل سعيدة بمعظمها وحتى موته، لينكشف بعدها وعن طريق الصحف التي تترصد الطبقات العليا أنه كان على علاقة بصديقتها فتنقم عليه شاعرة بالإهانة حتى وهو متوفى، الأحداث كثيرة ويصعب عرضها كما يصعب إعطاء خط عام للشخصيات التي رسم ماركيز تفاصيلها بريشة متقنة، دون إطالة ولكن الخط العام للرواية يروي إصرار (فلورنتينو اريثا) على الوصول لهدفه في الزواج من فرمينا داثا وإخلاصه لهذا الهدف رغم أننا في مرحلة ما نظن ذلك شبه مستحيل فهو يتعجل ويسارع لتقديم عهد الحب لــ(فرمينيا) ، الفيلم مليء بالاحداث المتسارعة والمناظر الماساوية لمرض الكوليرا وضحاياه، وتمر السنون ويتوفى زوجها وهي في السبعين من العمر، في مشهد وهو اروع مشاهد الفلم، حين رجعت  فرمينا عائدة من مراسيم دفن زوجها لتفأجأ بوجود (فلورنتينو) في بيتها حاملا قبعته بين يديه قائلا لها،”لقد انتظرت هذه اللحظة ، أنتظرت واحداً وخمسين عاماً، تسعة أشهر، وأربعة أيام. لأقول لكِ،أنني  لم انساكِ أبدأ”، فتطرده من بيتها، لكنها في نفس الوقت هرعت الى دولابها واخرجت منه صندوق قديم يحوي جميع رسائله اليها، وكذلك خصله من شعره كان قد اعطاها اياها قبل ان ياخذها والدها ويتركوا المدينه ليبعدها عنه، كانت محتفظه بكل شئ يخصه،  ورغم طردها له، ولكنه لا يفقد الأمل ويستمر في محاولة كسب صداقتها بطريقة عقلية حيث لم تعد الرسائل العاطفية لها من تأثير مع امرأة في السبعين، يرسل لها رسائل عبارة عن تأملات في الحياة والزواج والشيخوخة تنال رضاها وتساعدها على تقبل الشيخوخة والموت بطريقة أفضل وتقبله شيئا فشيئا كصديق من عمرها تتبادل معه الأحاديث والتأملات ، فيما لا زال هو يرى فيها الحبيبة رغم تبدل مظهرها وذبولها وتجاوزهما العقد السابع، ويتصادقان مع تشجيع ابنها الذي يفرح لأن أمه وجدت رفيقا من عمرها يتفاهم معها ، على العكس من الابنة التي تنقم على الام، وترى الحب في هذه السن (قذارة)، مما يؤدي بالأم لطردها من بيتها، في أحداث الفيلم الأخيرة التي  تدور في سفينة نهرية حيث يدعو (فلورنتينو اريثا) حبيبته لرحلة نهرية على سفينة تمتلكها شركته فتوافق، وهناك يقترب منها أكثر وتدرك بأنها تحبه رغم شعورها بأن عمرها لا يصلح للحب ولكن هذا ما كان يمنع ألارملة (فلورنتينو اريثا) من الاستمرار بالأمل والسعي لراحتها فيتخلص من المسافرين الآخرين بخدعة أن السفينة عليها وباء الكوليرا لكي لا تنتهي الرحلة ويكون الفراق ويثبت أنها خدعة غير موفقة مع الحجر الصحي وتدخل السلطات، وتنتهي الرواية وهي نهاية الفيلم نفسها، والسفينة تعبر النهر ذهابا وإيابا رافعة علم الوباء الأصفر دون أن ترسو إلا للتزود بوقود فيما تضم عش الحبيبين الذين لا يباليان بكبر عمرها ويقرران أنهما الآن في مرحلة أفضل لوصول مرحلة ما وراء الحب وهي الحب لذات الحب. فيلم “الحب في زمن الكوليرا” إنتاج عام 2007، ومن إخراج البريطاني مايكل نيويل، مخرج هاري بوتر ولعب بطولته النجم الأسباني خافيير بارديم والجميلة جيوفانا ميزوجيورنو، في هذا فيلم «الحب في زمن الكوليرا»، حاول المخرج ” مايك نيويل ” في ألامساك بالرواية في كل تفاصيلها، لم يحرف في صناعه الأحداث ولم يقامر بإضافة أو حذف أياً من الخطوط الدرامية الأساسية، بل نقل مشاهد بكاملها من الرواية دون أي إضافات أو حذف، ورغم أن الرواية المكتوبة تختلف تماماً عن المرئية إلا أن الفيلم استطاع أن يجعل المشاهد لا يشعر بذلك الاختلاف بل عزز كل جماليات الرواية ببراعة، مع الملاحظة  في أن بداية المخرج مايك نيويل لفيلم  «الحب في زمن الكوليرا» من لحظة موت الدكتور خوفينال أوربينو (بنيامين برات)، زوج فيرمينا داثا (جيوفانا ميزجيورنو)، عقب سقوطه عن السلّم، وهذا يعني أنّ الفيلم يبدأ من الصفحة 50 في الرواية  ربما لإعلان القطيعة مع زمنين مفصليين في الفيلم، هو زمن موت الحب الثاني وبداية العودة للحب الأول الذي ظل يرافق البطل طيلة 53 عاما برغم ارتمائه في أحضان 622 امرأة، محاولا أن يعيش جسد حبيبته في أحضان الأخريات، لكن “روحه تحتفظ بعذريتها”.  وقد نجح المخرج بادارة الممثلين باقتدار، والاجمل أنه جعل الممثل «خافيير بارديم» المعروف بوسامته شاباً قبيح المنظر ثم عجوزاً أقبح، كانت التيمة الأساسية لشخصية «فلورينتينو أريثا» في الرواية هي القبح، ربما هذا ما جعله في نظر حبيبته بائساً، وشب وهو يعرف هذا عن نفسه وربما أيضاً كان هذا هو السبب الذي جعله متمسكاً بحبه المستحيل المنتهية قصته منذ البداية، كانت تلك أحد أهم مميزات الفيلم، فبغض النظر عن قدرات «بارديم» التمثيلية وقدرته على تقمص الشخصيات  فقد استطاع صناع الفيلم أن يقنعوا المشاهد أنه قبيح، وقد كان الماكياج والرتوش المضافة متقنة جداً، ويمكنك أن ترى هذا الإتقان في مشهد زواج العجوزين في الربع الأخير من الفيلم عندما خلعت «فيرمينا داثا» ثوبها ليبدو جلدها المتهدل ، حتى أنه ليمكنك أن تشم رائحة جلد العجائز عبر الشاشة، يبقى أن ننوه بأغاني الفيلم التي حملها صوت شاكيرا الجميل، فالأغاني التي رافقت رحلة ” فلورينتينو”  قد تكون أجمل ما في الفيلم، ومن المشاهد المؤثرة في  الفيلم، مشهد ” النهاية ” حيث يريد البطل أن يختلى بحبيبته على المركب الذى يعبر بهما نهرا متدفقا مثل عمرها دون إزعاج من أحد فيضطر للجوء إلى حيلة رفع العلم ( الأسود و الأصفر ) دلالة على وجود وباء الكوليرا مما يدفع الجميع للإبتعاد عن السفينة و ينامان بعدها متقابلان ،النظرة بالنظرة والضحكة بالضحكة واحب بالحب،  وبينما تمخر المركب النهرية عباب النهر الذهبى تحت أشعة الشمس،  تتبعها الجملة الأخير لبطل الفيلم الذى يجد سعادته فى الحياة ” بعد53 سنة و 7 اشهر و 11 يوم وليلة، اصبح قلبي في النهاية  راضيا، واكتشفت لفرط سعادتي ان الحياة وليس الموت، هي مالانهاية لها”،

اعتبر بعض النقاد ما فعله فيلم مايك نيويل برواية غابرييل غارسيا ماركيز لا يتعدى محاولة تلخيص أحداثها بعمومية لا تعبأ كثيراً بالتفاصيل الغنية لتجربة  العشق والغرام التي تدور حولها الحكاية والمشاعرالرقيقة التي لاحقها داخل نفوس شخصياته، والتي بنى عبرها ماركيز الأجواء السحرية لعمله، وخلق المبررات الدرامية الروحية لأفعال شخوصه، إن العنصر المفقود الأساسي ، والذي لا يمكن أن يحل محل أي مشهد من أجزاء الفيلم ومن مناظره الخصبة ، هي لغة “الحب في زمن الكوليرا” وهي شريان الحياة. أثناء قراءة الرواية، يمكنك أن تشم رائحة الرائحة الكريهة للمرض والموت فضلاً عن الزهور وخصوصية الحياة في مناخ استوائي، عندها تغلفك الرواية بشعور مخيف، في حين ينكمش الفيلم عند تجسيد  خيال  غارسيا ماركيز. لأن تركيز الروائي ماركيز كان على الحب في معناه الروحي كعنصر فاعل في بعث الحياة وتجاوز الأزمات، استعمل فيها ماركيز  كل اسلحته الابداعية بما فيها ، الروائح والموسيقى والألوان والأشياء وحتى الطبيعة في رسم أقدار شخصياته التي عجز سيناريو (رونالد هارود) في إخراج كل مكوناتها الداخلية لكل شخصية.  ورغم الجهود الكبيرة التي بذلها المخرج مايك نويل لتحويل الرواية إلى مشاهد حية، إلا أن غالبية النقاد سجلوا على أن الفيلم كان بعيدا كل البعد عند تحويل تفاصيل  الرواية، التي تبقى إحدى أهم التحف الأدبية في العالم لما تضمنته من أسلوب وقوة في النص الروائي، إلى فيلم يعكس المستوى الفني الراقي للقصة وللمشاهد النصية الراقية التي تعكس المستوى الراقي للروائي غابرييل غارسيا ماركيز، وحتى مشاهد الفيلم الذي بدأ تصويره سنة 2006 بمدينة قرطاجة الإسبانية، بمشاركة ممثلين إسبان كانت بعيدة كل البعد عن السحر والتشويق الذي زرعه ماركيز في نص الرواية، وعجز المخرج مايكل نويل عن تحويله إلى مشاهد بصرية، تعكس حالة المفارقة في حياة الحب والعشق في زمن الكوليرا والحروب الأهلية الدامية، رغم أن  صوت موسيقى أمريكا اللاتينية وصوت غناء شاكيرا المميز لمقاطع الفيلم أضفى على الفيلم تلك النكهة اللاتينية المحببة المطعمة بطعم الثورة والأمل والحياة التى وجد فيها البطل سعادته.

 المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. اعادني الناقد المبدع علي المسعود الى أعادة قراءة هذا العمل المذهل ، مقالة ممتعة وججهد متميز في التحليل و الدراسة ,شكرا للكاتب على المسعود وتحية الى صحيفة { رأي اليوم) على المواضيع المتميزة

  2. علي مسعود يكتب عن هذا الفيلم وكأنه صانعه ويجب ان يتعلم النقاد العرب هنا من هذا العبقري بدلا من هذه الترهات المسلوقة التي يواظبون على كتابتها طمعا بالمال والشهرة المزيفة…فهذا كاتب سينمائي فريد وليس مجرد ناقد سينمائي فهنيئا لرأي اليوم “التفاعلية” بهذا الكاتب واستغرب حقا قلة الاقبال على القراءة هنا وندرة التعليقات اما انا فقد استمتعت كثيرا بقراءة هذا المقال…

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here