علي المسعود: عندما تكون القراءة وسيلة في تطهير الروح من ألاثام في فيلم ( القارئ) The Reader

علي المسعود

فيلم ( القارئ) الماخوذ من رواية “القارئ” للكاتب الألماني برنهارد شلينك (1944)، والتي صدرت ترجمتها عن دار “روافد” وقد نقلها إلى العربية المترجم تامر فتحي , أهم الروايات التي كتبت ضمن ما يعرف بـ “أدب المحرقة” والتي أدرجت لتدرّس في المناهج الدراسية الألمانية. رواية الكاتب الألماني بيرنهارد شيلينغ راجت على نطاق عالمي واسع منذ إصدارها عام 1995 ، ورغم أن الرواية أرادت الاختلاف عن سلسلة روايات المحرقة، فإنها تأسست على القواعد ذاتها، لكنها خالفتها في أن الضحايا صاروا سجانين. بمعنى، إبراز الجلاد كضحية. لا تمنع سهولة الرواية ولغتها البسيطة، من جعلها مفتوحة على أكثر من تأويل، فالبعض قد يراها رواية إنسانية تدور على خلفية قصة الحب بين الصبي والمرأة، والبعض يراها رواية فلسفية تطرح فكرة العدل والغفران، وربما يراها البعض ببساطة رواية عن تاريخ النازية. الفيلم لا يعرض القصة حسب التسلسل الزمني الذي يسرده الكتاب، إنما يعتمد على العودة بالذاكرة إلى مشاهد من الحياة، لهذا لا نجد فيه عنصر المفاجأة بتلك القوة التي نجدها في الكتاب. الرواية والفيلم يصوران علاقة عاطفية في ثلاثة أزمان مختلفة.  تدور أحداث الفيلم في فترة منتصف عام 1958م ، حين خرج مايكل المراهق بطل الفيلم ويؤدي دوره الممثل “ديفيد كروس″ من منزله وهو يشعر بدوار وغثيان شديد ، مما دفعه للخروج في هذا اليوم في جولة يستنشق فيها الهواء ، علّه يصبح بخير ولكنه يفقد تماسكه ، فيتقيأ عند أقرب مدخل لمنزل يسير جواره. في هذا الموقف الصعب ، جاءت سيدة ثلاثينية تدعى هانا وتؤدي الدور الممثلة ( كيت ونسيلت) ، وهي بطلة الفيلم ، ولمحت ما حدث  فوقفت لتساعد الفتى” مايكل “، ثم دعته للجلوس قليلاً بمنزلها المتواضع ، وبالفعل ذهب معها ليجلس قليلاً فوق الأريكة ، بينما هي أخذت ملابسه لتنظيفها وتجفيفها ، ثم أعادتها إليه ، وبعد قليل يغادر مايكل فور تحسن حالته . وبعد أيام يعود “مايكل” الى “هانا ” في شقتها وهو يحمل باقة من الزهور ليشكرها على ما فعلته معه ، وكانت “هانا ”  في هذا الوقت قد عادت من عملها ، فجلس مايكل بالردهة ينتظرها ، ريثما تبدل ثيابها ، وأثناء جلوسه لمح “هانا ” تخلع جواربها البنية فأستثار بمنظر فخذيها ، وهي لاحظت ذلك، فأكملت ما بدأته بإغراء شديد، واستقبل مايكل رسالتها، بعدها ينشأ حب جنوني بين الفتى “مايكل ” البالغ من العمر خمسة عشر وبين “هانا ” التي تكبره بعشرين سنة وفي كل مرة يلتقيان تفرض “هانا ” عليه أن يقرأ لها من كتاب ما قبل أن تسمح له بمضاجعتها، بمعنى أخر ( الجنس مقابل القراءة ). هذا الفتى المراهق الذي ذاق الأمرين لأنه مرض ذات يوم، ضعف وارتمى في صدر امرأة شديدة التعقيد لم يسعه سوى أن ينساق معها في علاقة، علاقة لم ينج منها أبدًا، وإن حاول وكافح بعدها ليعيش. يبدأ الشريط لذكريات الفتى مايكل الذي يشاهد نفسه في عربة الزمن عبر نافذة، ونرى إنه سيعود بالذاكرة الى مدينة  (نوستد ) في ألمانيا بين عامي 1955-1958 وهو الزمن الذي حدده الكاتب و كذالك جهة الانتاج في الفيلم ، وستأخذ العائلة الحيز الأول لمن يحيط بمايكل، هانا شميدت (كيت وينسلت) الباردة والحادة والمرتبكة والمتعثرة والحازمة ، ومايكل بيرغ بعمر 15 سنة (الممثل الألماني الشاب ديفيد كروس) ينتمي الى عائلة متوسطة صارمة التربية. نجد أن الفيلم يحتوي على مشاهد ومقاطع كانت موحية بشكل كبير ومن لم يتفطن لها يفوته جزء كبير من متعة الفيلم ، نجد أحد هذه المقاطع الموحية عندما يزور مايكل هنا ليشكرها بعد شفائه ويخبرها عن عناء الملل وعدم تحمله للقراءة طول هذه الفترة وفي هذه اللحظات تنظر إليه نظرة الاهتمام و الفضول ، بل نظرة قناص وجد فريسته و ما كان ينتظره و يكمل النقص الذي فيه  ألا وهو ( القراءة )، رغم أنها قبل ذلك لم تكن تلقي له أي اهتمام و كانت تريد التخلص منه مثلما فعل هو مع الزهور، إلا أنها الآن أصبحت تريد تملكه وأرادت مرافقته ولكن قبل ذلك لتستخدم الحيلة الأولى لها والأهم وهي ألاغراء بالجنس. ثم نراهم بعدها يبحرون بقراءة هوميروس مرورا بتشيخوف وبرواية د. هـ لورنس (عشيق الليدي  تشاترلي) و لغاية خروج “هانا ” الغامض من شقتها حاملة حقائبها دون توديع مايكل، . “هانا” تختفي بشكل مفاجئ من حياة  مايكل ، مما يحدث لديه صدمة والذي تلازمه حتى بعد أن يصبح رجلاً ناضجا و يبحث عنها ولكنه لا يعثر لها على أثر. اللقاء الأخير والذي بدأت فيه “هانا” على غير طبيعتها ,مضطربة و مرتبكة، في هذا اللقاء أرادت “هانا ” أن تودعه بطريقة مختلفة وخاصة ، حيث ارادت أن تظهر له الجانب

 الأمومي ، فمارسا الحب للمرة الأخيرة لتأمره بعد ذلك قائلة ” الآن عليك العودة إلى أصدقائك” ، وكأنها الأم تقول لولدها : الآن عليك الخروج من بطني إلى الحياة الواسعة. ترك هذا الغياب المفاجى ألاثر الكبير في حياته لانه تلقي الصدمة الاولى في حياته. مرت بضعة أعوام ، كان مايكل وقتها قد التحق بكلية الحقوق ، وهو طالب قانون تحت إشراف الأستاذ رول ( غانز برونو) ، ليشكل منه وأربعة طلاب مجموعة  للدرس التطبيقي ويطلب منهم حضور بعض المحاكمات ، في زيارة ميدانية لإحدى المحاكم  المتخصصة في جرائم الحرب النازية ، في معسكرات الاعتقال الخاصة بهم ،

وكانت المحكمة لمجموعة من النساء كنّ يعملن حارسات في قوات (أس أس) . وعند النداء  باسم “هانا”  صعق “مايكل” عند سماعه الاسم  الذي طالما حُفر اسمها في ذهنه ، وظل يراقب عن كثب مما لفت انتباه زملائه ، وبالطبع لابد أن يصيب مايكل الرعب وهو ينظر إلى الأرض عندما سمع باسم “هانا شميدت ” تتحدث، بذات الصوت الذي نقله إلى شقتها الرثة في طريق المدرسة القديمة. وتلك الصدمة الثانية التي تصيبه، بعد سنوات من فقدان” هانا “!!.

   كانت “هانا ” تحاكم بشأن اتهام لها ، هي والأخريات بإحراق ثلاثمائة يهودية بإحدى الكنائس، في البداية أنكرت إحراق الكنيسة ، ثم عادت مرة أخرى وأقرت بالأمر ، مما تسبب في حكم المحكمة عليها  بالسجن مدى الحياة . كان مايكل يعلم بأن هانا  لا تستطيع القراءة والكتابة ، وكان قد بدأ يحاول التدخل في القضية  وأخبار المحكمة بأنها لا تستطيع الكتابة أو القراءة لأنها في الحقيقة (أمية)، وبذلك لا يمكن أن تكون قد كتبت أمرًا ، بحرق الكنيسة ومن فيها ، ولكنه  يتخاذل في اللحظة الأخيرة في قول الحقيقة ، و يُحكم عليها بالسجن مدى الحياة. بقي مايكل بعيدًا بعدها، لا يزورها ولا يعرف عنها شيئًا.سيكبر مايكل ليأخذ دوره (رالف فاينيس) كمحام متمرس بالقضايا الكبرى و لديه

  ابنة تحمل اسم “هانا”  أيضا. بنظراتها الطيبة والمتسامحة والتي تعيش في باريس، أرادت الهرب من برلين ، وبقى المحامي ” مايكل” يعيش لوحده بعد طلاقه من زوجته، يتضح لنا أنه لم ينس هانا أبدًا، فعندما كان يرتّب مكتبته، مرّ على الكتب التي كان يقرؤها على مسامعها (الأوديسة، السيدة مع الكلب الصغير) وقرّر، بدافع الذنب، أن يقوم بتسجيلها، هي وغيرها، ويرسلها إلى ” هانا” عسى أن تؤنس وحدتها. وبدأت من خلال ذلك “هانا ” بتعلم القراءة ذاتيًّا، مضت بضعة أيام، بعدها أخذت بإرسال رسائل مقتضبة له،  وتلقى ” مايكل “استجابة من “هانا “التي استمعت لكتابه ، وأخبرته عن حبها للكتاب الذي قرأه ، وأنها بدأت في تعلم القراءة والكتابة ، لكنه لا يردّ على خطاباتها، لأنه يعتبرها مذنبة وتعلّم القراءة ليس هو ما يغفر فعلتها بقتل السجينات البريئات. بعد انقضاء مدة محكوميّتها، تتواصل إدارة السجن بمايكل لأنه الوحيد الذي كان يتراسل معها طيلة العشرين سنة الماضية.  فيأتي تلفون من مديرة السجن وتخبر المحامي الشهير ” مايكل “بان “هانا شميت” سيطلق سراحها بعد 20 سنة، وليس لديها معارف ولا اصدقاء،و سيتخبره مديرة السجن 🙁 انك صلتها الوحيدة.. انها ستحتاج الى مكان تعيش فيه، الى العمل، انك لا تتصور كم سيكون العالم الجديد بالنسبة اليها مخيفا. هل تستطيع تحمل مسؤوليتها؟، لا يوجدا لهانا شميت أي مستقبل ). فيذهب لمقابلتها قبل أن تخرج من السجن ليحدثها عما أعده لها ولحياتها القادمة، زارها مايكل بالسجن ، ووجدها مازالت على حالها الكئيب لحظتها ، يتكشّف لنا السبب في مراسلتها ،وهو السبب نفسه  في إرسال الكتب لها لغرض تثقيفها وإكسابها العلم والأخلاق اللازمة لإدراك حجم خطيئتها. فقالت أنها قبل المحاكمة لم تكن تفكر، لكنها الآن بعد  التعلم والوعي و أصبحت  تفكر , وقالت أنه لا يهمّ ما تفكّر به، الذين ماتوا لقد ماتوا ولا يوجد علاج لذلك. في النهاية، تصبح متعلمة ومدركة ، لذا تظهر لها جريمتها كحقيقة صلبة، لا يكفّر عنها سوى التطهّر، والعقاب بالمثل. واستخدم المؤلف رمزية العلم الذي قادها لمعرفة ذلك، فقد استخدمتْ الكتب التي تمتلكها لتصعد فوق الطاولة وترتفع كي تنتحر.  وكأن مايكل كان يقودها بشكل غير مباشر لتكون قربانًا يكفّر فيه الشعب الألماني عن خطيئته!!.

 في يوم إطلاق سراحها وجدها الحراس ، قد شنقت نفسها وتركت رسالة ، تتبرع فيها بأموالها للناجيتين من حادث الكنيسة ، اللتان اتهمتاها بالضلوع في الحادث الأليم ، وبررت هانا موقفها بأنها قد قرأت ما سردته المرأتين ، من فظائع وآلام حدثت ، عندما تعلمت القراءة في السجن ، وذلك في هذه الفترة المظلمة من التاريخ . إنها فاجعة بكل المقاييس، فاجعة إنسانية كتبها برنهارد شلينك بحساسية مفرطة  بل سردها بكل انسيابية تليق برجل ذهبت حياته كلها في ذيل امرأة أنانية مثيرة للشفقة. وتلك الصدمة الثالثة في حياة “مايكل”. وفي نهاية الفيلم وعندما يقرر مايكل أن ينفذ وصية هانا بإيصال المبلغ المالي إلى الطفلة الوحيدة الناجية من حريق الكنيسة والتي أصبحت امرأة كبيرة في السن، يسافر لها و عندما يقرر إعطاءها المال ترفض أخذه أو إعطاءه هبة لمؤسسة معينة قائلة بأن ذلك سيعتبر كطلب للغفران وهي لن تهبه وغير مخولة أصلا في إعطاءها (صك الغفران)، ومن يريد التطهر فليذهب إلى المسرح ، إلى الأدب ، وليس إلى من كان في المعسكرات . و هذا بالضبط ما كانت تفعله “هنا شميتز” ، فلقد كانت تتطهر من كل أعمالها السابقة بالقراءة  بالأدب ، بالاستماع وقراءة  كلاسيكيات الأدب. إن التفاعل مع القراءة و مقابلة من يقرأ لها بجسدها وحبها هو تطهر خالص بالنسبة لـ هنا شميتز ، القراءة مقابل الحب ، و مقابل الجسد ، إذا كان مايكل “يجيد” القراءة ، فهي تعرف كيف تنصت وكيف تُجزي من يقرأ لها.

 فيلم المخرج” ستيفن دالدراي ” يشد الأحاسيس بطريقة مثيرة، بتقديمه رزمة فاخرة من النصوص

الشعرية لهوميروس وقصة «السيدة ذات الكلب الصغير» لأنطوان تشيخوف، وكانا كنصوص خلفية لرواية تاريخ الخزي والحيرة للمرأة الوحيدة التي بدأت تدخل العالم من الحرف الذي كانت تجهله، لغاية النهاية التي ستصعد فيها على تل الأحرف معلنة انتهاء الخجل من الماضي.

لقد نجا «القارئ» بأعجوبة من السقوط الكامل بفضل رواية” بيرنهارد شيلينغ”، وإخراج ” ستيفن دالدراي” لأنها طرحت أسئلة كبيرة حول الشر والإثم والتوبة والرغبة والحب والماضي المظلم وتطهير الروح من ألاثام!! .  ومن جهة أخرى فإن الفيلم كان قد حقق نجاحا كبيرا، إذ فازت الممثلة “كيت ينسليت” بعدة جوائز، على رأسها الأوسكار كأفضل ممثلة، عن دور هانا، حيث تميز أدائهأ بقدر كبير من الشفافية والبراعة، في الوقت الذي تميز فيه المخرج ستيفن دالدراي، بقدرة فائقة على ربط خيوط الفيلم الذي تتأرجح قصته بين الماضي والحاضر وكذالك تميز الممثل الالماني ( ديفيد كروس ) في مرحلة الشباب و المراهقة وبعد أن يكبر ينتقل الدور الى الممثل ((رالف فاينيس ) الذي أجاد و ابدع في ابراز انفعالات و خيبة و خسارة مايكل فيما بعد. وفي النهاية لابد من القول أن الفيلم رغم طابعه المأساوي يطرح قضية شائكة، وهي (صمت المثقف) في قول الحقيقة.

المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. شكرا على متابعتك و تقديري لثناءك عليها، ان مايطرزه الشعب الفلسطيني من ملاحم وبطولات هي الرسالة التي عرفها العالم من هذا الشعب لايقبل المساومة،وانا ذكرت من الرواية أو الفيلم، فالبعض قد يراها رواية إنسانية تدور على خلفية قصة الحب بين الصبي والمرأة، والبعض يراها رواية فلسفية تطرح فكرة العدل والغفران، وربما يراها البعض ببساطة رواية عن تاريخ النازية، وليس لها اَي علاقة بالصهيونية لا من قريب ولا من بعيد،

  2. مقالة تفصيلية رائعةب ولكن صراحة لم يعجبني الفيلم اطلاقا لأنه صهيوني الهوى والاولى ان نكتب عن معاناة الشعب الفلسطيني المقهور والمغدور والمطضهد فقد شبعنا افلاما ومقالات حول الهولوكست واضطهاد اليهود اللذين أسسوا دولتهم فاذاقوا وما زالوا الشعب الفلسطيني الويلات وكانه كان المسؤول عن محنتهم !

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here