علي المسعود: “شجرة الحياة” فيلم يغوص كثيراً في الوجود والحياة

علي المسعود

يعدّ المخرج تيرينس ماليك واحدا من أبرز مخرجي السينما المعاصرين في العالم، وتثير أفلام هذا المخرج عادة الكثير من الثناء والجدل بين النقاد، وليس هناك مخرج آخر يحيط بمواضيع أعماله من التكتم والترقب كما يفعل المخرج تيرينس مالك، حتى أن كل فيلم يقدّمه هذا المخرج يشكل حدثا فنيا مهما، وهو معروف بشخصيته الخجولة وخصوصيته وتجنبه للشهرة الإعلامية والاحتفالات الصاخبة، ولم يظهر تيرينس مالك في أية مقابلة صحفية منذ سبعينيات القرن الماضي، كما لم تلتقط له أي صورة منذ 30 عاما، ومعروف بقلة الإنتاج السينمائي، حيث قدّم خمسة أفلام روائية على مدى 38 سنة، ومضى عشرون عاما بين تقديم فيلمه الثاني “أيام السماء” (1978) وفيلمه الثالث “الخط الأحمر الرفيع” (1998).

هناك توصيف يكاد ماليك ينفرد به فهو ” المخرج الشاعر” ولكن الشاعر تيرانس ماليك لا يكتفي باختزال العالم في جمل بصرية قصيرة فقط انما يتجول بعمق ورقة ورهافة تتحول معها الانشودة البصرية التي يقدمها الي حالة من الشفافية الخالصة وتتوحد مع المعاني التي تقدمها وتخرج بمشاهدها من عوالم السينما التقليدية الي عالم خاص جدا يمس جوهر الأشياء وان كان يقدم العمل الابداعي في اطار الحكاية السينمائية، لكنه لا يقع أسيرا للشكل وانما يتجاوز أدوات العمل السينمائي ليحول الكاميرا الي ريشة شديدة الحساسية وقلم جارح ليقدم زوايا تصوير مختلفة ولدت بالتأكيد من زاوية رؤيته للعالم و للمعاني الانسانية المختلفة.

 يذكرني بمقولة المخرج الايطالي العظيم بازولينى حين يؤكد في نصه النظري «سينما الشعر» أن لغة السينما هي جوهريًا لغة الشعر.

ويعتبر أن السينما الشعرية سينما تتعمق فى الوضع الاجتماعي بطريقة تحليلية فلسفية نقدية وقد يثير هذا التحليل الكثير من النقد وأكثر السينمائيين الشعراء يمزجون بين أفكارهم الشخصية الذاتية وفلسفتهم الخاصة وأحاسيسهم مع الفلسفات والأساطير ، أى أن الفيلم الشعرى لا يعتمد على قواعد مكتوبة في الإخراج السينمائي فهذا الاتجاه أثار الكثير من الاضطراب وخلط العديد من الأوراق، الفيلم الشعري يمكن أن يكون مجموعة من أحلام وكوابيس المخرج نفسه وهو يمزج هذه الأحلام والكوابيس والخيالات المجنونة أحيانا ويستعين بهذا الفن الساحر لتكون النتيجة أفلام قلقة ومرعبة أحيانا ،السينما الشعرية  أحيانأ تكون سينما نقدية تمس كل المحذورات ولذا منعت العديد منها بسبب النقد اللاذع للدين، أنها سينما تفكير، وتفكير بصوت مسموع وصورة مرئية، وأفلام المخرج “تيرينس ماليك” الذي يمزج فيها بين الشخصية وفلسفته الخاصة وتعيد تذكيرنا دائما بالشعرية الخفية والقصائد المندسة والذائبة في الطبيعة، تسعى أفلام هذا المخرج العبقري إلى ترك انطباع جمالي صرف حول الصراع الأزلي للوجود الإنساني، هذا الصراع المتمثل في ثنائية الموت والميلاد والفوز والهزيمة والبهجة والحزن، وتقديم هذه الثنائيات المتضادة والشرسة بكامل عريها وفداحتها، وبكامل براءتها وعذريتها أيضا، ومن دون أن تميل لجانب على حساب الجانب الآخر.

 فيلم “شجرة الحياة” هو خامس فيلم روائي لتيرينس مالك على مدى 38 عاما، وكان فوز هذا الفيلم بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان “كان” متوقعا على نطاق واسع بين السينمائيين والنقاد، بل وأمرا مسلّما به تقريبا، بالنظر للمستوى الفني المتميز لهذا الفيلم، الذي يقدّم نموذجا آخر للتحف الفنية للمخرج، ويتميز الفيلم كسائر أفلام المخرج “تيرينس مالك” بتأكيده على اللغة البصرية المذهلة أكثر من أهتمامه بالحوار، واستخدام الموسيقى التصويرية لتعزيز صورة الطفولة التي يقدمها الفيلم، كما يستخدم مقتطفات قصيرة بأصوات الممثلين في دور الراوي لكل منهم للتعبير عن حالة ذهنية تتفوق على الحوار المباشر.

وتتخلل ذلك العناصر الموسيقية والأصوات الطبيعية، فيلم “شجرة الحياة” يدور حول أسرة أمريكية متوسطة الحال، في فترة الخمسينيات، ومكونة من الأب والأم وثلاثة أولاد يموت أحدهم وهو في التاسعة عشر من عمره، الأم (جيسيكا شاستين) في البيت، ثم الأب (براد بيت) في موقع عمله، يتلقيان في ذهول وفي صدمة شديدة نبأ موت ابنهما الأوسط (انتحاراً  على الأرجح)، الفيلم لا يقدم معلومات عن السبب أو تفسيراً عما حدث له وبدون تلميحات بشأن وفاته وهو في التاسعة عشرة من عمره .

 في لقطات منفصلة، وجيزة، متداخلة برشاقة، نرصد  وبتعاطف موجع آلام وأحزان الأب والأم نتيجة هذا الفقد المريع الذي زلزل كيانهما وهزّ حتى إيمانهما.

وخبر الوفاة الذي يستهل الأحداث يفتح ذاكرة الأبوين والأخ (شون بين) على تداعيات تختلط في بوتقتها الأزمنة والأمكنة منذ أواسط القرن العشرين وحتى اليوم، كما تختلط المشاعر والتهويمات والأسئلة الوجودية في نسيج الوقائع، وفي الناتج الغريب لا يكترث المؤلف المخرج ماليك لسيرورة الشخصيات والأحداث، بل يولي اهتمامه لصيرورة الوجود ومعانيه المختلفة، الخلق والولادة، الطبيعة والأمومة، الإيمان والشك، الحب والزواج، الطفولة والموت وغيرها من الثنائيات التي تشكل دورة الحياة في ذواتنا وعلى الأرض. والفيلم فيه تركيز أكبرعلى فترة المراهقة. يبدأ الفيلم بسرد من الأم عن الطريق الذي يختاره الإنسان لنفسه في هذه الحياة، فهذا الطريق إما أن يكون طريق الرحمة أو طريق الطبيعة،  طريق الرحمة لا يحاول إمتاع نفسه، ويتقبل النسيان والكراهية والإهانات بغير ضغينة، هو طريق العدالة والإنسانية، في حين أن طريق الطبيعة يحب السيطرة ودائماً ما يبرر الأحزان ويجد طريقاً لها حتى لو كان من حوله محباً ومضاءاً، وهو الطريق الذي يتبع قانون الغاب “البقاء للأقوى”.

 في أحد مشاهد الفيلم يقول الأب عن نفسه، موضحاً طريق الطبيعة الذي اتخذه “أنا لا شيء، انظروا إلى الألق من حولي، انظروا إلى الطيور والأشجار، أنا أهنتهم جميعاً ولم أعر لهم انتباهاً، أنا لم أنتبه إلى البهاء”.

هذه المقدمة المستوحاة من الفلسفة المسيحية تمهد  لشخصيات الفيلم التي تنقسم إلى هذين الطريقين، ومنذ البدء يعرف المشاهد أن الأم تتبع طريق الرحمة وأن الأب يتبع طريق الطبيعة، وأن الفتيان مشتتين بين هذا وذاك وبين صرامة الأب ووداعة الأم. الفيلم يظهرها في صورة مثالية، كأنها كائن سماوي. هي تقول: “هناك طريق الطبيعة وطريق النعمة، وعلينا أن نختار أي طريق نتبع″، النعمة تصون كرامتها ونبلها وسموها وتواضعها على الرغم من الظلم والأذى والعدوانية المستمرة، بينما الطبيعة أنانية تطالب بالرعاية والاعتناء والإشباع وتهيمن على ما يوجد في محيطها.

 طريقان غير منفصلين بل متشابكان ومتداخلان، ولا يمكن لأحدهما أن يوجد من دون الآخر، التساؤلات بشأن هذه العلاقة المحيّرة يأتي مع سرد فلسفي لأسئلة وجودية كثيرة من قبيل: “أين أنت؟ هل كنت تعلم؟ هل تشاهدنا؟ أين تعيش؟” وهنا يتداخل الجانب الفلسفي مع الجانب البصري للفيلم ويخلق تحفة بصرية بديعة.

ومن العناصر الأساسية لتكوين الفيلم أو الثيمة الرئيسية هي ثيمة الموت، إذ يشكل علامة الإستفهام الأكبر في سلسلة الأسئلة المتكررة، ومن الجدير بالذكر أن كل الاسئلة السردية الموجهة إلى الله تأتي بصوت هامس وليس عالي، فتبدو الشخصيات وكأنها تناجي نفسها وتحدث ربها في السر، وتسأله ما قد  يتبادرعلى ذهن أي إنسان في حالة المصيبة والموت،  هذه الاسئلة تطرح باستمرار تُطرح باستمرار من خلال أصوات داخلية هامسة تنتسب لمختلف الشخصيات: هل الله موجود هناك؟، أين يعيش؟، هل يراقبنا؟، أنت تركت ولداً يموت، لم يتعيّن عليّ أن أكون طيباً في حين أنك لا تُظهر أي طيبة؟، يا إلهي، لماذا؟  أين أنت؟ ، لم لا يستجيب لدعائنا؟، لم يفضّل أن يؤذينا على أن يساعدنا؟،  وسوف يجد المشاهد  الاسئلة مع أول دقيقة في الفيلم عندما بدأ بعبارة مأخوذة من “سِفر أيوب” تقول: أين كنت أنت عندما أنشأت أنا أساس الأرض؟ عندما غنّت معًا نجوم الصباح وكل أبناء الرب قد صاحوا من الفرح؟”.

 ومنذ هذه اللحظة تصبح الأسئلة مفاتيح المشاهد، أسئلة فلسفية تصوغها الرؤية الشعرية، وتنساب اللقطات التي تنضح بالفرح على وقع الصوت الحاني لتوضيح الفرق بين الطريقين، ثم يصل خبر موت الابن إلى الأم التي تجهش بالبكاء، وترسم أولى المفارقات الصادمة في السياق، ننتقل بعدها إلى مراسيم الدفن والعزاء، وإلى غرفة المتوفي حيث ندرك من أشيائه أنه كان رساما وعازف غيتار، وهذا الفقدان يزعزع إيمان الأم بالخالق، ويثير الندم في أعماق الأب على معاملته القاسية لأبنائه، وينتقل السرد فجأة إلى الزمن المعاصر. وفيه ننتقل إلى الأخ الأكبر جاك (شون بن) وهو يشعر بالاختناق في بيئته الحالية، في موقع عمله كمهندس معماري ناجح، وفي بيته الزجاجي مع زوجته ، من الواضح أنه يمر بأزمة عاطفية، أوانهيار عصبي لسبب ما، يعتريه حزن وأسى ووهن وحنين إلى الماضي، إلى سنوات تكوّينه ونشأته.

 جاك يعي تماماً مأزقه الوجودي، انشطاره بين ذكريات طفولته بكل ما فيها من تناقضات، وإدراكه بأنه لا يستطيع أن يعود إلى ذلك الزمن إلا عبر الذاكرة، وتلك الحادثة المؤلمة، حالة الفقد المأساوية، لأخ كان يحبه كثيراً، والتي لا تزال تسبب لجاك وجعاً شديداً كأن جرحاً عميقاً محفوراً بداخله ولا يريد أن يندمل.

 ويتذكر الابن طفولته، ويمضى فى تأملاته، التى تفضى به إلى ساحل ممتد بلا نهاية، وإلى ممرات جبلية وعرة، تنتهى به إلى ما يشبه حافة السماء. يبدأ المخرج ( ماليك) في بناء واحد من أهم مشاهد تاريخ السينما، وفيه يأخذنا المخرج ، بشكل مفاجئ وغير متوقع، لكن بسلاسة وعلى نحو أخّاذ، إلى بدايات الخليقة وتكوّن الأرض، عبر مؤثرات بصرية آسرة، وبلا تعليق أو سرد  باستثناء الموسيقى والمؤثرات الصوتية، حيث تشاهد ما يشبه بداية خلق الكون من سديم، يتحول تدريجيا إلى شموس وكواكب، وتتوالى البراكين والفيضانات، وتسبح خلايا فى الماء، كائنات مائية، صحارى، جبال، حقول، ديناصورات تظهر ثم تنقرض، وتمضى هذه الرحلة البصرية والتأملية المدهشة حتى تصبح دماء وشرايين وجنينا يولد لكى يرى الحياة، تقفز الكاميرا نحو الحاضر، ناطحات سحاب زجاجية، مكتب فخم ووجه الأخ جاك (شون بين) حزين ومتعب، يلقي أوامره على الموظفين بينما تتساءل نظراته القلقة عن سر الخراب الذي اجتاح النفوس، تتابع العدسة منولوجه وأسئلته في منزله وسريره، على الجسر وفي العراء: “في أية هيئة أتيت وتحت أي قناع″؟.

 ومن خلال الفلاش باك الذي يستمر حتى نهاية الفيلم – يسترجع ولادته في بيت دافئ بين أحضان أم حنونة وأب عطوف لكن صارم، الأب يمثّل الطبيعة التي تتمثّل في النشوء. مسار القسوة والخشونة، التجربة والريبة. هو في حالة حرب دائمة مع نفسه، ملئ بالشك، بالمرارة، بكراهية النفس، هو يعمل مهندساً ولا يجد متنفساً للتعبير عن ولعه بالموسيقى (الموهبة التي تخلى عنها لتحقيق طموح أكبر في الحياة)  عبرعزفه على الأورغن في الكنيسة، والإشراف على تعلم أولاده العزف، الأب أحياناً يلوم الأم لأنها تفرط في تدليل الأولاد، وقد يؤدي هذا إلى إفسادهم وتخريب علاقتهم بالواقع والمحيط، بالتالي ينبغي أن تكون حازمة في تربيتهم. بل أنه، في مشهد المواجهة الحادة وقت تناول الطعام، يتهمها بتحريض الأبناء عليه وحثّهم على عدم احترامه، أحياناً نشعر بأن الأب يدرك أن طريقته في التربية، وفي التعامل مع أبنائه، ليست سليمة وأنها تبعدهم عنه، لكنه لا يستطيع أن يغيّر سلوكه لأنه تربى عليه، أو هو متأصل فيه منذ وقت مبكر، صرامة الأب وخشونته، وفظاظته أحياناً، واصراره على انتزاع الحب والاحترام من أبنائه بطريقة غير عفوية، حتى لو جاء ذلك عن طريق الإكراه أو الإلزام أو التملق، كل هذه السلوكيات تسبب الاختناق لهم، وتجعل أذهان أولاده، خصوصاً جاك، مليئة بالأسئلة والشكوك والصلوات المبهمة والتساؤلات بشأن الرب وعلاقته بالإنسان والكون.

في حين الأم البالغة الرهافة تريد أن ترى أولادها سعداء ومطمئنين، فتتقاسم معهم اللعب، وتحيطهم بالعناية والأمان والحب والحنان، وتساعدهم على الإحساس بالجمال المحيط بهم. الأم تمثل النعمة، أو الفضيلة النابعة من الإيمان الروحي، مسار المحبة والغفران، البراءة والثقة، إنها تسعى إلى إظهار أن العالم يمكن أيضا أن يمتلئ بالجمال والسلام لأولئك الذين يرغبون و  القادرين على الانفتاح على الآخرين والتسامح والمغفرة والمرونة والتضحية والعطاء.

 الحب هو الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى السعادة، هذه امرأة تبدو كما لو أنها من زمن آخر، لديها الكثير من الحب الذي يخلو من الأنانية، إنها تحب للآخرين ما تحبه لنفسها، إنها تنحاز للنعمة والجمال والفضيلة والحب في هذا العالم. خلّف هذا الإختلاف بين الأب والأم في طريقة تعاملهما مع أطفالهما صراع شديد بين الحب والقسوة ، نرى هذا واضحًا في سلوك (جاك) عندما بدأ يتصرف بعنف غير مُبرر مع من حوله، ويسلك سلوكًا خارج عن الأدب مع جارته، ويتمنى الموت لأبيه، ويُصيب أخوه بإصابة مؤلمة، كما نشهد بوادر التمرد عند جاك خصوصاً ضد سلطة الأب، حتى أنه يصرخ في أبيه، في يأس: “إنه بيتك.. تستطيع أن تطردني منه وقتما تشاء”، لكن كلما كبر جاك وازداد نضوجاً، كلما أدرك أن والده ليس مقدساً ولا وحشاً، بل مجرد إنسان عادي لديه قناعاته، لديه عيوبه ونقاط ضعفه، لكن أيضاً لديه طاقة هائلة على الحب.

 والفيلم فيه تركيز أكبرعلى فترة المراهقة. تتعقب قصة الفيلم مراحل التطور التي يمر بها الابن الأكبر جاك من سن الحادية عشرة، ويبدو العالم مثالياً وجميلاً بالنسبة لجاك في طفولته، حيث يرى العالم بمنظور والدته التي تمثل الحب والرحمة، في حين أن والده يحاول تعريفه على واقع الحياة وطبيعتها، بما فيها من تقلبات ومشاكل، ويحاول كلا الوالدين التأثير على ابنهما الذي يجد نفسه مجبراً على التوفيق بين نظرتيهما نحو الحياة، يصطدم جاك شيئا فشيئا بواقع الحياة مع تقدمه في السن بعد أن يتعرف على تجارب الناس من حوله، كالمرض والمعاناة والموت، ويتحول العالم من حوله من مكان مثالي جميل وبسيط إلى عالم معقد.

يعيش جاك في عالم عصري مليء بالمشاكل، ويسعى لأن يكتشف خلال المشاهد الزمنية المتغيرة الأشياء الثابتة التي لا تتغير، والتي تمثل الكيان الأزلي الذي يشكل الناس جزءا منه، عندما يرى جاك العوامل التي شكلت عالمنا يبدو له أن كل عنصر في هذه التركيبة عبارة عن معجزة قيّمة بحد ذاتها ليس لها نظير، ومع إدراك جاك وتفهمه لطبيعة الأمور وحقيقتها، يصبح قادرا على أن يغفر لوالده الذي حاول أن يقدّم له صورة واقعية عن العالم، ويصبح قادرا على أن يتخذ خطواته الأولى على درب الحياة.

ومن خلال تعرضه لهذه التجارب الصعبة يفقد جاك براءته. تنتهي قصة فيلم “شجرة الحياة” نهاية تبعث على الأمل، وتقرّ بأن الجمال والفرح كامنان في كل شيء، وفي كل يوم، وخاصة في الأسرة، أوفي مدرستنا الأولى، وهي أول مكان يتعلم فيه معظمنا الحقيقة المتعلقة بالعالم وبأنفسنا، كما نكتشف أهم دروس الحياة وهو الحب الذي نؤثر فيه الآخرين على أنفسنا. يعالج المخرج موضوع فقدان البراءة في الفيلم كجزء من الحالة الأزلية للإنسان، كما يعالج بصورة مجازية موضوع أصل الحياة وتاريخ الكون، ويثير الكثير من الأسئلة التي طرحها رجال الدين والمفكرون على مر العصور، كما يثير التفكير والتأمل الفلسفي المتواصل، بما في ذلك من تأمل ذاتي ثاقب.

 ليس فيلم “شجرة الحياة” قصة بقدر ما هو انطباع عن حياة الطفولة يتحول بالأسلوب الشعري للمخرج تيرينس مالك إلى انطباع عن الطفولة بجميع أبعادها، والشعور بحب الوالدين، وخبرة مولد أخ أو أخت، وتعلم المشي في سن مبكر، وتعلم الحب والخوف،قد يعتبر هذا الفيلم ذاتي بعمق، والبعد المتصل بالسيرة الذاتية لتيرنس ماليك نفسه واضح وبارز في أكثر من مظهر، أحداث الفيلم تدور في الفترة والمواقع التي نشأ فيها ماليك ، من حيث النشأة الريفية في ولاية تكساس ووجود أب صارم وفقدان شقيق عزيز. فقد كان أبوه باحث جيولوجي في شركة نفط، أمه إيرلندية، كان له شقيقان، أحدهما (الأصغر سناً، عازف غيتار) انتحر شاباً في أواخر الستينيات.

 في فيلمه “شجرة الحياة” استطاع المخرج الأمريكي، اللبناني الأصل تيرانيس ماليك أن يصوغ ملحمة سينمائية عن إشكالية الوجود تتواشج في فضائها تحوّلات الأرض والإنسان منذ لحظة التخلّق الأولى وحتى الفناء، ملحمة تمور بالانفعالات والشعر والأسئلة، لكنها تحطم كل التصورات المسبقة حول بنية الحبكة والشخصيات والحوار، لغة خاصة تحمل بصمة مخرجها الذي بلّورها في أفلامه ، وهي لغة تقوم على الإيحاء والرمز، لا على التفسير، ما يجعل من قراءة معانيها أمرا صعبا وملتبسا في أغلب الأحيان. كما ان المخرج يستثمر الروح المتدينة من خلال تأمل قد يبدو عابراً لحياة النبي أيوب، لكن ذلك لا يعني مطلقاً أنه فيلم سهل المشاهدة فهو يمتحن ذاتك الشاعرية التي لا تبدو على طبيعتها في زمن أفسدته أهواء البشر وسعيهم المتوحش نحو المادة، وهي نقطة لم ينس ان يطرقها هذا الفيلم الجميل بكل ما تعنيه الكلمة .

 وقد وصف أحد النقاد فيلم “شجرة الحياة” بأنه ليس إلا “قصيدة شعر”، يستعصى فيلم “شجرة الحياة” على التوصيف والتعريف، ففيلم المخرج تيرانس ماليك – مثل كل أفلامه الأخرى – تتحدى الكتابات النقدية، ويترك عند المشاهد حيرة السؤال،  هل فيلم “شجرة الحياة” فيلم روائى؟ أم تسجيلى؟ أم تجريبى؟ أم تأثيرى؟ أم سيريالى؟ إنه ليس أيا من ذلك، إنه تأمل بالغ العمق فى طبيعة الحياة والموت، بمعناهما القريب والبعيد، فيلم  “شجرة الحياة” استكشاف فلسفي، مثير للمشاعر، للحب الأسري، الفقد، الحزن، الندم أو الإحساس بالذنب. ها هنا سبر للمشاعر الأعمق، للأسئلة الأصعب، تلك التي لم تعد تستوقف الكثيرين، بل يحاذونها دونما التفاتة، تلك التي صارت تؤخذ كمسلمات وثوابت ويقين في حين أنها ليست كذلك.. مركزاً بؤرته على عائلة واحدة: الأب، الأم، ثلاثة أبناء، إنه تأمل في الحياة، العائلة، البراءة، الأسى، وأصل الكون.

استجواب أو استنطاق لمعنى الحياة على . تيرنس ماليك هنا ينحاز إلى التجريدي والذاتي، إلى طرح الأسئلة الكونية عن الوجود والحياة والموت، ينحاز إلى نقاوة اللحظات ضمن العلاقات الإنسانية، إلى النزوع التأملي في الطبيعة والأشياء المحيطة، إلى إظهار التناغم أو التوازن بين الإنسان والطبيعة (هذه العلاقة القائمة غالباً على النزاع والعنف)، بين المادي (الفيزيائي) والماورائي (الميتافيزيقي)، مفضلاً تقديم حكاية ملغزة عن الحياة، عن دروس الحياة، عن نشوء الحياة وحركتها وامتدادها في هذا الكوكب منذ فجر التاريخ أو الزمن، إلى واقعنا وزمننا المعاصر، بطريقة ربما تبدو مربكة ومحيرة بالنسبة للمتفرج الذي اعتاد على الحبكات الواضحة والسرد المباشر المألوف، بثيمات تكشف بيسر وسهولة معنى كل شيء. المشهد الختامي، الذي يدور على شاطئ مهجور، هو  صامت، تخيّلي، شبيه بالحلم. مشهد  مدهش وأخاذ، فيه كل شخصيات الفيلم تتلاقى وتتحد من جديد، تتصافح وتتعانق وتتبادل القبل والابتسام ونظرات المودة. تتمشى، تتنزه.

أصوات داخلية هامسة. الملائكة تحيط بالأم التي تهزهز ضوءاً متوهجاً بين يديها ثم، في إيماءة قبول بالفقد الذي عانت منه بعمق، توْدع ابنها المفقود إلى الأبدية، تحت رعاية الرب. عذوبة بالغة، محبة طاغية، غبطة لا حد لها.  يؤمن المخرج تيرينس ماليك بحتمية وجود الفلسفة داخل إطار الفيلم، يطرح تساؤلًا مهمًا يفتّت العلاقات الإنسانية لفهمها، يقسو كثيرًا، ويطرح أسئلة مزعجة ، والمخرج (تيرينس ماليك ) من المخرجين الذين كي يتم إنصافهم لابد من مقارنتهم بالمفكّرين. ولد تيرينس ماليك في 30 نوفمبر 1943، في أوتاوا، إلينوي-أمريكا وهو من أصول لبنانية، يتحدر من أصول أشورية ،وهو ابن إميل مالك الذي هاجر والده إلى الولايات المتحدة قبل قرن من الزمان تخرج تيرانس من جامعة هارفارد بامتياز مع مرتبة الشرف بعد دراسة الفلسفة عام 1965، بدأ مشواره الفني بكتابة العديد من السيناريوهات ﻷعمال فنية متنوعة، ثم تحول لمرحلة أخرى في مسيرته الفنية فبدأ إخراج سيناريوهاته. الفيلم حاز على السعفة الذهبية في مهرجان كان 2011، وعلى أوسكار 2012، وحسب تقديرات الإعلام استغرق إنجازه قرابة ستــــة سنوات، أربعة منها تحضير، وسنتان تصوير وإنتاج، وتبلغ مدته ست ساعـــات، خُصصت منها ساعتان وثمانية عشرة دقيقة للعرض في المهرجانات.

المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. شكرا لك على هذا الانطباع ، وهذا النوع من الافلام يحتاج الى وقفة و مشاهدة لكل زاوية من زوايا مشاهده المل يحتويه من جمال العرض و قيمة الفكرة ، تقبل محبتي

  2. أبدع علي المسعود بهذا السرد التفصيلي العميق المدهش الذي يتماثل مع عظمة هذا الفيلم الاخاذ!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here