علي المسعود: دراما البقاء على قيد الحياة  في فيلم “اثنا عشر عاما.. ظلام”

 

علي المسعود

“الأفلام تلمس قلوبنا وتوقظ رؤيتنا، وتغير طريقة رؤيتنا للأشياء. إنها تأخذنا إلى أماكن أخرى، تفتح الأبواب والعقول. الأفلام هي ذكريات حياتنا، ونحن بحاجة إلى إبقائهم على قيد الحياة” هذه المقولة الرائعة للمخرج العظيم (مارتن سكورسيزي). هناك أفلام تترك أثرا بليغا عند المشاهد بعد ألانتهاء من مشاهدتها  ومن هذه الافلام ، فيلم ”  إثنى عشر عاما ظلام ” للمخرج (الفارو بريشنر ) وهو مخرج وكاتب ومنتج في ألاوروغواي، مستندا على قصة حقيقية مأخوذة من مذكرات الكاتب (موريسيو ريسينكوف ) المستوحي من كتابه “ذكريات الزنزانة” ، نظر الرجل  الى المحكوم وسأل الضابط : هل يعرف السجين عقوبته ؟

قال الضابط : لا، سيختبرها بنفسه “ل فرانز كافكا المأخوذة من قصه القصيرة  ” في مستعمرة العقوبات”  هذه العبارة  كانت المفتاح لبداية الفيلم ،  وقصة الفيلم عبارة عن دراما سياسية  تدون لمرحلة مهمة من تاريخ أمريكا أللاتينية ، وتعتبر تلك النوعية من الأفلام على درجة عالية من الأهمية؛ لما أضافته من توثيق مرئي للتاريخ الإنساني، ترتبط تلك الأهمية بعدم إقبال الإنسان الحديث على القراءة، واعتماده أكثر على المواد البصرية؛ فأصبحت السينما وسيلة ذات فاعلية كبيرة في توثيق أحداث هامة في التاريخ الإنساني ، وقصة  فيلم ” 12 عاما ظلام ” تدور حول فترة سجن  طويلة لثلات من السجناء السياسين التابعين لحركة التوباماروس. ه

ي حكاية أنسانية كسرت  كل حواجز اللغة والجغرافيا، لتؤثر في قلوب كل من شاهدها، هؤلاء الرجال السجناء يعيشون في عزلة تامة،  لم يتمكنوا من معرفة الفرق بين الليل والنهار أو أي شهر، كان الخلط العقلي المستمر هو الشيء الأكثر أهمية لنقله والتفنن في استخدام وسائل لتعذيبهم كي تودي بهم الى الجنون. هي قصة مرئية رائعة عن الثبات والمقاومة بوجهة النطام الديكتاتوري وجلاوزته العسكر. ونفس الشئ حصل في الكثير منة الانظمة الديكتاتورية في العالم، ومن بين الحُكّام الطغاة الذين اُبتلي بهم العالم كان الجنرال التشيلي سيء السمعة ” أوجستو بينوشيه “. و كذالك نظام البعث الفاشي وسجونه التي غيبت الكثير من الابرياء .

ولكن هذه المرة  يكشف لنا المخرج الاورغواني ( الفارو بريشنر) ملف التعذيب الوحشى و الممارسات اللانسانية للحكم العسكري في الاورغواي و الذي حكم للقترة من 1973 ولغاية  1985،  ومن خلال قصة  تدور أحداثها  حول ثلاثة مساجين سياسين في اورغواي في عام 1973، قصة يكافح  فيها “خوزيه موخيكا”، رئيس “أوروغواي” المستقبلي، وسجينان سياسيان رفيقان له في حركة “توبامارو” للنجاة من حبس انفرادي دام 12عامًا تحت التعذيب.  وبعد سقوط النطام العسكري تم أطلاق سراحهم ، حين قرر ألجنرال إجراء استفتاء شعبي –بسيط جدًا: نعم أو لا- على مسألة التمديد لحكمه لفترة جديدة تمتد لـ 8 سنوات. كان من المفترض أن يكون “العُرس الديمقراطي” شكليًا للحد من الانتقادات الدولية وإضفاء الشرعية على حكومته، ومع وجود الكثير من رموز المعارضة السياسية إما في السجون أو في قبورهم أو في أماكن لا يعلمها إلا الله، فإن الجنرال كان متأكدًا من الانتصار.

ولكنّ الشعب صوّت بـ (لا) وغادر الديكتاتور السلطة ، واستقبلوا السجناء تحت سماء الحرية  استقبالا  ألابطال  وسط هتافهم (المتحدون لا يمكن هزيمتهم). وفي نهاية الفيلم  يعلمنا  المخرج عن مستقبل هولاء السجناء .  وكانوا كل من الرئيس السابق لأوروغواي خوزيه موهيكا كوردانو(بيبي موخيكا ) عضو كونغرس وسيناتور، وأصبح موخيكا  الرئيس الأربعين لأوروغواي و قد حكم للفترة بين عامي 2010 و 2015. وقد وصف بأنه “أفقر رئيس في العالم” ، نظراً لأسلوب حياته و بساطته. واثنين أخرين من السجناء السياسيين وهما “إلوتيريو فرنانديز هويدبرو” صار سيناتور واصبح  وزيرا للدفاع و مات في 5 اب 2016 ، والثالث هو  كاتب القصة و المذكرات  “موريسيو ريسينكوف” يعيش في مونتفيديو  وهو شاعر وكاتب روائي ومسرحي عين مديراُ للثقافة في مونتفيديو.

  فيلم(12 سنة ظلام ) ، الفيلم  مأساة سياسية  لاتحكي وجع عن بلد صغير في أمريكا الجنوبية لا يعرفه سوى عدد قليل من الناس، بل هذه تجربة حسية عميقة. ستشعر بكل عاطفة كما لو كنت أحد شخصيات الفيلم. وقد تجد الاحداث وطرق التعذيب هي ذاتها عند نظام البعث الفاشي أو في جميع ألانظمة الديكتاتورية ، وربما المشاهد  سوف تنتابه صرخة رعب ، ومشاعر عميقة ، ويشعر بالكثير من التمرد والسخط ، (انا شخصيا انتابتني موجة من البكاء  حين اعاد لي الفيلم بالذاكرة فقدان  اثنين من  أشقائي الصغار بعد أن  غيبتهم سجون البعث الفاشي ). يمكن التأكيد على أهمية الفيلم كونه يشكل بحثًا سينمائيًا بليغًا في تجاوز حدود الدرامي الإجتماعي إلى ما هو سياسي والعكس، من خلال التقاط لحظة تاريخية مدعومة بالوثائق البصرية والقصص الحقيقية للإعلان عن دور السينما في التعبيرعن قضايا الإنسان ومجتمعه والوقوف في وجه الطغيان، السياق التاريخي للقصة يوفّر مساحة للتأمّل والمفارقات، استطاع المخرج (ألفارو بريخنر ) في هذا الفيلم أن يقدم فصلاً سياسياً مظلماً في تاريخ أوروغواي دون اللجوء إلى الدعاية السياسية المتعثرة. إنصب تركيز المخرج على السجين السياسي  وليس على صروح السياسة في الأوروغواي. و نجح  الفيلم بكسب تعاطف الجمهور  مع المعتقلين  ومعاناتهم الشديدة. التعاطف في الكثير من المشاهد المشحونة بالتحدي و الايمان و ثبات الموقف.

الأصوات والمرئيات فعالة جدا ، خاصة في الهلوسة والتواصل عبر الزنزانة بوسائل طرق على الجدران. لان النطام العسكري كان لا ينوي إبادة الرجال الثلاثة: ( “لأننا لا نستطيع قتلهم ، بل نقودهم نحو جنونهم)” ، كما يوضح  ضابط السجن. كما ستتعلم الكثير عن الديكتاتورية العسكرية التي حكمت أوروغواي من عام 1973 إلى عام   1985.  خلال تلك الفترة  التي امتدت في اعتقال السجناء وتنقلهم الى أكثر من سجن ، كانت ” لوسي موخيكا” ، وهي  والدة” خوزي موخيكا”  التي تنتقلت بين أكثر من أربعين سجناً من سجون الدكتاتورية العسكرية الفظيعة ، وعلى مدار 12 عامًا  كانت  تجوب الاقبية و الزنازين بحثأ عن ولدها السجين “خوزيه موخيكا” ، كانت تتوسل عند بوابات السجون عن اي خبر عن ابنها ، إن كان حيا أو ميتا ، كانت لاتكل و لاتيأس ، حتى تنجح بعد فترة طويلة في العثور علية وتحصل  على فرصة اللقاء بابنها ولمدة قصيرة ، فتجده متعبا ، واهنا ، والياس يدب الى روحه؟، فتهزه الام بعنف وتصرخ به ( هم يريدونك ان تصاب بالياس أو الجنون حتى يتمكنوا من الانتصار عليكم ، “الخاسرون الوحيدون هم الذين يستسلمون”) ،  وفعلا يستمد القوة من صرخة أمه و يصرخ بوجه الجلاد من نافذة الزنزانة وسط تجمع للعسكر للتعبير عن ألولاء للدكتاتور، ويطلب منهم ان بردوا له ماجلبت له امه من اشياء خلال زيارتها.

هذه الام الشجاعة ذكرتني بالأم العراقية العظيمة التي أشار لها الشاعر مظفر النواب في قصيدة  الشعبية الخالدة  (البراءة ).  فيلم ” 12 عاما ظلام ” من الافلام الجديرة بالاهتمام وهي من النوع التي تحاول استكشاف الحالة البشرية ، الفيلم عبارة عن حكاية مروعة ومبنية بشكل جميل عن  السجناء الثلاثة،. مع  حركة وتنقل الكاميرا بشكل مدروس ، مشاهد التعذيب المذهلة والمرعبة ، هذه الدراما  الانسانية تجعل المشاهدة ممتعة  وخلال فترة زمنية تزيد قليلا عن ساعتين تجد نفسك متعاطفا و منسجما مع حالة الصمود والتحدي للسجناء ، المخرج ” الفارو بريشنر” حاول على  التركيز المتوازن بين واقع و ظروف السجناء الثلاثة أيضًا ، وكل هذا يبنى  اساس نحو موجة عاطفية  خلال مشاهد الفيلم النهائية، الفيلم يركزعلى صمود الرجال الثلاثة إلى تحملهم ل 12 سنة من الجحيم على يد  جلاوزة الديكتاتور والنظام القمعي في ألاوروغواي، ورغم ذالك  لا يستسلم الرجال الثلاثة أبدا، ويجدون طرقًا للتواصل من خلال طرقهم  على جدران الزنازين و التي تغدو وسيلة لغة التواسل ووسيلتهم الوحيدة  لنقل الرسائل بينهم والتشبث  بطاقتهم على البقاء على قيد الحياة على الرغم من الصعوبات الهائلة.

وبعد أن أصبح موخيكا رئيسًا نموذجيًا لأوروجواي ، لم يسع قطًا إلى الانتقام من آسريه، و هي شجاعة لمرونة الروح الإنسانية، عرض فيلم  “12 عامًا ظلام ” لأول مرة في مهرجان البندقية السينمائي الدولي الخامس والسبعين ، كذالك عرض ضمن المسابقة الرسمية للدورة الـ40 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، تلقى المخرج الفارو بريشنر عن فيلمه ثناءاً و تصفيقا حارا وسط صراخ من الجمهور في مهرجان القاهرة في العام الماضي وحدث نفس الشئ في مهرجان البندقية السينمائي الدولي الخامس والسبعين، الجمهور الذي حاوره ليشكره على قصته الإنسانية،  وتلقى المخرج الإعجاب بتواضع متحدثا عن صعوبة تصوير هذا الفيلم، إذ تطلب التحضير له عدة سنوات، وأثرت الظروف القاسية التي اختبرها الممثلون عليهم بشده. وأوضح ” أن الطبيعة البشرية هي الهامه للقيام بهذا الفيلم، فقد أراد أن يخبر الناس بهذا العمل عن تأثير السجن وانتهاك الحرية على النفس البشرية، أما عن اختيار موسيقى تصويرية حزينة للفيلم فقال إن الفيلم بمثابة رحلة عن العذاب والعزلة ولذا أرادوا اختيار موسيقى تجسد تلك الأحداث المظلمة”.

وبالرغم من ان الفيلم لا يحقق في المشهد السياسي للأوروغواي ولكنه يرفع الوعي  بالطرق التي تستخدمها  ألأنظمة الديكتاتورية و الجيش من أجل البقاء في السلطة والاساليب القذرة في ترهيب الاحرار. إنه تذكير قوي بأهمية القوانين الدولية لحقوق الإنسان . إستخدم المخرج في هذا الفيلم كلاً من الفكاهة والدلالات الشعرية لتوضيح ظلام نظام استبدادي وتعريته ، التمثيل في الفيلم كان جيد جدا أيضا مع قيام السجناء الثلاثة باأداء ممتاز يبين ألامل واليأس والتحدي في وجه السلطات.   ومن ثم  الفيلم ساهم في توجيه  رسالة عن تحمل وشجاعة أسرهم وهو شيء يتم التقاطه بشكل مثالي هنا و هذا ما يجعل فيلم “اثنا عشر عامًا ظلام”  متميزا عن الأفلام الأخرى من هذه الفئة . يلعب دور” موريسيو روسينكوف”  النجم الأرجنتيني الصاعد شينو دارين ، وقام الممثل إنطونيو دي لاتوري باداء رائع وجميل و جسد  شخصية (خوزيه موخيكا ) أما الممثل ” الفونسو تورت” مثل دور إلوتيريو فرنانديز هويدبرو .

فيلم ” اثنا عشر سنة طلام  ” هو بكل بساطة فيلم جيد التحضير والبناء.  تم التعامل مع الموضوع بعناية واحترام ، واللعب على الجانب الإنساني  أزاء هذه المحنة المروعة.  فإن هذه الدراما التاريخية تعتمد على التوثيق ورصد المشاعر الانسانية.  كما ساعد الاستخدام الذكي للإضاءة أيضًا  في تشكيل اللقطة او الصورة ، مع استبدال المشاهد المظلمة بالكآبة ببطء مع إضاءة أكثر سطوعًا  عند اقتراب الفيلم من نهايته ، مما يؤكد أيضًا على أن “الضوء في نهاية النفق”  كي يشعر به المشاهد  , التصوير السينمائي  للفيلم و لقطاته الفلاش باك كانت رائعة ومثيرة للاعجاب ، في المحصلة الفيلم يستحق الاعجاب.

المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here