علي المسعود: “بيرسيبوليس” او “بلاد فارس” فيلم رسوم متحركة يحكي قصة طفولة صادرها الإستبداد

علي المسعود

“بيرسيبوليس” أو ( بلاد فارس ) هي رواية مصورة تدون فيها  الكاتبة و المخرجة الايرانية (مرجاني ساترابي) سيرتها الذاتية . “برسيبوليس”، هذا الاسم الكبير  الذي يحمله الكتاب المصوّر والفيلم، والذي يشير إلى عاصمة الملوك الأخمينيين (الإيرانيين) القديمة التي دُمِّرت وأفل نجمها.  حظيت رواية «بيرسيبوليس»  بشعبية كبيرة فور صدورها، تمت ترجمة عملها هذا إلى العديد من لغات العالم . تستحضر الإيرانية “مرَجاني ساترابّي” في كتاب القصص المصورة صورة عن طفولتها في إيران مثيرة بذلك موجة عارمة من الإعجاب كتبت ساترابي ، التي تعيش الآن في باريس ، قصة حياتها في روايتين مصورتين ، أصبحتا من أفضل الكتب ، في عام 2007  تم تحويلها الى فيلم الرسوم المتحركة الرائع وبعنوان (برسبوليس).

وكانت  معظم الرسوم المتحركة باللون الأسود والابيض ، وقالت السيدة ساترابي إنها كتبت “برسيبوليس” كإجابة على السؤال الشاق والمحمول عما يعنيه أن تكون إيرانياً. لكن نجاح كتابها كان يعني أن رسالتها قد وصلت الى  الذين يعيشون في  الغرب ويجهلون تاريخ إيران. بعد نجاح الكتاب بدأ تدريس “برسيبوليس” في 118 كلية في الولايات المتحدة ، “قالت ساترابي  “كان الناس يقولون هذه هي قصتي أيضا ، “فجأة قلت لنفسي ،” هذه قصة عالمية أريد أن أثبت أن جميع الديكتاتوريات  بغض النظر عما إذا كانت في شيلي ، إذا كانت الثورة الثقافية في الصين أو أي مكان في العالم ، فهي نفس التخطيط. ونفس الممارسات التعسفية” .

نشأت مرجاني في طهران في كنف عائلة شيوعية انخرطت في العمل السياسي في إيران قبيل الثورة الإيرانية، والتي شهدت تضيق على الحريات المدنية وآثار الأحداث السياسية على الحياة اليومية، “برسبوليس” التي ألفتها بالفرنسية والتي تصف فيها طفولتها في إيران ومراهقتها في أوروبا. ويحكي قصة حياة الكاتبة وعائلتها الماركسية أثناء الثورة الإيرانية لإسقاط الشاه وتولي التيارالإسلامي الحكم وتحويلهم إيران من دولة علمانية إلى دولة تحكم بالسيطرة والاستبداد تحت راية الدين، ومن ثم الحرب الخليجية الأولى بين إيران والعراق. نالت هذه الرواية جائزة العمل الأول في مهرجان أنجوليم العالمي للروايات المصورة. وفي البداية، لم تكن ساترابي تتوقع تحويل روايتها المصورة إلى فيلم رسوم متحركة، إذ تقول: «حقيقة كنت لا أريد تحويل القصة إلى فيلم، وحاولت تعطيل إنتاج الفيلم مرارا، بوضع عقبات وشروط معقدة مثل: أريد الفيلم أبيض وأسود، وبالرسم اليدوي، ويجب أن يكون استوديو التسجيل في وسط باريس، وليس في ضواحيها، لكن فوجئت بالشخص المسؤول يخبرني عن قبولهم لجميع شروطي .

الفيلم يحاكي بشكل كبير الكتاب المصور من حيث تحويل الرسوم الورقية إلى رسوم حركية وهذا أضاف جانب طفولي إلى الفيلم مع الأخذ بعين الإعتبار أنه ليس للأطفال. فكأن الكاتبة أرادت أن توصل وجهة نظرها عبر استخدام العنصر الطفولي وهذا تكنيك معروف في السينما الإيرانية بشكل خاص. الفيلم يعتبر أيضاً فيلم درامي تاريخي عن هذه الحروب والثورات التي مرت بها إيران، وأثرها النفسي والاجتماعي على حياة الكاتبة، مع إضفاء لمسة كوميدية على أحداث الفيلم من خلال المواقف والتناقضات المضحكة.  يفتتح الفيلم في مطار في فرنسا ، إمراة إيرانية وهي ” مرجاني ساترابي “، تنظر  إلى جدول الرحلات. تأتي عينيها لتستقر. على القائمة المتجهة إلى طهران. ثم تأخذ مقعدًا ، وتدخن سيجارة ،  بعد ان تضع  غطاء الراس ، في المطار تستعد للرجوع إلى إيران.

وفي كرسي الانتظار، يجول خيالها بعيداً وتتذكر طفولتها، وهنا تتغير الصورة الملونة إلى صورة بالأبيض والأسود. ويستمر الفيلم بهذا الشكل وكأنه مشهد فلاش باك طويل حيث تحكي فيه مرجاني ساترابي قصتها للمشاهد:  “أتذكر أني كنت أعيش حياة هادئة خالية من الأحداث وأنا صغيرة.  كنت أحب البطاطا المقلية بالكاتشاب، وكان بروس لي بطلي المفضل، وكنت ألبس أحذية أديداس الرياضية، ولدي نوعين من الهوس: حلاقة شعر رجلي في يوم ما، وأن أكون آخر نبية على وجه الكون”.

وقد بدأت بالفعل بأداء دور النبي وهي صغيرة، فأخرجت تعاليمها الخاصة التي تقتضي باحترام الصغير والكبير وحب الجميع، وتخيلت أنها تحكي مع الله في مشهد طفولي أثار الكثير من الجدل واللغط في الأوساط الإسلامية بسبب تصوير الفيلم هيئة الله على أنه رجل ملتحي وحنون، وهي الصورة التقليدية في الأفلام والقصص عن الرب، هناك شخصيتين رئيسيتين تؤثران في حياة مرجاني وهما ، شخصية عمها وجدتها، اللذين رغم دورهما الثانوي إلا أنهما يشكلان التأثير الأكبر على فكر مرجاني وسير حياتها.

فعمها ( الشيوعي ) والذي كان مسجوناً لفترة طويلة خلال حكم الشاه، ثم أخرجوه من السجن بعد الثورة ليأتي ويحكي لمرجاني في مشهد مصور على طريقة الدمى المتحركة عن تاريخ شاه إيران وكيفية وصوله للحكم بمساعدات الولايات المتحدة الأمريكية. لم ينعم ( آنوش) إلا قليلاً بفسحة الحرية، حتى قبضوا عليه مرة ثانية، هذه المرة في فترة الحكم الإسلامي، ليحكموا عليه بالإعدام، ولتبقى ذكراه مع مرجاني طيلة حياتها. أما جدتها، الشخصية الثانية المؤثرة على فكر مرجاني، فقد أسست فكرة حب إيران وحب الآخرين في فكر مرجاني منذ الصغر، وحين ودعتها في المطار وهي في طريقها إلى فيينا لاستكمال دراستها، قالت لها: “كوني صادقة مع نفسك” وظلت هذه الفكرة تطارد مرجاني حتى كبرت. ومن خلال حديث والديها نكتشف الخلفية الفكرية لهما كونهم عائلة شيوعية ـ فقد اعتقل جدها من قبل والد الشاه لكونه شيوعيا ،وجاء من بعده الشاه فزج عمها بالسجن لكونه شيوعيا أيضأ ).

كفتاة صغيرة ، عاشت مرجاني  في طهران. مع  بداية الثورة الإيرانية ضد شاه إيران عام 1979 ، تشعر أسرتها من الطبقة الوسطى بالإثارة والمشاركة في المظاهرات  رغم أن مرجاني نفسها ممنوعة من الحضور. وفي أحد الأيام ، أُطلق سراح “سياماك جاري” ، وهو صديق للعائلة ، من السجن ، وكان يتحث عن تجربة الاعتقال و كلهم يستمعون اليه وهو يروي فظائع السجن ، ويروي لهم عن التعذيب ، وكيف كان يجلدوهم بالكابلات الكهربائية ، والجلادون قد تلقوا تدريبات في فنون التعذيب في سي اي ايه ، وكيف فقد صديقه حامد ، الذي مات من جراء التعذيب.  بعد بضعة أيام ، حاولت مرجاني ومجموعة من الأصدقاء مهاجمة صبي صغير ، رامين ، الذي كان والده عضو في الشرطة السرية ( السافاك)، والذي قتل الشيوعيين والثوريين كجزء من عمله. يجمعون الاطفال  المسامير من صندوق الأدوات ويطاردونه ، لكن أم مرجاني توقفها وتعاقب مارجي على فعلتها . في غرفتها ، يقول الله ( الذي يتجسد في خيال الطفلة بهيئة رجل بلحية بيضاء)  لمارجي إن جرائم والد الرامين ليست خطأ رامين ولا نحمله جرائم ابيه.

 تعتذر مرجاني إلى رامين في اليوم التالي لتقول إنها تغفر له ، لكن رامين يدافع عن والده بقوة ، وبعد سقوط نظام الشاه و تمثاله يسود الفرح و البهجة في البيت، ، البلاد كانت مبتهجة ، فالكل قد قاتل ضد الشاه ، وفرح الناس بعهد جديد وحلموا بمستقبل جميل وحريات أكثر.  لكن الطفلة ذات التسعة سنوات تعبر عن حزنها لانها تعتقد أن الشاه تم اختياره من قبل الرب كي يكون ملكا على إيران ( كما أخبرها المعلم بذالك).  ويرد عليها  ابوها بان هذا غير صحيح، وسوف يخبرها بحقيقة ماحدث وكذالك حقيقة نطام الشاه، الحقيقة انه ( قبل خمسين عاما كان والد الشاه ضابطا وكان المطلوب منه اسقاط امبراطورية قادجار ، فتحالف مع الانكليز لاسقاط  واصبح هو الملك ورغم كونه ديكتاتور، لكنه طور إيران ، أحب بلاده  ، على خلاف من إبنه وريثه) .

والد الشاه كان صعب جدا ووضع جدها في السجن ، لكنه أبنه اسوأ بعشرة أضعاف من أبيه !، كان جدها من العائلة المالكة وهو أمير قادجار ، لكن والد الشاه إنقلب عليه و أخذ  منه كل شئ. دخل السجن لانه كان شيوعيا ، وعندما جاء الشاه سجن أبنه و هوعمها ( أنشو ). نجحت الثورة بعد ان قدمت شهداء قربانا لها , افرج عن عمها ( أونشو) من السجن والذي لم تراه من قبل ، في أحد الأيام ، يصل عم  مرجاني لتناول العشاء مع العائلة بعد إطلاق سراحه مؤخراً من السجن  بعد أن أمضى تسع سنوات. كانت مرجاني مبتهجة لمقابلته لأنه هو “بطل” العائلة الذي تريده. “أنوش”  يلهم  بقصصه عن حياته وقصة فراره من الحكومة الى الاتحاد السوفيتي .

بعد رحيل الشاه، لا يتحسن وضع أسرة مرجاني ، على الرغم من تفاؤل  العم “أنوش” ، وهم يشعرون بالضيق العميق عندما يفوز الأصوليون الإسلاميون في الانتخابات بـ99.99٪ من الأصوات ويبدأون قمع المجتمع الإيراني ، ويفرضون الشريعة الإسلامية الصارمة. وتجبر الحكومة النساء على ارتداء الحجاب  ، ويتم القبض على  العم”أنوش ” واعتقاله بسبب معتقداته السياسية ، والذي أعدم فيما بعد !!. بينما يهرب سياماك مع عائلته بعد أن تُقتل شقيقته في مكانه. العديد من أصدقاء العائلة ، وكذلك الآلاف من الإيرانيين ، يفرون من النظام الجديد إلى أوروبا أو الولايات المتحدة. وبخيبة أمل عميقة  تحاول مرجاني ، مع عائلتها ، التكيف مع الحياة في ظل النظام الجديد. تندلع الحرب بين إيران والعراق وترى مرجاني بنفسها أهوال الموت والدمار وانعكاس الحرب على حياة الناس، وكذالك مفاتيح الجنة التي توزع على الاطفال كي يصيروا قربانا لحرب قاسية !!. وتبدأ الحكومة الإيرانية بتنفيذ القوانين التي تضيق على الحريات و ينتج عنها مظالم صارخة. ويتعرض والد مرجاني للتهديد من قبل مسؤولين حكوميين فاسدين . وفي وقت لاحق ، يعاني أحد أعمامها “طاهر” ، من نوبة قلبية. إنه بحاجة إلى جراحة القلب المفتوح ، وبما أن إيران لا تملك المعدات ، يجب عليه الذهاب إلى إنجلترا. ولكن نظرًا لإغلاق الحدود ، فإن الأشخاص المرضى فقط الذين يوافق عليهم مجلس الصحة يمكنهم المغادرة.

عندما تحاول زوجة عمه الحصول على إذن ، تجد أن مدير المستشفى الذي يجب أن تتعامل معه هو منظف النوافذ السابق، وهو رجل غير كفء ، يرفض السماح للعم بالسفر إلى الخارج. تذهب مرجاني ووالدها لرؤية خسرو ، وهو رجل يطبع جوازات سفر مزورة. أخبرهم أنه يستطيع أن يصنع جواز السفر في غضون أسبوع. ” خوسرو” يأوي قريبًة له تدعى نيلوفار ، وهي فتاة تبلغ من العمر 18 عامًا مطلوبًة لمعتقداتها الشيوعية ، في وقت لاحق ، يلقى القبض على  الشابة (نيلوفار) وتعتقل وبعدها تعدم على الفور. بينما يموت عمها في النهاية من مشاكل في القلب.  تصرمارجي على التطبع على الوضع الجديد، و ترفض البقاء بعيدا عن المشاكل ، حيث تشتري سرا كاسيتات الموسيقى الغربية ، ولا سيما آيرون مايدن وفرقة آبا و مايكل جاكسون ، وغيرها من الفرق الموسيقية الغربية . وقد تم احتجازها تقريباً من قبل حراس الثورة من النساء لكنها تنجح في الهروب منهم.  تُطرد مرجاني من المدرسة عندما تدحض أكاذيب المعلّمين علناً حول انتهاكات الحكومة. وخوفا من اعتقالها بسبب صراحتها ، يرسلها والدا مارجاني إلى مدرسة” ليتشي” الفرنسية في فيينا ، حيث يمكن أن تكون آمنة و تكون لها حرية في التعبير عن نفسها.

تعيش مع راهبات كاثوليكيات و لكن تزعجها سلوكياتهم التمييزية. ولا  تنسجم  مارجاني إلا مع عدد قليل من الأصدقاء ، وتشعر في نهاية الأمر بأنها معزولة على نحو لا يمكن احتماله في أرض أجنبية محاطة بأشخاص سطحيين مزعجين يعتبرون حريتهم أمراً مفروغاً منه وينظرون إليها بازدراء  واضح . مع مرور السنين ، يتم طردها من ملجأها المؤقت لإهانة راهبة .  تتنقل مرجاني من بيت إلى منزل حتى تصل إلى منزل دكتور” فراو شلوس” ، وهو مدرس فلسفة  ، كان صوت جدتها يتردد صداه  في غربتها، ويطلب منها أن تبقى صادقة مع نفسها وبالتحديد عندما تغادر حفلة كانت قد حضرتها بعد أن كذبت على أحد معارفها بأنها فرنسية. ثم تتهم مارجاني بسرقة بروش شلوس. وتطرد من السكن مرة اخرى ، تقضي يومها على مقعد في الحديقة ، وتدرك أنها لم تعد تملك أي مكان آخر تذهب إليه. تعيش في الشارع لبضعة أشهر. في نهاية المطاف ، تصاب بمرض التهاب القصبات ، تعافت مرجاني في مستشفى فيينا،بعد أن شعرت بإنها تفقد نفسها لبعض الوقت  وتغرق في الملذات البديلة .

وفي فيينا  تصبح تصبح حالتها تثير الشفقة بسبب حالة الضياع التي عاشتها في تلك الفترة من حياتها  ، تصبح ( مرجاني ) بين امرين، فإما أن تكون حرة ومتمردة وتفعل مايحلوا لها، أو يمكنها العودة إلى الوطن على حساب حريتها الفردية . وتعود إلى إيران بإذن من عائلتها على أمل أن  تكون  نهاية الحرب بداية  إلى تحسين نوعية حياتها. بعد قضاء عدة أيام وهي تقضي  وقتها في مشاهدة التلفزيون ، تصاب مرجاني في حالة اكتئاب سريري.وتحاول الانتحار عن طريق تناول جرعة زائدة من الدواء.  ولكن حلما يطوف خيالها ، إنها  أحلام، الله وكارل ماركس يذكرانها بما هو اهم في هذه الحياة, وتشجيعها على مواصلة العيش  تستعيد نشاطها و تجدد عزمها وتبدأ في التمتع بالحياة مرة أخرى .تحضر مارجاني دروساً وحفلات جامعية. إنها تدخل في علاقة مع زميلها الطالب ، في هذا الوقت، المجتمع الإيراني صار  أكثر استبدادًا من أي وقت مضى.

أصبحت عمليات الإعدام الجماعية  بسبب المعتقدات السياسية شائعة ، الأمر الذي أثار استياء مارجاني. وفي مرة يقبض عليها وصديقها يدا بيد ويضطر والداها لدفع غرامة لتجنب جلدها، إلا أن مارجي تستمر في  تمردها . وهي تلجأ إلى تكتيكات النجاة لحماية نفسها من الجلد  ، مثل اتهامها زوراً لأحد الرجال بإهانتها لتجنب التعرض للاعتقال بسبب ارتدائها ماكياج و كذالك الزواج من صديقها لتفادي تمحيص الشرطة الدينية. وتشعر جدتها بخيبة أمل من سلوك مارجاني وتزجرها، وتقول لها إن جدها وعمها ماتا من أجل دعم الحرية والأبرياء ، وأنه يجب عليها ألا تتخلى عن تلك المبادئ العظيمة التي تربت عليها وهي الدفاع عن المظلومين ووكذالك النزاهة في التعامل مع الناس. غير أن الشرطة الأصولية تمكنت من اكتشاف واقتحام البيت  الذي تقيم فيه سهرات وحفلات الغناء والرقص والتي  تحضرها مارجاني.

بينما يتم احتجاز النساء (بالكاد تمكنن من تغطية أنفسهن ، إلا أنهن يتجنبن العقاب في النهاية) ، يهرب الرجال عبر أسطح المنازل. واحد منهم ، نيما ، يتردد قبل القفز ، وبالتالي يسقط حتى وفاته. بعد وفاة نيما وطلاقها ، قررت عائلة مارجاني أن تغادر البلاد بشكل دائم لتجنب استهدافها من قبل السلطات الإيرانية كمعارض سياسي. وقبل مغادرتها ، تأخذ رحلة إلى بحر قزوين وتزور قبور جدها وعمها. وتطلب منها والدتها عدم العودة الى ايران ثانية ، وتوافق مارجاني. ولم تعد ترى جدتها مرة أخرى ،والتي ماتت بعد مغادرتها. تجمع مرجاني حقائبها وتحصل على سيارة أجرة. وبينما تسير السيارة الأجرة بعيدًا عن المحطة الجنوبية لمطار باريس أورلي ، يعود السرد إلى يومنا هذا. يسأل السائق “مرجان”  عن موطنها ، وهي ترد من “إيران” ، مع الحفاظ على الوعد الذي قطعته مع عمها” أنوش” وجدتها بأنها ستتذكر من أين أتت ودائماً ما تحافظ على نفسها.

تم تقديم الفيلم بالأسلوب الأسود والأبيض للروايات المصورة الأصلية.   اختيار اللونين الأبيض والأسود كألوان الفيلم المهيمنة كان اختيارًا متعمدًا من قبل ساترابي، جنبًا إلى جنب مع المدير وفريق الرسوم المتحركة ، للاستمرار على طريق تقنيات الرسوم المتحركة التقليدية. على الرغم من بساطتها ، عمل فريق الرسوم بشكل خاص على التقنيات التي تحاكي أنماط رسامي الكاريكاتير اليابانيين. تتضمن أصوات الممثلة الفرنسية الأسطورية” دانييل داريو” كجدتها ،  الممثلة القديرة “كاترين دينوف “كأمها و الممثلة”كيارا ماستروياني “- ابنة مارسيلو ماستروياني والسيدة دينوف – كما مرجاني ، فرانسوا جيروزمي (العم أنوش) و شارك في إخراجه فينسان بارونو . وهو إنتاج فرنسي تم تنفيذه  بتقنية عالية ، وبحبكة ذكية ، ولا يحمل أي مغالاة في التبرير أو الإدانة. كما يغلب عليه طابع التجربة الإنسانية العميقة.

برسبوليس” فيلم  يحكي قصة  ثورة تأكل أبناءها وطفولة صادرها الإستبداد . وقد تجاوب البعض مع هذا الفيلم وأيده ، فيما رفضه آخرون معتبراً أن الكاتبة مرجاني ساترابي متطرفة لآرائها. وقد أثار صدور الفيلم ضجة واسعة في ايران وما زال. وقد أثار الفيلم أيضأ شكاوى من الحكومة الإيرانية. حتى قبل ظهوره لأول مرة في مهرجان كان السينمائي عام 2007 ، بعثت مؤسسة الفارابي التي ترتبط بالحكومة برسالة إلى السفارة الفرنسية في طهران تقول: “هذا العام ، اختار مهرجان كان السينمائي ، بطريقة غير تقليدية وغير مناسبة ، فيلمًا عن إيران وقد أظهر ذلك وجهًا غير واقعي لإنجازات ونتائج الثورة الإسلامية المجيدة في بعض أجزائها “.

في يونيو 2007 في تايلاند ، تم إسقاط الفيلم من  قائمة مهرجان بانكوك السينمائي الدولي. تم حظر برسيبوليس في البداية في لبنان بعد أن وجد بعض رجال الدين أنه “مسيء لإيران والإسلام”. تم إبطال هذا الحظر في وقت لاحق بعد صرخة في الأوساط الفكرية والسياسية اللبنانية. في 7 أكتوبر 2011 ، تم عرض الفيلم على محطة التلفزيون الخاصة التونسية نسمة. وبعد ذلك بيوم تشكلت مظاهرة وسارت على المحطة. الحزب الإسلامي الرئيسي في تونس ، النهضة ، أدان المظاهرة.

 وواجه نبيل قروي ، مالك قناة نسمة ، محاكمة في تونس بتهمة “انتهاك القيم المقدسة” و “الإخلال بالنظام العام”. تم إدانته وأمر بدفع غرامة قدرها 2400 دينار (1700 دولار ؛ 1000 جنيه استرليني) ، وقالت منظمة العفو الدولية إن الإجراءات الجنائية ضد القروي هي إهانة لحرية التعبير. والغريب في موضوع حظر فيلم “برسبوليس” ، كما يرى بعض المراقبين ، أن ليس فيه ما يبرر منعه ، إذا أخذنا بالاعتبار قوانين الرقابة العربية ، فهو لا يتضمن جنسا ، ولا مساسا بالأمور الدينية ، ولا حتى الأمور السياسة المباشرة. ولدت مرجاني ساترابي عام 1969 في مدينة “رشت” شمالي إيران.

وكانت أمها اكبر أحفاد الشاه ناصر الدين القاجاري غير أن أعضاء أسرتها يدعون أنهم كانوا متأثرين بأفكار المفكرين اليساريين. وكانت مرجان البنت الوحيدة في هذه الأسرة. ومرجان أيام طفولتها ومراهقتها في طهران. وحتي انتصار الثورة الإسلامية درست في مدرسة غير إيرانية مختلطة ناطقة باللغة الفرنسية باسم “جاندارك” كذلك درست في مدرسة “رازي” فتكونت هويتها الفكرية المناهضة للدين في هذه المدرسة، وعاشت في طهران سنوات  من الحرب العراقية الإيرانية لكنها سافرت إلي النمسا عام 1984علي خلفية مشاكل سببتها في المدرسة فواصلت دراستها في مدرسة إعدادية ناطقة باللغة الفرنسية في مدينة “فيينا”.

ورجعت إلي إيران وعمرها ثمانية عشر عاما والتحقت بكلية الفنون الجميلة للجامعة الحرة في فرع الاتصال التصويري. واشتغلت من عام 1990 حتي 1994 كمصورة صحفية ومدرسة للغة الفرنسية والانجليزية ورسامة. وتزوجت خلال هذه المدة ثم انفصلت عن زوجها. وبما أن ميولها لم تتلاءم مع ثقافة إيران الدينية قررت عام 1995 مغادرتها إلي فرنسا، فدرست منذ ذلك الحين حتي 1999 في فرع التصوير في “ستراسبورغ” في فرنسا. وتعيش ساترابي حتي هذا الحين في باريس وتعمل كرسامة ومؤلفة لكتب الأطفال وتكتب في مجلات وصحف متعددة. وقبل أن تؤلف كتاب برسبوليس كانت قد نشرت كتابين للأطفال في فرنسا وهما “الغيلان لا تحب القمر” و”الصاروخ” غير إنهما لم يحققا صدى يذكر، عكس “برسبوليس”  الذي مثل لها فرصة مناسبة.

المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. أسعدني رأيك اخي العزيز وهيب ، وشكرا على متابعتك و تقديري لك

  2. يتمتع هذا السرد اللافت بنفس روائي مدهش واستثنائي جاذب بحيث لا تستطيع أن تتركهقبل ان تنهيه بالرغم من طوله…علي المسعود مكسب لرأي اليوم وقلم من ذهب وطاب يومكم جميعا.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here