علي المسعود: الفیلم الامريكي “مدفون” فيلم يحمل رسائل سياسية (Buried)؟

علي المسعود

  “مدفون” هو عنوان الفيلم الامريكي الذي أنتج عام  2010 , و

الذي أخرجه الاسباني  رودريغوكورتز

وكتابة كريس سبارلينج , وبطولة الممثل رايان رونالدز.

قصة الفيلم تدورعن  “بول كونورى” سائق سيارة النقل الذى سافر الى العراق فى مهمة  بتكليف من الشركة التي يعمل بها في عام 2006،  والذي كان ضحية عملية اختطاف من قبل مجموعة من المسلحين فى العراق ، دفنوه تحت الأرض حتى يتم دفع الفدية، وليس معه سوى هاتف نقال وقلم رصاص وقداحة وبهما يصارع من أجل البقاء. “كونرى” يكتشف –ويكشف- من خلال عدة مكالمات هاتفية المؤامرة التى وضع بها رغما عنه,  تلك الكلمات تلخص ما يدور عنه فيلم مدفون،الفيلم يشبه كثيراً مجموعة افلام تدور حول فكرة بقاء الإنسان وصراعه على سبيل المثال فيلم 127 للمخرج دانى بويال, والذى يحكى قصة متسلق الجبال و المغامر ( أرون رالستون ) الذي علق بجبل ويصارع من أجل البقاء ، تلك الأفلام شديدة الصعوبة اخراجياً لإنها تفرض على صانيعها مكان واحد وشخصية واحدة ، وتحدى أن ينسج من ظروف الحالة قصة تجذب الانتباه ، ويجعل المشاهد مشدودا و لايصاب بالملل و الرتابة. فيلم «127 ساعة» الذي يلتقي مع «مدفون» كونه أيضاً متمركزاً حول شخصية واحدة تكون في ورطة كبيرة، في الأول تعلق ذراع أرون (جيمس فرانكو) في صخرة تجعله يمضي 127 ساعة وهو يسعى للتخلص من تلك الصخرة، وهنا يكون الصراع عل البقاء بقاء ومحاولة تدبير أمور الأكل والشرب مع استخدام ما يشبه توثيق ما يمر به آرون من خلال كاميرا صغيرة تكون بحوزته يستخدمها لتسجيل ذلك، بينما يكون بول في «مدفون» على اتصال بالخارج، وهو مخطوف ولديه هاتف سيجري من خلاله اتصالات كثيرة، كما أن الأدوات التي بحوزته لن تكون أشياء يحملها معه بل هي أدوات وضعت من قبل خاطفيه بقصد التواصل معه والحصول على الفدية التي يطالبون بها لقاء إطلاق سراحه، كما أن كل ذلك يجري في نطاق مهلة يحدد خاطفوها بأنها تنتهي في الساعة التاسعة بينما يكون أول اتصال لنا مع الزمن في الفيلم يقول لنا إننا في الساعة السابعة ولينتهي كل شيء في الثامنة والنصف، وهذا وقت قريب من زمن الفيلم، غير أن فيلم “مدفون” تفوق على كل نظرائه من المكان الواحد والشخصية الواحدة ، فهو لم يستعين بالفلاش باك ، أو بكيف وصلت الشخصية إلى ذلك المكان ، فقط ركز المخرج على المكان الواحد والشخصية الواحدة منذ الدقيقة الأولى للفيلم، وقد أراد المخرج ان يجعل من المشاهد طرفا في المعادلة من خلال التعاطف مع ” كونوري ” المخطوف ومشاركتنا له في محنته .

وفي زمن سرد هذا الفيلم الذي أخرجه رودريغو كورتز يمكن لنا أن نتابع فيلماً كاملاً

 تدور أحداثه في المساحة الضيقة للتابوت، مع تبديد العتمة بوسائل بسيطة جداً لها أن تضعنا أمام الممثل الوحيد في الفيلم الذي يظهر بالصوت والصورة وهو ريان رينولدز الذي لعب شخصية بول كونوري، وما عدا هذه الشخصية فإننا سنسمع صوت الشخصيات الأخرى دون أن نراها. عند المتابعة وبعد سلسلة من المكالمات الهاتفية التي يجريها “بول كونوري ” وخلال المتابعة , سنكتشف أن الفيلم يمرر رسائل سياسية على اتصال بالاحتلال الأميركي للعراق وما يشكله الفرد الأميركي من أهمية بالنسبة للسياسيين عندما يقع في ورطة لا علاقة له بها – كما يدعي الفيلم – لأن بول لم يكن صاحب القرار في غزو العراق وهو ليس إلا سائق

شاحنة يعمل في شركة أمنية خاصة اسمها «سي آر تي» وهو لا يحمل سلاحاً ولا يقتل أحداً، وعثورنا عليه في تابوت ليس إلا عملية اختطاف له سنكون شهوداً خلال الفيلم على عملية التفاوض معه من أجل إطلاق سراحه!. الفيلم فضح الحكومة الامريكية بكل الطرق الممكنة بكل ذوق وادب ، طريقتهم بالتخلي عن انسان برئ و وكذالك  فضح الروتين و البروقراطية في التعامل مع طلب الاستغاثة من

 قبل  انسان مدفون داخل  تابوت, وكذالك الموقف اللانساني والدنئ  لمدير ” بول كونوري ” في التخلي و التنصل عن مسؤلياتهم تجاه موظف مختطف وما يترتب عليه من قلق للعائلته المتكونة من زوجته وأبنه الصغير ووالدته المصابة بالزهايمر بل بالعكس راح مديره (آلان دافنبورت ) يكيل له التهم ويحرمه من استحقاقاته من راتبه و تنصل شركته في تعويضه مبلغ التأمين الذي يستحقه،. وفي الاخير كذب قائد الانقاذ على ( كونوري) والذي يفاجئ المشاهد  بان اتجاه لانقاذ شخص أخر بدل منه.

عودة الى الصورة الفنية للفيلم ، استطاع مخرجه وبجدارة توظيف الإضاءة و حركة الكاميرا من أجل التغلب المكان والشخصية الواحدة ، استخدم كل حركات الكاميرا تقريبا لابراز تفاصيل القبو الجالس فيه البطل ، الإضاءة المتاحة بالداخل هى ولاعة و كشاف,,ايضاً تم توظيفهم بشكل يتلائم و ظروف الشخصية بداخل الفيلم العسير . كما ابهرنى أداء راين رونالدز الذى ادعى اننى كنت أراه مجرد ممثل

وسيم لأفلام المقاولات الأمريكية لكن هذا العمل جعله يثبت نفسه وقدراته التمثيلية ، كان اروعها المشهد الأخير عندما انهال عليه الرمل حتى ملأ شفتيه ، فى قسوة على المشاهد قبل أن تكون قسوة عليه. فيلم ” مدفون”  أثبت أن أفلام ذات ميزانية منخفضة ، وقت تصوير منخفض (17 يومًا!) وفقط  ممثل واحد و يمكن لها أن تحقق النجاح ! .

(بلغت تكلفة إنتاج الفيلم حوالي 1,987,650 دولار بينما حقق أرباحا تقدر بـ 19,152,480 دولار).

 فيلم “مدفون” يمثل فى رأيي درساً كبيرا لأى مخرج يتذرع بقلة الإمكانيات أو ميزانية الفيلم من أجل أن يصنع فيلماً، فالفيلم كله داخل مكان واحد بل وممثل واحد ، لكن مخرجه المتميز استطاع أن يتغلب على التحديات التى يفرضها الفيلم ويجرج بتحفة فنية ذات مضامين أنسانية.

علي المسعود

المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here