علي المسعود: الفيلم الوثائقي ألامريكي”العراق في شظايا” توثيق للسيرك الدموي الذي جرى في العراق “Iraq in Fragments”

علي المسعود

إعتادت هوليوود أن تنتج عن أفلام كل حرب خاضتها الولايات المتحدة بعد إنتهائها، مثل ما جرى مع أفلام الحرب العالمية الثانية وحرب كوريا وفيتنام، وقد حملت أفلام الحرب العالمية الثانية نكهة البطولات والانتصارات لكن هذه النكهة تلونت بالخيبة والمشاكل النفسية والتساؤلات مع أفلام حرب فيتنام. ولاحقا طغت هذه الصبغة على مواضيع الأفلام التي تناولت غزو العراق. وكما هو معروف للجميع في طبيعة السياسة الإعلامية للمؤسسات الصحفية وهي متلازمة نوعاً ما مع السياسة الأميركية، وأيضاَ تتعمد في الكثير من الأحيان في إبراز القسم الممتلئ من الكوب. اغلب ألأفلام التي أنتجت عن حرب العراق هي أفلام محبطة للمشاهد الاميركي لانها تكشف عورة سياسات بلده وتكشف له الجانب القاسي والغير إنساني من الحرب. كما تكشف اليه امتداد أثرها إلى الداخل البعيد عن أرض المعركة، أي إلى المجتمع من خلال عودة الجنود وتفجر أزماتهم النفسية أو التغيير الدرامي الذي يتركه مقتل أحد هؤلاء الجنود على أهله وأقربائه. وعندما يتم كتابة التاريخ الكامل لهذا الغزو أو الاحتلال ، فإن الناس سوف ينظرون إلى الوراء مدركين في حجم وسفالة و فساد الاحتلال و كذالك عجزه.

ومن الأفلام المتميزة التي تناولت الوضع العراقي بعد الاحتلال وبعد دخول القوات الامريكية الى العراق في عام 2003 ، الفيلم الوثائقي ” العراق في شظايا ” الذي انتج في عام 2006 وقام بالإخراج والإنتاج المخرج ( جيمس لونكلي)، الذي أخرج الفيلم باللغتين العربية والكردية ، مع ترجمة إلى الإنجليزية ؛ مدير التصوير هو المخرج نفسه “جيمس لونكلي”. وكذالك موسيقى الفيلم ايضأ” جيمس لونكلي، و الفيلم من إنتاج جون سينو وجيمس لونكلي، يتكون الفيلم من ثلاثة أجزاء منفصلة وهي حسب العرض، الجزء الاول كان بعنوان “محمد بغداد” وعنوان الجزء الثاني “جنوب الصدر”، واما الجزء الثالث فقد حمل إسم بعنوان “الربيع الكردي”.

يرسم الفيلم الفروق في المناطق التي تسكنها الغالبية السنية، وأماكن مناطق ساكنيها من الغالبية الشيعية، والمنطقة الثالثة ذات الاغلبية الكردية ، استخدم المخرج كاميرة بسيطة في تنفيذ لقطات الفيلم التي تم التقاطهافي الفترة مابين عام 2002 وعام 2005 ، و تم تنفيذه بميزانية بسيطة جدا. أمضى المخرج الأمريكي جيمس لونكلي أكثر من عامين في العراق لإخراج هذا الفيلم الوثائقي حول هذا البلد الذي مزقته الحرب، وذلك من خلال عيون سكانه من السنة والشيعة والأكراد. ويرسم الفيلم المقسم إلى ثلاثة أجزاء، صوراً صادقة لشخصيات أمثال محمد هيثم ماجد، اليتيم الذي يتدرب ليصبح ميكانيكياً في ورشة سيارات يمتلكها رجل شرس في بغداد، كما يرسم صوراً لأتباع الإمام الشيعي مقتدى الصدر الذين يحتشدون في مدينتين تقطنهما أغلبية شيعية تمهيداً للانتخابات الإقليمية، ويفرضون أحكام الشريعة الإسلامية بقوة السلاح، إضافة إلى صورة لأسرة ريفية كردية ترحب بالوجود الأمريكي في العراق، باعتباره وفر لها حداً أدنى من الحرية لم تكن متاحة في عهد صدام حسين. يعرض فيلم “العراق في شظايا” ثلاث وجهات نظر مختلفة من أهل السنة والشيعة والأكراد، ويخبرنا معظم الشهود الأكثر صدقاً وهم الاطفال الواقع الاجتماعي والامني بعد الاحتلال الامريكي. يبدأ الفصل الأول( محمد بغداد)، وهي حكاية الصبي اليتيم والذي يبلغ من العمر 11 عامًا ويعيش مع عمه في منطقة الشيخ عمر وهو الجزء السني من بغداد (حسب تقسيم الفيلم الطائفي لمناطق بغداد). يفتح الفيلم مع سمكة ذهبية تغطي مدينة بغداد، وهو عنصر انتقالي يدل على الحياة والأحلام، محمد هيثم ، صبي يبلغ من العمر أحد عشر عامًا يعيش في حي الشيخ عمر في قلب بغداد ، يحاول إعالة أسرته بعد اختفاء والده واعدامه من قبل رجال المخابرات في نظام صدام وهو رجل عسكري وبرتبة مقدم في الداخلية، يعمل الصبي اجيرأً في ورشة ميكانيكي لتصليح السيارات تقع بالقرب من ضريح الشيخ عبد القادر الكيلاني ويعامله صاحب الورشة بطريقة فظة وغير إنسانية من خلال ضربه وحتى يسمع منه السباب والشتائم البذيئة، بعد سنوات من الفشل المدرسي وهو لا يزال غير قادر على كتابة اسم والده ؛ وهو في حقيقة الأمر لا يرغب في التعلم. تعكس كاميرا لونكلي الفضولية ، ذات الرؤية الدقيقة لوجه الصبي محمد ، والتوتر بين السنة والشيعة في تلك الفترة من خلال هواجس الطفل ومخاوفه. محمد هو رمز الشعب العراقي الذي أرست عقود من العنف والحرب المشؤومة والعقوبات الاقتصادية أسس حياتهم. يقول” جيمس لونكلي” إنه كان يتابع” محمد” للحظة في لحظة لمخاطبة الجمهور ليس لبيئته بل إلى الأعماق بداخله”. محمد يريد أن يكون طيارا. يقول: “أريد أن أطير الطائرة و أتخيل أنني في السماء ، أستطيع أن أرى الحمائم والسماء. أستطيع أن أرى الطيور. أنا في الطائرة وأرى البلاد. سأذهب إلى هذا البلد الجميل”. وكان محمد يقبل ظروف العمل القاسية التي كان يصرح بها، وقد كان قد تعرض للتخويف والضرب من قبل صاحب الورشة الغليض، لعدم قدرته على كتابة اسم والده، وكذالك معاقبته لأنه ترك عمله ليلعب مع أطفال آخرين. لايريد محمد الذهاب إلى المدرسة، يخيفه أنه أكبر من زملائه في الدراسة بأربع سنوات ويعمل في ورشة لتصليح السيارات. لكنه لا يزال قادرًا على صياغة رأيه الخاص حول البلد والقوات الأمريكية الأجنبية، وهو أمر ربما يكون قد تبناه من خلال قربه من كبار السن، لكنه يصفه بصوته البريء، والحقوق بالنسبة له، يعني انتخاب رئيس جديد، و تغيير النشيد الصباحي في المدرسة “يجب أن نغني أغنية مختلفة إذا حضر رئيس آخر، يجب أن نغني بشكل مختلف، ورغم إنه صبي في الحادية عشرة من عمره ،لكنه شهد محمد الكثير من الاضطرابات، فقد اختفى والده وهو مقدم في الشرطة لانه تكلم عن الرئيس، خلال حكم صدام حسين. الآن يعمل الفتى في ميكانيكي سيارات ويصر على صاحب الورشة “يحبني مثل الابن”. يقول محمد: “إنه لم يضربني”، رغم أن فيلم “العراق في شظايا” يكشف لنا أنه يفعل ذلك بشكل عرضي ومتكرر. ويعد الموضوع الرئيسي للجزء الأول من فيلم جيمس لونكلي الوثائقي. للتأمل في الفوضى والتعامل مع الواقع الجديد بعد الاحتلال، يحافظ الفيلم على تركيزه الشديد على العراقيين. يقدم الفيلم الوثائقي مجموعة من وجهات النظر وردود الفعل على الاحتلال من صورة مقربة لعين محمد ، وينظر إلى شوارع المدينة”. في هذه الجزء تجد دخان اسود يغطي المدينة و انفجارات تهز المدينة و اصوات سيارات الاسعاف والطائرات السمتية، وسيارات الهمر للقوات الامريكية تجوب الشوارع، تشكل هي الخلفية للمؤثرات الصوتية للفيلم، بنايات مدمرة ويتجول الاطفال وسط الخراب والدمار، وسط خوف محمد من الليل ومن اصوات الانفجار، وحسب قول الصبي ” صاير الدنية تخوف”، وحديث رجال يلعبون الطاولي ( النرد) في المقهى” هذا كله بسبب النفط لو ياخذوه و يتركونا”ورجل اخر يقول” الوضع يوم بعد يوم يسير نحو الآسوأ ، يعني اليوم احسن من باجر، أمان ماكو بالشارع ، بوليس ماكو بالشارع!”. يعكس الفيلم لغة الناس في الشارع بعد انهيار صدام حسين، ويعلق الصبي على لحظة القبض على صدام حسين وكيف كان الامريكان يفحصون اسنانه وهو بوضع مزري، و كذالك عرض صور له وكيف كان في السابق، صوره وهو يحمل السيف في ساحة الاحتفالات تلك صورة مخزونة في ذاكرة الصبي و تشكل الذاكرة العراقية بعد الاحتلال الامريكي.

“الكلام العراقي” لا يتعلق بالحرب نفسها ، بل هو منهج اجتماعي للحرب. مع تتابع لصور المباني التي تحترق في النار والقمامة التي تملئ الشوارع. في احدى الحوار لمجموعة من الجالسين في المقهى نستمع الى حوار عن اسباب كثافة اطلاق النار ليلة امس ، ونفاجأ بسرد حادثة عن اخ واخته، كانا خارجين في الليل وطلب الامريكان منهم التوقف، لكنها لم يمتثلا للامر ومن خوفهم فروا هاربين ، فقاموا الامركان برميهم بالرصاص، وماتوا بالحال وكان تشيعهم بالامس مصحوبا بالاطلاقات النارية ، ثم تتلاحق الصور لجنود امريكان ونظرات الشك والحذر تجاه العراقيين، وعلى لسان محمد الذي يتحدث بصوت الانسان العراقي البسيط” إهنا ماكو أمان “. هذا الصبي رغم صغر سنه وصغر تجربته في الحياة ، لكنه لا يزال قادرًا على صياغة رأيه الخاص حول البلد والقوات الأمريكية الأجنبية ، وهو أمر ربما يكون قد تبناه من كبار السن، لكنه يصفه بصوته البريء. وعند سؤاله عن امنياته ، اخبر الصبي محمد معلمته ” إنه يحب أن يكون طيارأُ، كي ارى دولا راقية و حلوة واعيش في تلك الدول”. لكنه لا يزال يحلم بمستقبله على أمل أن يصبح طيارًا. “أريد أن أطير الطائرة” كما يقول ، “لأرى مكانًا جميلًا ولطيفًا. ليس العراق ، ولكن مكان جميل. أتصور أنني في السماء. أستطيع أن أرى الطيور ، وأطير إلى تلك البلدان الجميلة منها “. لسوء الحظ بالنسبة لمحمد ، لا يبدو أن حياته تقربه من أحلامه في النهاية يختار محمد العمل مع خاله، هربا من ضرب و تعنيف صاحب الورشة الذي يتعامل معه بعيدا عن الانسانية ، في الجزء الاول رغم ان الموضوع الرئيسي هو الاحتلال الامريكي ونتائجه ، وفي هذا الجزء إشارة الى جوانب عديدة منها الطائفية، وكذالك المحاصصة الطائفية التي وصلت حتى الى التعين ويؤشر صاحب الورشة التي يعمل بها محمد ذالك، ونسمع رأيه ” التفرقة موجودة، ابسط مثال في التفرقة بين السنة والشيعة، تروح تراجع ، يطلبوا منك ان تجلب تزكية من حزب الدعوة حتى يتم تعينك “. ثم تسمع صوت القران الذي يختلط مع صوت المطربة زهور حسين ، لكن في نفس الوقت الفيلم يكشف عن ظاهرة خطيرة سادت في المجتمع العراقي وهي، عمالة الاطفال والتي إنتشرت في الآونة الأخيرة وبشكل لافت للنظر وأمام أعين المسؤولين العراقيين، عمالة الأطفال والأحداث في مختلف المهن والحرف السهلة والصعبة، والتي تتزايد بين فترة وأخرى وكل عام وخصوصا بعد سقوط النظام والى الآن. وقد حذرت منظمات المجتمع الدولي ومنظمات تابعة للأمم المتحدة والتي تختص بحقوق الطفولة وحمايتها من مخاطر تواجد آلاف الأطفال يوميا في ميادين الأعمال الشاقة، وقسم منهم يعمل في فوق طاقته وتسبب له الأرهاق الجسدي، وغيرها من الأعمال التي تؤذي الأطفال وتفقد براءتهم وهم يأملون بمستقبل جيد ينقذهم من المتاعب اليومية، أنها صور مفزعة بحاجة إلى انتباه ومراجعة ومحاسبة من قبل وزارتي التربية والعمل والشؤون الاجتماعية وأولياء الأمور ومنظمات المجتمع المدني المختصة بحقوق الطفل واليتيم وحقوق الإنسان، خوفا عليهم من مستقبل مجهول لهم، عمالة الأطفال في العراق هي من مخلفات الصراع الاقليمي و الاحتلال!. وفي العراق تشكّل عمالة الأطفال حالة من التراجع الإنساني والأخلاقي والتربوي، بالرغم من وجود الكثير من الإمكانيات والثروات ، التي تحيط بهذا البلد ، إلا إن كل ذلك لا يقود إلى تجاوز هذه الظاهرة التي نشاهدها بشكل يومي وفي أماكن ومجالات ومناطق مختلفة من العراق ، وتاريخ هذه الظاهرة من حيث الاتساع والانتشار بدأ مع الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق بعد غزو الكويت، في ظل هيمنة نظام دكتاتوري ، يبني القصور ولا يبني العقول ، لتشهد فيما بعد هذه الظاهرة ارتفاعا ملحوظا مع وجود الاحتلال الأمريكي وسيطرة نظام المحاصصة الطائفية والعرقية ، الذي أهدر مليارات الدولارات على مشاريع غير معنية بالتنمية والبناء بقدر ما تعنى بتأبيد عوامل الفساد والاستغلال المادي والمعنوي من خلال وجود آلية المشاركة في الثروة والسلطة بشكل ” تغانمي ” مصالحي إلى حد بعيد ، والنتيجة هناك التراكم المستمر للفقراء والأيتام من مخلفات الصراع الطائفي والإقليمي ، الدولي حول العراق، بصراحة إنها صورة مأساوية للأطفال في العراق!.

في الجزء الثاني من الفيلم والذي كان بعنوان ( جنوب الصدر)، في هذا الجزء تجولت كاميرا ( جيمس لونكلي ) في المناطق الشيعية وبالتحديد في مدينة الصدر والنحف و ومدينة الناصرية في الجنوب، والعنوان يشير إلى أتباع رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر في خضم الإعداد لحملة انتخابية. في هذا الجزء المهم والذي كان رحلة متكررة للمخرج بين الناصرية والنجف لإبراز ظهور الحركة الدينية السياسية لمقتدى الصدر من وجهة نظر شيعي وشاب. إلى جانب محاولة المخرج ” جيمس لونكلي” الناجحة لعكس المعتقدات الشيعية الخاضعة لسيطرة مقتدى الصدر.

يبدأ هذا الجزء من حكاية الشيخ الشاب اوس الخفاجي (وهو من قيادي التيار الصدري) وهو يسرد لنا حكايته، كيف دخل الحوزة الدينية في النجف، وقصة اعتقاله من النظام السابق ، ثم يتحدث كيف منع صدام اللطم واقامة الشعائر الدينية للشيعة ، ثم يعرض المخرج في هذا الجزء صورأ لجموع من الشباب وهي تجلد نفسها بالسلاسل والزنجيل ، وجموع اخرى تلطم على الصدور، ويصرخون حيدر .. حيدر ، وفي احدى خطبه في ايام الجمع يهاجم الشيخ ” اوس الخفاجي ” امريكا وهو يقول :” جاءوا يمارسون القتل و الدمار وكذالك الاعتقال العشوائي باسم الديموقراطية ،الديموقراطية الفارغة التي يتبجح بها المحتل، نحن لسنا إرهابين أبدا كما يصفنا أعداء الله و الرسول، الذين يحاولون ان يمتصوا ثرواتنا و يسيطروا على عقولنا، أي عار على من يدعي أو يصدق إن النظام الذي أتى باسم التحرير و تبين أنه إحتلال يريد مصلحة العراقيين؟”. ثم يكشف لنا الفيلم فرزا للاصوات في إنتخابات مجلس المحافظة في الناصرية وفق المحاصصة الطائفية البغيضة التي هي أساس خراب العراق وتكريس للفساد فيه بحيث تم توزيع المقاعد للاحزاب الاسلامية مع تهميش باقي المكونات والاطياف من الشعب العراقي. ثم يقوم الشيخ “أوس الخفاجي” بالتحريض ضد بائعي الخمور في سوق الهرج في مدينة الناصرية ويعطي الايعاز الى ميلشيات “جيش المهدي” في اعتقالهم و القصاص منهم، دون الرجوع الى الدولة أو موؤسساتها الامنية ، ثم يركز المخرج على رجال ملثمين من جيش المهدي وهو يضربون رجلا بوحشية وهو يتوسل بهم وسط فوضى السلاح ، تتابع كاميرته الفترة التي برز ت فيها مليشيات ” جيش المهدي ” وغزوته في سوق الناصرية لاعتقال بائعي المشروبات الكحولية وبتحريض من الشيخ الصدري ” أوس الخفاجي ” وخطابه التحريضي المتعصب ، يقول المخرج ألامريكي” جيمس لونكلي” الذي يبلغ من العمر 35 عامًا أنهم لن يسمحوا لي بالتصوير عندما شعروا بالخجل من سلوكهم مع الناس، وحين تري في احد المشاهد، امرأة شيعية تتوسل رجلا من جيش المهدي من أجل زوجها البريء ، وتدعوا إلى تحرير زوجها وتقسم له انهم يبيع الخردة و الادوات المستعملة في سوق الشيوخ و لايبيع الكحول ،. “دعني أتحدث معه قليلاً” ، تتوسل مع أحد الخاطفين. “والله، كان يبيع خردة السيارات”. ولا تجد لها من يستجيب الى طلبها على الرغم من انكسارها ” والله العظيم أحنه ظلينا بلا ريوك و لامعين”. عليهم ان يخجلوا من تلك الافعال و الممارسات التعسفية، يجسد الفيلم شخصية والكاريزما التي ينتمي إليها مقتدى الصدر وإلى الحشود المؤيدة له بشكل متزايد، من خلال خطب الشيخ أوس الخفاجي البالغ من العمر 32 عامًا ، وهو رجل دين مسؤول عن مكتب الصدر في الناصرية: “الشيعة” وهم الغالبية في تلك المناطق. يشير أوس الخفاجي الى الامريكان والمحتلين ، “لقد جاءوا لتعليمنا، الديمقراطية الغربية. القتل والتشريد والتعذيب ، والاعتقالات دون تهمة: هل هذه هي الديمقراطية التي جلبوها؟”. في خلفية الفيلم ، يعرض لونكلي مصادفة مع تواجده في النجف ، وانتفاضة الصدر وجيش المهدي وصدامه مع الامريكان ، والحصار الأمريكي في الفلوجة ، و كذالك الكشف عن الانتهاكات في سجن أبو غريب.

يأخذنا الفصل الثالث والأخير إلى كردستان عراقية، وهي أكثر هدوءا، مليئة بالعمال، والفلاحين الذين يرعون ويزرعون المحاصيل ويصنعون الطوب. وهم أكثر تسامحا تجاه القوات الأجنبية والتمتع بشعور من الحكم الذاتي. حسب رأيهم، فإن القوات الاجنبية هي التي ساعدتهم في إزاحة صدام. في هذا الجزء أيضا والذي محوره منطقة كردستان، تشعر بان الايقاع والاسلوب في هذا الجزء من الفيلم مختلفًا على الفور، يظهر الريف في الصورة ، ولاأثر للمسلحين، أو التشنج الطائفي ،بل تلاحظ الهدوء والسكينة وتظهر الأغنام ، وألعاب كرة القدم ، وصديقين شابين يمسكان يديهما وهما يسيران إلى المدرسة. يريد سليمان أن يدرس الطب: “أريد أن أذهب إلى الكلية وأن أكون شيئًا” – لكن يجب عليه أن يعمل ، كصانع في معمل للطوب. وتظهر في خلفية الصورة السماء وهي تمتلئ بالدخان الآسود الكثيف الخارج من مرافق صنع الطوب، يدخن والد سليمان سيجارة ، ووجهه مرهق رسمت السنين اثارها عليه من خلال التجاعيد وهو يميل إلى الظلال. يتنهد قائلاً: “مستقبل العراق سيكون في ثلاث أجزاء” ،في اشارة الى تقسيم العراق الى ثلاث أقاليم ( الآقليم السني ، وألاقليم الشيعي، والاقليم الكردي)، ولكن على خلفية من الموسيقى الساحرة، فإن أطفال العراق هم الذين ينطقون بألفاظ أكثر الكلمات حكمة: “العراق ليس شيئًا يمكنك تقطيعه إلى أجزاء.

العراق بلد، كيف يمكنك قص بلد بمنشار؟. هنا هي تجربة أخرى لشعب تم اختباره بلا كلل ، فكرة وليست مكانًا ، وفرض مكان حقيقي، وعلى الرغم من حالة الهدوء التي تسود عرض الجزء الثالث من الفيلم و الخاص بمنطقة كردستان، ولكن في احدى المشاهد ترصد حصول حالة من الفوضى في مشهد يوم الاقتراع، حين يحصل اصطدام بين افراد من الشرطة و بعض الناخبين، لكن على العموم ، في هذا الجزء يظهر فيه أن الاكراد هم أقرب من الاخرين في خلق أجواء السلام و العيش في حياة طبيعية بعيدا عن النعرات الطائفية .

يعكس الفيلم لغة الناس في الشارع بعد انهيار صدام حسين، وهذه اللغة او اللهجة العراقية لاتحمل معاني الحرب بل هي منهج اجتماعي للواقع الإنساني للإنسان العراقي بعد السقوط المدوي للديكتاتور!. . في الواقع ، نحن أمام ثلاث قصص من الواقع العراقي ، قصص مميزة مميزة ، عن تحولات الانسان العراقي وهمومه وليس في الحرب ، بل مع آثارها. يقدم المخرج”: جيمس لونكلي ” ثلاث رؤى جميلة للعراق، إنه فيلم مذهل وقوي، مليء بالصمت التعبيري، ولقطات شخصية عن الوجوه والعينين. تمحو تمامًا الوسائل التقليدية للأفلام الوثائقية من خلال تعليق صوتي ومقابلات مباشرة إلى الكاميرا،حاول المخرج أن يدمج الصور القوية لشخصياته برواياتهم الخاصة، وهو مزيج أكثر قوة. بينما يواصل الناس حياتهم ومهامهم اليومية، نسمعهم يفكرون بصوت عالٍ، إنه يتيح لنا لمحات نادرة من واقعهم من مسافة قريبة وبلا تلميع أو مونتاج، وبالنتيجة كان، عبارة عن صورة جذابة وحميمة و واقعية لمنطقة الصراع هذه وذلك باستخدام تقنيات بسيطة ، كاميرا تتحرك بحرية ترصد حياة الصبيان الذين هم ليس ابطال الفيلم فقط ، بل هم لسان حال الجماهير وهمومها ، مخالفة لقواعد صناعة الأفلام الوثائقية التقليدية.

فاز الفيلم بجوائز أفضل إخراج وتصوير ومونتاج في مهرجان “صن دانس” السينمائي، في أول مرة من نوعها يفوز فيها فيلم وثائقي بثلاث جوائز من قبل لجنة التحكيم في تاريخ هذا المهرجان، وحضر المخرج أيضًا اجتماعه السينمائي في طهران. من المثير للاهتمام معرفة أن المخرج ظل في إيران لمدة عام في 2008 ، حيث كان يعمل في فيلم وثائقي عن المدرسة الثانوية الريفية في مازندران. الفيلم تم تصويره على مدى ثلاث سنوات وهو واحد من الأفلام الوثائقية التي تناولت الحالة العراقية المدروسة والأكثر ثراءً – على الرغم من أن البعض قد يجد أنه يحمل تناقضاته الأسلوبية قليلاً، وقد يبدوالفيلم مشتت للانتباه لكثرة تنقلاته وغزارة المواد المواضيع المطروحة في الفيلم، انه ثلاثية وثائقية تراقب كيف وقع العراق في اضطرابات وكراهية وأقتتال طائفي ومذهبي بشكل كبير بسبب الاحتلال ورجال الدين وخطاب الكراهية الديني بالاضافة الى فساد السلطة الحاكمة، الذي جعل الحياة أسوأ وغير مستقرة منذ الإطاحة بالطاغية، كما أنه واحد من أفضل الأفلام ، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنه مهتم أكثر باستكشاف الحياة اليومية والقدر الفردي أكثر من تحديد موقع الاحداث، سواء كنت تعتقد أن الحرب صحيحة أو خاطئة، لذا فإن فيلم “العراق في شظايا” هو تذكير ضروري لمدى أضرار الحرب ومدى تعقيدها، أنه فيلم وثائقي يقدم نظرة ثاقبة لتعقيد العراق وكذالك ومستقبله.

فيلم “العراق في شظايا” هو سيرة جميلة تم تصويرها لبلد كان على وشك الحرب الأهلية وعلى حافة التشظي، إن فيلم ( العراق في شظايا)، يمثل شكلا من اشكال الافلام الوثائقية التي تبني جمهورا مثاليا يصح تسميته ” جمهور العامة” لانه يصور عواقب حرب العراق ومشاكل العراق مابعد الاحتلال وكنتيجة للغزو ولكن لايعطي اي سياق تاريخي للعراق قبل عام 2003 وجرائم الحكم البعثي الديكتاتوري و حروبه وغطرسته التي ادت الى احتلال العراق، وقسوته التي جعلت الناس تنتظر من الاجنبي المحتل التحرر والخلاص من نظام صدام وبطشه. ويمكن اعتبار الفيلم من الافلام المناهضة للحرب ، لانه الارهاب و الكره والاحقاد الطائفية و البؤس كانت هي النتيجة لهذا الاحتلال الامريكي.

المملكة المتحدة

هامش:

الجمل المحصورة بين الاقواس ماخوذة من حوارات الفيلم

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. قراءة جميلة و أسعدتنا في طريقة تحليل الفيلم ‘ افتقدنا كتاباتك ياأبن مسعود ،شكرا لك و شكرا لرأي الْيَوْمَ

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here