علي المسعود: الفيلم السويدي “رجل اسمه أوفا”.. فيلم حافل بشتى أنواع المشاعرالإنسانية (A Man Called Ove)

علي المسعود

 الفيلم الكوميدي “رجل يدعى أوفا” (2015)، المقتبس من رواية بنفس الاسم للروائي فريدريك باكمان، الرواية التي صدرت في العام 2012، وحققت انتشاراً واسعاً شمل أكثر من 30 دولة حول العالم ، بحسب ما ذكرته صحيفة (ذا نيويورك تايمز) الأمريكية التي تتابع  نجاح الرواية في اكتساح السوق الأمريكي، (وصلت مبيعات الرواية الشهيرة – إلى 2.8 مليون نسخة  وكان الروائي الشاب كشف لذات الصحيفة قبل فترة معاناته في نشر روايته قائلاً:”إحدى دور النشر قالت له، روايتك رائعة وسيكون لك مستقبل مبهر، ولكن لا تمتلك روايتك المؤهلات للتسويق والبيع”وحالياً تتسابق دور النشر الأجنبية على حصول حقوق ترجمتها، منها العربية والانجليزية والتركية واليابانية والكورية الجنوبية والهندية، ليصل عدد الترجمات إلى 38 لغة حول العالم، قبل أن تقرر إحدى  القنوات السويدية تحويل الرواية إلى فيلم سويدي ليحقق أرباح طائلة.

“أوفا ” هي شخصية حاده الطباع يتعامل مع العالم بازدراء، وظيفته القديمة كمراقب الحي سيطرت عليه فصار يلوّح غاضباً بيديه للمسرعين بسياراتهم في شارعه، معنّفاً الحيوانات الأليفة لجيرانه وشاتماً أطفالهم المزعجين وهو المحور الرئيسي  في الفيلم ( ويؤدي الدور الممثل السويدي رولف لاسجارد)، وهو رجل أرمل في نهاية العقد الخامس من عمرهأحيل الى التقاعد بعد ثلاثة وأربعين عامًا من العمل في محطة القطار، توفيت زوجته سونجا بعد معاناة مع السرطان منذ ستة أشهر فقط، وأصيب بالاكتئاب إثر وفاتها، فانعكس ذلك في معاملته للآخرين، فهو فظ غليظ، يقابل الجميع بتكشيرة منفرة، بات رجلاً يرفض التواصل مع الآخرين، يهتم أوفا بالحي الذي يسكن فيه، ودائمًا ما يقوم بدورية صباحية للتأكد من عدم وجود أي مخالفات في الحي، وللوهلة الأولى سيبدو وكأنه أزعج الرجال الذين قد تصادفهم ؛ وفي نفس الوقت “أوفا”  يعتقد أنّه محاطٌ بالبلهاء. الجيران الذين لا يمكنهم رصف المقطورة بشكل صحيح، والبائعات اللواتي يتحدثن بالرموز، والمتآمرون الذين دبّروا الانقلاب عليه وأخرجوه من رئاسة المجمع السكني الذي يعيش فيه ، ولكنه رغم هذا سيستمر في القيام بجولات التفتيش اليومي للشوارع المحلية.  لكنه مواظب يوميًا على زيارة قبر زوجته، واضعًا عليه باقات الورد . في المشهد الافتتاحي للفيلم يكشف الكثير عن شخصيته، حين كان في إحدى الاسواق التجارية لغرض شراء زهور لوضعها على قبر زوجته ويتجادل مع المحاسبة حول قيمة ما اشتراه والتي تحاول جاهدة أن توضح  له سوء الفهم الذي قاده إلى هذه المواجهة الغريبة. بعد نقاش يقتنع بتوضيح المحاسبة وسط تذمره. يحاول أوفا  أن يستوعب التفاهات التي آل إليها العالم بعد غياب زوجته التي يزور قبرها وبيده باقتين من الورود اشترى إحداهما رغماً عنه،  كان قبل معرفته بسونيا لم يكن لحياته معنى، وبعد موتها عاد لحالة الضياع، لذا يقرر ” أوفا ” ألانتحار أكثر من مرة ولكنه يخفق  في كل مرة ويرجع ذالك الى التوقيت السيئ  ، وفي كل مرة  يعترض خطوته حدث ما

  أو طرق الباب أو جرس البيت ، وفي مرة وقبل إقدامه على ألانتحار وبعد لف الحبل المعلق في السقف على رقبته ، يفاجأ بانتقال عائلة جديدة للسكن بجواره، وتحطيمهم صندوق بريده بطريق الخطأ في أثناء ركن سيارتهم، يخرج “أوفا” من منزله غاضبًا، ويقوم بركن السيارة بالشكل الصحيح، يؤجل الانتحار لصباح اليوم التالي . في الصباح، يغلق أوفي ستائر النوافذ، ويبدأ في شنق نفسه، ويسترجع  ماضيه في لحظاته الأخيرة،  ونتعرف على حكاية الرجل الذي يدعى” أوفا وجذور الحزن وأسباب التوتر في حياته ، ولكن مرة أخرى يجد من يدق بابه ويعطل عملية انتحاره، وفي المرة الاخيرة ينقطع الحبل المربوط بسقف الغرفة ويرجع الى البائع يزجره على ( غش ) بضاعته.

ولكن كل شيء يتغير حين تنتقل إلى المجمّع العائلة المكوّنة من من الأب باتريك  (الممثل السويدي توبياس ألمبورج) وزوجته الإيرانية –السويدية الحامل بارفانه (الممثلة بهار بارس) وابنتيهما، هذه الجارة المهاجرة القادمة من إيران، لا تعرف طبيعة العلاقات بين الجيران في بلد كالسويد فتمارس عاداتها الطبيعية مع جارها “أوفا “الذي يستغرب من كل ما يحيط بها، وتنشأ علاقة ودية غير متوقعة بين “أوفا” والعائلة الجديدة، وتبدأ حياته بالتغير نحو الأفضل مع وصول هذه الأسرة البسيطة. ويستخدم المخرج ( هولمز) في سرد أحداث قصة  ” أوفا” أسلوب ( الفلاش باك) في سرد ذكرياته و في مرحلة شباب ” أوفا” ويقوم بالدور (الممثل فيليب بيرج)، بما في ذلك علاقته السعيدة مع زوجته سونيا الممثلة السويدية (أيدا إنجفول ) وكذالك استرجاع بعض من   طفولته، وسوف يكتشف المشاهد من خلال  هذا “الفلاش باك” دوافعه أو ما يخفيه من ماض محتشد بالأحداث المأساوية، و فيها يتداخل الكوميدي مع المأساوي، ( أوفا ) الرجل  الذي تركته الحياة يتيم الأم وهو طفل وهوالذي كان متعلق بها، ومن ثم والده الذي رباه وحيداً وما عانقه إلا حين أنقذه من الموت حين كان طفلا ، وحينها بقي معانقاً له يوماً كاملاً .

ثم يكشف لنا كيف خطف الموت والده الذي كان يعمل في محطة سكك الحديد  من امامه حين سحقه القطار المسرع وهو فرحا بعلامات أبنه الشاب الدراسية ، ورث من أبيه حبه للسيارة السويدية الصنع و بالتحديد ( ساب) ويصل إعجابه حد التعصب والى الحد في ان تكون صداقته مع الاخرين على المحك  عند  إقتناء نوع أخر من السيارات، هذاالاسترجاع لحياة” أوفا” يكشف عن خلفية” أوفا ” الاجتماعية و يوضح  للمشاهد سلوكه وسبب تحوّله إلى شخصيته الحالية المتأزمة!!. وسيكون من المبرر للمشاهد أن يحاول استيعاب الأسباب التي دفعت بهذا الرجل أن يتصرّف على هذا النحو تجاه العالم المحيط به، لهذا يأخذنا مخرج الفيلم، السويدي” هانزهولم” في رحلات مستمرة نحو ماضي” أوفا” المليء بالأحداث والمآسي التي كوّنت شخصيته التي صار عليها اليوم. رحلات تفسّر علاقته مع أبيه ومع أمه وزوجته والمجتمع، صور من تجاربه السابقة كان  حصيلتها  قد جعلت من قدرة” أوفا ” على الاحتمال أقل مما يتأمله العالم منه، لكن وتحت ذلك كله يقبع داخله  إنسان هش وبسيط ومُحب للجمال والعطف، لا نكتشفه إلا عند مساعدته لجيرانه.

 ” أوفا” رجل غاضب و مستاء ويتحدث عند قبر زوجته شاكيا لها من انزعاجه من تصرفات ألناس ” الناس اليوم عاجزون حتى عن القيام بأبسط الأعمال وغير أكفاء، لا يستطيعون القيادة من الخلف أو إصلاح الإطارات، لا يهتمون سوى بتناول الغداء”،  في سرد حكاية هذا الرجل هناك محور رومانسي في  الفيلم يكمن في شخصية” سونجا” حبيبة ” أوفا” التي جسدتها الممثلة “إيدا انجفول”، “سونجا ” تلك الشخصية المثالية، المثقفة، والقادرة على التعبير عن نفسها والتي تطمح للعمل كمدرسة، هي ظاهريًا تبدو نقيضا لشخصية (أوفا) ، إلا أنها الوحيدة القادرة على فهمه بكل نقائصه الاجتماعية مثل خجله وعدم قدرته على التعبير عن ذاته ، تتغير نظرته للحياة بعد انتقال جيران جدد بجواره وتفاعله معهم، خصوصاً نظرته نحو جيرانه الجدد. فجأة تتغير الأشياء في حياته؛ حتى القطة التي كان يحاربها بالأمس أصبحت صديقته وتبناها في منزله تعيش وتنعم بحياة جيدة ، وهو الذي كان يكره القطط ، أقنعته جارته الايرانية بأيواء قطة ، وهذه القطة استطاعت أن تملأ عليه حياته، ليكتشف أن أكثر ما كان ينقصه هو بعض التواصل. وأن السعادة تكمن في أن تعطي الآخرين ما يحتاجونه، أن تساعدهم تماماً كما كانت تحب زوجته أن تفعل، فيصلح دراجة أحد الشباب ويستقبل آخر في منزله ويساعد جارته على تعلم قيادة السيارات عدا عن احتوائه للقطة. ولانه يملك موهبة تمكنه من القيام باعمال ميكانيكية وإصلاح الاجهزة الكهربائية . وكذالك قادر على صنع الاثاث بنفسه ، فيقوم بجلب سرير طفل كان قد اعده لطفله المرتقب  حين كانت زوجته حامل و التي فقدت الجنين فيما  بعد ، قدم هذه السرير هدية الى جارته الايرانية بعد ولادة طفلها، وكذالك مساعدة الجيران في اصلاح أجهزة التدفئة.

القطار في قصة “أوفا”  يشكل محوراً أساسي في ماضي” أوفا”  وحاضره، أبيه الذي مات بحادث قطار كان قد أنقذه وهو طفل من الموت بنفس الطريقة. وعندما كبر أوفي  الذي نعرفه أنقذ بدوره أحد الشباب الذين وقعوا على مسار قطار سريع.  ويتميز فيلم “رجل يدعى أوفا” بقوة الإخراج وسلاسة السيناريو وبراعة التصوير واستخدام أسلوب العرض الفلاش باك ، وكذالك نجح  المخرج “هولمز” في  خلق شخصية متذمرة  تثير الضحك والتعاسة لدى المشاهد في نفس الوقت، يقول مخرج الفيلم “هولمز” بأن وجود عمل عن رجل عجوز ناقم هو أمر مكرر، “لكنني بعد أن قرأت الرواية بكيت بسبب ما وجدته فيها من عناصر تجذبني، ففي هذه القصة سندخل لأوّل مرة داخل عقل العجوز لنعرف أسباب كل هذا التذمر”.

وساعد أستخدام المخرج” هولمز “الفلاش الباك لسرد قصة أوفا  منذ الصغر وحبه وارتباطه بزوجنه سونجا في خلق حالة من التعاطف لدى المشاهد بأتجاه “أوفا”،  أفلام مثل هذه تميل إلى  المراهنة على كسب تعاطف الجمهور مع البطل حتى و إن كان جزئيا من خلال ذكرياته وسلسلة من الأحداث الماضية المأساوية ، ولاننسى قوة أداء الممثلين، وفي مقدمتهم الممثل السويدي “رولف لاسجارد ” للقيام بدور “أوفا ” في سن الكهولة، وكان الممثل البارع لاسجارد في تجسيد شخصية تثير فينا الضحك و الاسى والنفور في نفس الوقت وخاصة مشاهد محاولاته في الانتحار وكذالك المشاهد التي يبدأ فيها التعلق بجيرانه الجدد عاطفيًا، وقد رشح عن دوره في هذا الفيلم لأربع جوائز وفاز بثلاث جوائز. كذالك نجح المخرج  المتميز (هانزهولمز ) في أختيار والممثل” فيليب بيرج ” للقيام  بدور”أوفا ” في سن الشباب ، وهناك الشخصية الفاعلة التي ستغير من مجرى حياة أوفا هي “بارفانه” التي قامت بدورها” باهار بارس″، بارفانه سويدية من أصل إيراني، تواجه بارفانه العديد من التحديات بعد انتقالها بجوار أوفا، سواء التحضيرات للولادة أو التجهيزات التي يحتاجها المنزل الجديد، لذلك تجد في “أوفا ” خير رفيق يعتمد عليه بالأخص في الأمور المنزلية. الممثلة ” بارس″ استطاعت تطعيم أدائها ببعض التفاصيل التي منعتها من الوقوع في فخ النمطية خاصةً فيما يتعلق بتجسيد مهاجرة من إيران، فهي شخصية صبورة وكريمة مع″ أوفا” رغم فظاظته، ولا تتوانى رغم ذلك عن فرض نفسها عليه كي يساعدها في شؤون المنزل والأطفال،.

عرض فيلم “رجل يدعى أوفا” في 17 مهرجانا سينمائيا أوروبيا وأميركيا ورشّح لست وثلاثين جائزة سينمائية بينها اثنتان من جوائز الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي ، وفاز الفيلم بست عشرة جائزة بينها جائزة الجمهور في مهرجان كابورج الفرنسي للسينما الرومانسية ومن جوائز جولدباج السينمائية السويدية ومن مهرجان ميل فالي السينمائي الأميركي، وجائزة السينما الأوروبية لأفضل فيلم كوميدي أوروبي وجوائز أفضل ممثل للممثل رولف لاسجارد من كل من مهرجان سياتيل السينمائي الدولي الأميركي وجائزة جولدباج السويدية وجائزة نادي السينما السويدي، رشح الفيلم ايضا لجائزة الأوسكار في فئة أحسن فيلم أجنبي ممثلًا للسويد. فيلم ” رجل يدعى أوفا ” فيلم أنساني جميل وومشحون بالمشاعر الانسانية ومااحوجنا لها في عصرنا الحالي. رَجُلٌ يُدعى أوفا”  فيلم حميمي ومضحك  ومؤثر في آنٍ معاً .

المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. تقديري الكبير على متابعتك و القراءة الجميلة للمقال ، محبتي لك و دمت بخير

  2. شكرا لك عزيزي مرتين ، مرة لمتابعتك ماينشر و أخرى لقراءتك الجميلة ، تقبل محبتي و تقديري

  3. وصف تحليلي عميق وشامل وقد شاهدت هذا الفيلم مرتين وأعجبني وان وجدت فيه ميلا للمبالغة والتهريج أفقد ربما الشريط بعده الدرامي الفريد…وسلمت يد الناقد كاتب التحليل لبراعته السردية السيمائية اللافتة والفريدة…

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here