علي المسعود: الفيلم الالماني (بالون) دراما تجسد لحقبة زمنية من الحرب الباردة..

علي المسعود

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ، قام الحلفاء بتقسيم أراضيهم التي تم الاستيلاء عليها بعد ان تم فصل الشرق والغرب عن طريق الحدود الألمانية الداخلية ، وبناء جدار برلين الأكثر شهرة ، فصل هذا الترسيم بين نظامين الرأسمالية والشيوعية ، وفقد أكثر من ألف شخص حياتهم في محاولة لعبور جدار برلين .  بين عامي 1945 و 1990 كانت ألمانيا دولة مقسمة ، حرفيًا. إلى الغرب ، جمهورية ألمانيا الاتحادية ، والمعروفة باسم ألمانيا الغربية ، وإلى الشرق جمهورية ألمانيا الديمقراطية والمعروفة باسم ألمانيا الشرقية ،  جاء هذا الانقسام بسبب هزيمة المانيا في الحرب العالمية الثانية.

ألمانيا الغربية كانت من الحلفاء وكانت طبيعة الاقتصاد رأسمالي وكذالك الحياة مختلفة ، أما المانيا الشرقية فهي جمهورية اشتراكية ماركسية لينينية ، في حين ازدهرت ألمانيا الغربية ، كانت الأمور في الشرق مختلفة للغاية فقد كانت الحياة صعبة ، حيث سيطرت الشرطة السرية ، المعروفة باسم ستاسي على معظم جوانب الحياة اليومية للناس وسيطر جدار برلين على المشهد ، حاول الكثير من الألمان عبور الحدود على الرغم من كونها واحدة من أكثر الحدود تحصينا في العالم ، قُتل ما يقرب من 800 ألماني شرقي وكان العديد منهم من النساء والأطفال وهم يحاولون العبور.

وبتاريخ 9 نوفمبر من عام 1989 وبعد أكثر من 28 عاما على بنائهِ الذي أعتبر تقسيم لمدينة وتقسيم لشعب ، أعلن غونتر شابوفسكي للصحافة وهو الناطق الرسمي وسكرتير اللجنة المركزية وعضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الألماني لخلية وسائل الإعلام ( أن قيود التنقل بين الألمانيتين قد رُفعت)- أثناء حوارٍ إعلامي عن طريق الخطأ ، إذ لم يكن متثبّتاً من توقيت الإعلان، ممّا تسبب في فوضى عارمة أمام نقاط العبور في الجدار ، فتوجهت أعداد كبيرة من الألمان الشرقيين عبر الحدود المفتوحة إلى برلين الغربية ، واعتبر هذا اليوم يوم سقوط جدار برلين ، الذي بني في 13 أغسطس عام 1961 ، وفي 9 نوفمبر عام 1989 بعد عدة أسابيع من الاضطرابات المدنية أعلنت حكومة ألمانيا الشرقية عن إمكانية جميع مواطني جمهورية ألمانيا الديمقراطية زيارة ألمانيا الغربية وبرلين الغربية ، وعبرت حشود من مواطني ألمانيا الشرقية وتسلقت الجدار ، انضم إليها مواطني ألمانيا الغربية على الجانب الآخر في جو احتفالي ، واقتطع الأشخاص المبتهجون ومقتنصوا الهدايا التذكارية أجزاءً من الجدار ، على مدى الأسابيع القليلة التالية ، افتتحت بوابة براندنبورغ في جدار برلين في 22 ديسمبر عام 1989 ، بدأ هدم الجدار رسميًا في 13 يونيو عام 1990 وانتهى من هدمه في نوفمبر عام  1991. مهد (سقوط جدار برلين) الطريق إلى إعادة توحيد ألمانيا.

لقد مر 30 عامًا منذ سقوط حائط برلين ومن الصعب تذكر المفاجأة الرائعة لهذا الحدث التاريخي ومدى تغير أوروبا. ولذلك يعد سقوط الجدار واحد من أهم أحداث القرن الماضي ، ولم تستطع السينما أن تتغافل عن هذا الحدث ، نظرا لأهميته وكذالك كمية المشاعر المتناقضة والدراما التي كان يجب استغلالها في عشرات من الأفلام ، وتم إنتاج أيضا العديد من الأفلام التى صنعت إبان الحرب الباردة واتخذت من الانقسام الألمانى مدخلا أيضا لانتقاد شديد للنظام الحاكم للمعسكر الشرقى ، فخرجت أفلام عديدة تناولت كيف كانت الحياة على جانبى هذا الجدار ودارت معظم تلك الأفلام حول القهر، الذى يتعرض له الألمان فى  الجانب الشرقي والذى كان يدفعهم للهروب من جحيم الشرق إلى جنة الغرب ، أن اهتمام السينما الغربية بقضية الجدار بعد انهياره لا يذكر بالمقارنة بها قبل السقوط ، وكأن السينما الغربية تتخذ من ذلك السور مدخلا لانتقاد الشيوعية وظلمها وقهرها للشعوب ، وتشبه الاهتمام بقضية الكتاب المنشقين الذين هربوا من روسيا إلى الغرب واهتموا بانتقاد الأنظمة الحاكمة فى بلادهم فاهتم بهم الغرب جدا وكرمهم حتى إنهار الاتحاد السوفييتى وجدار برلين فألقى الغرب بهؤلاء الكتاب إلى الظل ولم يهتم بهم إطلاقا وكأن دورهم انتهى ، فيلم (بالون)  يعيد أيام الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتاراكي  و الراسمالي ، الفيلم يروي القصة الحقيقية المذهلة لمحاولة عائلتين الفرار من جمهورية ألمانيا الديمقراطية إلى ألمانيا الغربية وذالك في صيف من عام 1979 باستخدام منطاد ، الفيلم أطلق للعرض في سبتمر من عام 2018 ، ويوثق المخرج الألماني” مايكل بول هيربيج ” في فيلمه “بالون” واحدة من أشهر محاولات الهروب الناجحة ، وهي القصة الحقيقية لستريليكس وويتزل ، الذين بنوا بالونهم داخل قبو في مدينة تورينجيا في جمهورية ألمانيا الديمقراطية قبل أن يطيروا عبر الحدود إلى بافاريا في إحدى الليالي من شهر سبتمبر من عام 1979 ، سبق وان عرض فيلما عن المحاولة وأنتجته شركة ديزني في عام 1982 ومن بطولة الممثل ( جون هيرت) ومن إخراج ديلبرت مان .

حين بدأ الأصدقاء بيتر ستريلزك (فريدريش موكي) ودوريس  ستريلزك (كارولين شوتش) وجونتر (ديفيد كروس) وبيترا ويتزل (أليشيا فون ريتبرغ) في مناقشة خطط الفرار إلى الغرب وبالتحديد الى المانيا الغربية وعبور جدار برلين لم يتوقعوا نتيجة تلك المغامرة ، “بيتر ستريلزك” وهو كهربائي و ميكانيكي سابق في سلاح الجو الالماني الشرقي –( 1942-2017) ، و”جونترويتزل” وهو عامل بناء و من مواليد 1955 كانوا اصدقاء لمدة أربع سنوات.

تبادلوا الرغبة في الفرار من البلاد و مناقشة طرق لعبور الحدود ، وافقوا على العمل للتخطيط للهروب ، فكروا في البداية ببناء طائرة هليكوبتر لكنهم أدركوا بسرعة أنهم لن يكونوا قادرين على شراء محرك قادر على تشغيل مثل هذه الطائرة ، بعد ذلك ، قرروا التحقيق في فكرة بناء منطاد الهواء الساخن بعد أن استلهموا الفكرة من برنامج تلفزيوني حول المنطاد. هناك رواية بديلة تتمثل في أنه تم إعطاؤهم مقال في مجلة حول مهرجان البالون الدولي في البوكيرك ، نيو مكسيكو من قبل قريب ، بدأ الاثنين البحث في البالونات. كانت خطتهم الهرب مع زوجاتهم وما مجموعه أربعة أطفال (تتراوح أعمارهم بين 2 إلى 15)، حسبوا وزن الركاب والحرفة نفسها حوالي 750 كيلوغرام (1650 رطل). حددت الحسابات اللاحقة أن البالون القادر على رفع هذا الوزن سيحتاج إلى تسخين 2000 متر مكعب (71000 قدم مكعب) حتى 100 درجة مئوية (212 درجة فهرنهايت) ، كان الحساب التالي هو كمية المواد اللازمة للبالون ، والتي تقدر بـ 800 متر مربع ، بعد أيام من البحث ، عثروا على منطقة غابات منعزلة مناسبة بالقرب من زيغنروك لاختبار المنطاد .

بعدها أبتدأ العمل على بناء منطاد كبير بحيث يسعهم وأطفالهم ، وعلى الرغم من العديد من النكسات ، فقد عقدوا العزم على الوصول إلى الهدف وتحقيق غايتهم ، لقد أمضوا عامين في بناء بالونهم الخاص في أقبية وورش عمل عملوها في منازلهم في ولاية تورينغن في جمهورية ألمانيا الديمقراطية وبشكل سري . خطتهم كانت بسيطة وإن كانت خيالية ، لكنها مستمدة من مجلة أحضرتها شقيقة ويتزل بعد عودتها من الخارج ، وهي التي غادرت ألمانيا الشرقية في عام 1958 ، وأحضرت معها مجلة وفيها مقال عن مهرجان البالون الدولي في البوكيرك في مدينة نيو مكسيكو، وعندما شاهدوا  تلك الصور لبالونات الهواء الساخن  وهي تطفو في الهواء نضجت الفكرة ، يقول ويتزل في مذكراته : ” فكرت هذا لا يمكن أن يكون بهذه الصعوبة”. وأخبر صديقه سترليزيك على الفور بالفكرة ، وهي أن بالون الهواء الساخن سيكون وسيلة لمغادرة ألمانيا الشرقية مع زوجاتهم وأطفالهم ، وقال ويتزل :” لم نعتقد أنها كانت خطة مجنونة على الإطلاق ، كنا متأكدين تمامًا من أننا وجدنا أخيرًا خطة آمنة لمغادرة ألمانيا الشرقية “.

أذن الفكرة مستوحاة من مقالة في مجلة ، وهي خطة تكاد تكون مستحيلة ويائسة وربما مجنونة لكنها الوسيلة الوحيدة للخلاص والالتحاق بالاهل والأقرباء في الجانب الغربي، لتكون تلك الوسيلة بديلا دون الوقوع في خطر الألغام الأرضية والأسلاك الشائكة أوالفخاخ المتفجرة على الحدود (التي أودت بحياة أكثر من 800 شخص) ، أو يقبض عليهم رجال استاسي وتكون عقوبتهم السجن وربما تصل الى الاعدام ، كانوا ينتظرون بدلاً من ذلك هبوب الرياح الشمالية النادرة والتي تساعدهم في عبور الحدود قبل أن يتمكن رجال الحدود من إسقاطها، قد يتطلب صنع البالون أو المنطاد توفير أكثر من 1000 متر مربع من قماش الخيام ، ولشراء تلك الكمية الكبيرة من القماش دون إثارة الكثير من الشكوك ، إضطروا الى الانتقال إلى مدينة بعيدة وهذه المرة سافروا أكثر من 160 كيلومترإلى عدة متاجر في  مدينة لايبزيغ. كانت القصة التي أخترعوها لشراء القماش ، هي أنهم أعضاء في نادي للطيران الشراعي ويحتاجون إلى المواد اللازمة لصناعة الأشرعة ، ويجب طلب الكمية التي يحتاجون إليها ، كان عليهم أيضًا ضبط حجم البالون. أستفاد “ويتزل” من كتابين للفيزياء كان يحتفظ بهما في المنزل لتحديد الديناميكا الحرارية الهندسية وتأثيرات التغيرات في درجات الحرارة على سلوك الهواء ، كما قاموا بصنع منفاخ خارجي للمحرك ماخوذ من دراجة نارية تعود الى ستريلزك .

وعلى الرغم من أنهم يخشون أن يكون قد تم الإبلاغ عن عملية الشراء إلى جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية (ستاسي) الذي يلاحقهم منذ  أن فشلت محاولاتهم السابقة ، اشتروا أيضًا محركًا كهربائيًا لتسريع ماكينة الخياطة التي يتم تشغيلها بواسطة دواسة والتي كانوا يستخدمونها لخياطة المواد في تشكيل البالون المطلوب ، استمروا في التجربة لعدة أشهر، حيث ضاعفوا عدد خزانات الوقود وجربوا خليطًا مختلفًا من الوقود ، ولكن اصابتهم خيبة أمل من النتيجة، لذا قرر ويتزل التخلي عن المشروع وبدلاً من ذلك بدأ في متابعة فكرة بناء طائرة صغيرة تعمل بالبنزين على متن طائرة خفيفة أو طائرة شراعية . على الجانب الاخر واصل ستريلزك في محاولاته لتحسين وقود المحرك ، هذه المحاولات التي يركز عليها فيلم “بالون” وهي إصرارعائلتي ” ستريلزك ” و” يتزل” الذين قرروا  بدلاً من محاولة عبور الحدود المحصنة مشياً على الأقدام ، أن يطيروا فوقها وفي منطاد هواء ساخن محلي الصنع. أمضت العائلات ما يقرب من عامين في وضع خطتها موضع التنفيذ، وكلتا الزوجات داعمتان لكنهما مرعبتان من حرس الحدود وبنادقهما. تقول دوريس ستريلزك (كارولين شوتش): “إننا نجازف بحياة أطفالنا”. إنها تتذكر أيضا الحنين إلى الوطن الرهيب كطفل: هل سنكون قادرين على العودة لرؤية أقاربنا؟،  وتخشى بيترا ويتزل (أليشيا فون ريتبرغ) ، التي كانت يائسة لرؤية والدتها في الغرب ، من أن سلك المنطاد والحبل قد لن يحمل أربعة بالغين وأربعة أطفال ، ولتنفيذ الخطة تتطلب ألامر السفر الأميال والأميال لشراء النسيج المطلوب ، بل وتمكنت من إجراء بعض الاختبارات باستخدام أفضل المواد وقد سبقت هذه المحاولة عدة محاولات فاشلة والتي جعلت عيون رجال الجهاز السري (إستازي) مفتوحة في البحث عن صاحب تلك  المحاولات ، ومنذ المحاولة الأولى الفاشلة  استمر رجال ال( إستازي) في تعقب الأشخاص الذين يقفون وراء هذه المحاولة ، يلعب توماس كريتشمان دورالملازم في جهاز أمن الدولة الذي يتساءل ، “لماذا نحرس الحدود؟، لماذا لا ندع هؤلاء الخونة يهربون؟”، إنه سؤال مثير للاهتمام ويسلط الضوء على مفارقة جميع البلدان التي تحاول السيطرة على شعوبها والسيطرة عليها ، من ألمانيا الشرقية إلى كوريا الشمالية؟؟

يبذل الفيلم قصارى جهده لإعادة نشر القصة ، لكنه فشل في إظهار المصاعب التي تواجهها العائلات في الشرق ، معتمداً على المشاهد لفهم ما كانت تمر به ، ولكن في  تلك المحاولة هناك اصرار على الهروب ،  لذا صنعوا بالونًا ثانيًا ، لكن هذا كان بالقدر الذي يحتاجون إليه، وفي يونيو 1979 اكتشفو عند قلب خزان البروبان يسبب الضغط الإضافي في تحويل غاز البروبان السائل إلى غاز مما سيؤدي إلى حدوث لهب أكبر . قاموا باجراء التعديلات لتركيب خزانات البروبان رأسًا على عقب ، ثم عادوا إلى موقع الاختبار حيث وجدا أن التكوين الجديد ينتج لهبًا طوله 12 مترًا . كانت الظروف الجوية والرياح مواتية ، وفي شهر سبتمر من عام 1979 خرجت عائلة ستريلزيك بأكملها من غابة في الساعة 1:30 صباحًا وارتفعت بمعدل 4 أمتار (13 قدمًا) في الثانية ، لقد انطلقوا بعد الساعة الثانية صباحًا تقريبًا ، وبسبب عدم قطع الحبال التي تحمل المنطاد على الأرض بشكل متزامن ، فقد قاموا بإمالة إرسال الشعلة نحو النسيج الذي اشتعلت فيه النيران ، بعد أن تم إخماد الحريق بمطفأة حريق جلبوها لمثل هذه الحالة الطارئة ، ارتفع البالون إلى 2000 متر في تسع دقائق ، وأنحرف باتجاه ألمانيا الغربية بسرعة 30 كيلومترًا في الساعة (19 ميلًا في الساعة) ، طاروا لمدة 28 دقيقة ، وكانت درجة الحرارة عند 8 درجة مئوية (18 درجة فهرنهايت).

وفي 16 سبتمبر 1979 ، تمكنت العائلتان وهم ثمانية أفراد إجمالاً من الطيران فوق الحدود ، على الرغم من اشتعال النيران في البالون في وقت مبكر من المحاولة، هبطت العائلات ، على بعد 10 كيلومترات فقط من ألمانيا الغربية ، خرجوا من المعبر الحدودي في رودولفشتاين على الطريق السريع ، هبطوا بسرعة بالقرب من بلدة “نايلا” في ولاية بافاريا الألمانية الغربية ـ هبطوا بسلام على بعد حوالي 180 مترًا (590 قدمًا) من الحدود عند حافة المنطقة الحدودية المزدحمة بالألغام . كانت الإصابة الوحيدة التي أصيب بها ويتزل ، التي كسرت ساقه عند الهبوط . تيقنوا من نجاح خطتهم عندما رأوا أضواء ملونة حمراء وصفراء لم تكن شائعة في ألمانيا الشرقية ، ورأوا أيضا مزارع صغيرة ، تختلف عن  المزارع الكبيرة التي تديرها الدولة في الشرق ، ودليل آخر هو المعدات الزراعية الحديثة التي كانت على عكس المعدات القديمة التي كانت تستخدم في ألمانيا الشرقية. وأخيرا نجحا في الوصول الى (أرض الاحلام) ، بعدها أخبرا كل من “ويتزل” و “ستريليزك” للصحافة و الاعلام  روايات مختلفة عن قصة هروبهما ، حيث ادعى كل رجل الفضل في الفكرة. وتوقفوا عن التحدث بعد وقت قصير من وصولهم إلى الغرب ولم يتصالحوا حتى قبل وفاة ستريلزك في مارس 2017 عن عمر يناهز 74 عامًا بعد صراع من مرض عضال .

“بالون ” هو فيلم جميل ، موجه جيدًا وممثّل بشكل جيد جدًا ويعرض التوتر بين الدولتين في زمن الحرب الباردة بشكل جيد وعاطفي،  يهتم الفيلم بعناية فائقة بالتفاصيل وإحساس قوي بالوقت والمكان . باستخدام الدعائم العملية والعلمية كلما كان ذلك ممكنًا ، يطور المخرج “هيربيج ” وطاقمه الواقعية التي تفتقر إليها العديد من الأعمال الدرامية التاريخية ، بالون هو دراما فترة وضعت بدقة والتي تجسد الشكل والمظهر لتلك الحقبة الزمنية،  وكأبطال لهذ الفيلم  تلعب كارولين شوتش دور دوريس ستريزيك ويقوم الممثل فريدريش موك بدور بيتر ستريزيك وكان الاداء قريبا إلى الكمال ، و الذين تم دعمهم باقتدار من قِبل بقية الممثلين – ديفيد كروس دور ويتزل ، وجوناس هولدينرايدر وتيلمان دوبلر كأبناء “بيتر ستريزك” وقدما أداءاّ متميز مع سيناريو قوي. ويلعب الممثل توماس كريتشمان دور العقيد  في جهاز الدولة “إستاسي “الذي يبحث عنهم بعد أول محاولة فاشلة له . يستغرق وقت الفيلم لحظات من العاطفة والإنسانية ، والتي تزيد من تعزيز الشخصيات إلى ما هو أبعد من الإثارة السريعة على مدار الساعة.

“بالون” هو فيلم مباشر في الرواية والتقليدية في التنفيذ ،  مع ذلك ، هو عمل متين وممتع للغاية . لإنه يستند على قصة حقيقية تستحق الحكاية ، ومن الرائع رؤية نسخة ألمانية منها على الشاشة ـ كان رد فعل النقاد مختلطًا ، حيث أشاد البعض به على أنه مشبوه ، بينما قال آخرون إنه بعيد عن الشؤون الراهنة . وتزامن الإصدار مع الذكرى 28 لإعادة التوحيد وتجديد البحث عن الهوية الألمانية، وكتب موريتز فون أوسلار في مجلة دي تسايت الأسبوعية: “هذا وقت صعب لعرض فيلم بالنسبة لأفلام المنطاد العاطفية”. إن النجاحات الانتخابية التي حققها البديل المناهض للهجرة لألمانيا في الولايات الشرقية والمظاهرات اليمينية المتطرفة الأخيرة في مدينة شيمنيتز الشرقية في أعقاب الهجوم المميت على المهاجرين الألمان والكوبيين ، دفعت الكثيرين إلى إثارة تساؤلات حول ما يمكن أن يكون قرار إعادة توحيد ألمانيا خطا تدفع ضريبته ألاجيال اللاحقة”. وكتب فون أوسلار: “في عام 2018 ، عندما يتشاحن الكثير من الناس حول الحرية والديمقراطية والسيرة الذاتية المبعثرة في جمهورية ألمانيا الديمقراطية ، فإن الحرب الباردة التي سلط الضوء عليها هروب البالون تبدو غير مناسبة في الوقت الحالي”. “أرض  الحلم”   ألمانيا الغربية التي خاطر الآلاف من اللاجئين بحياتهم من أجلها بين عامي 1961 و 1989 لم تعد موجودة”. وقال ريتشارد شرودر ، السياسي الاشتراكي الديمقراطي السابق من شرق ألمانيا ، الذي كتب مؤخرًا في صحيفة “فرانكفورتر ألجماين تسايتونج”: “الألمان الشرقيون تعرضوا للإذلال بسبب الوحدة الألمانية ، وهذا الشعور بالضعف يتحول الآن إلى غضب”. على الرغم من شكوك النقاد ، إلا أن الاهتمام الألماني بالفيلم كان هائلاً ، حيث قيل إن السياح توافدوا على قرية بوسنيك في تورينجيا للعثور على المنزل الذي تم بناء البالون فيه ، وزيارة متحف برلين حيث كان  تم عمل نموذج له  .

وتم إعادة بناء البالون نفسه –  ومن المقرر أن يتم عرضه في متحف بافاريا في الربيع المقبل .  وفي إحدى اللقاءات تحدث ويتزل إلى الصحافة والاعلام بعد فترة وجيزة من الذكرى الأربعين لرحلته وقبل الذكرى الثلاثين لسقوط حائط  برلين في 9 نوفمبر: “كانت الرحلة واحدة من أكثر محاولات الفرار جرأة وإبداعًا على الإطلاق من ألمانيا الشرقية . لم يكن هناك يقين من النجاح ، وكان الفشل يعني السجن أو حتى الموت ، تفوقت الرغبة في الحرية على المخاطر. لم نكن متفائلين للغاية ، فربما لم نتمكن من فعل ذلك” ،  وقال جونتر ويتزل ، البالغ من العمر 65 عامًا  وهو يصف فكرته الأصلية في مقابلة بمناسبة إطلاق الفيلم : “كيس من القماش ، وضع فيه بعض الهواء الساخن فيه ، ونحن نذهب” وقال: “بينما أنا سعيد الآن بعد أن اتخذنا هذا القرار ، إذا كان لدي علم أني الآن لن أفعل ذلك ، لأنه كان خطيرًا جدًا ، لكنني لم أدرك ذلك بعد”.

كاتب عراقي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. شكرا عزيزي قاريء مهم على جمال الإضافة و تشجيعك لما نكتب ، محبتي لك

  2. روعة سردية آخاذة ولكنه ثبت ا ن الغرب ليس جنة كما توهم اللمان الشرقيين النازحين وقد ذاقوا الويلات بعد توحيد المانيا ومعاناة الاضطهاد والتهميش…وقد كانت برلين الغربية مجرد فقاعة استهلاكية كبيرة لاستفزازهم بوعود الحرية والوفرة ولاشيء غير ذلك…وليس علينا كعرب مضطهدين ان ننجر دوما لوجهة النظر الغربية الدعائية المنحازة التي تبت أنها غير بريئة وخبيثة وموجهة…شكرا للكاتب الفذ ولرأي اليوم التفاعلية التي تتيح لنا كقراء الاطلاع على مثل هذه المقالات الفريدة اللافتة.

  3. شكرا علي المسعود على اختيار الافلام المتميزة والتي تؤرخ لفترة زمنية مهمة من القرن الماضي ، سرد جميل و تحليل اكثر من رائع ، وشكرا لرأي اليوم على النشر.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here