علي المسعود: السينما الشعرية في فيلم المخرج الايراني الراحل عباس كياروستمي “24 إطار”

                      

علي المسعود

في حديثه عن مفهوم “السينما الشعرية” يشير (تاركوفسكي ) إلى أن هذا التعبير أصبح مألوفاً وشائعاً، وهو يعني السينما التي تبتعد بجسارة، في صورها،  عما هو واقعي ومادي متماسك، كما يتجلى في الحياة الواقعية، وفي الوقت نفسه تؤكد السينما وحدتها التركيبية الخاصة في رصدها للحياة على نحو خالص وصاف ودقيق.

يعتقد الكثيرون أن القصيدة وحدها تحتكر صفة الشعر، وأن الطاقة الشعرية موجودة حصريا في القصيدة فقط، رغم أننا نجد المئات من القصائد التي تفتقر إلى الشعرية، بينما نكتشف طاقة شعرية هائلة في نصوص نثرية وأعمال تشكيلية وموسيقية وسينمائية. ألم يعلن( نرفال) ذات يوم “أن الشعر يهرب من القصيدة، ويستطيع أن يوجد بدونها”. عندما نبحث الآن، وسط الكم الهائل من الأفلام المنتجة عبر قرن من تاريخ السينما، عن شعراء السينما، أولئك الذين يبتعدون عن السينما السردية، ذات الطابع التقليدي، ليقتربوا أكثر من السينما الخالصة المشبّعة بالروح الشعرية، التي تلهب مخيلة المتفرج وتفتح أمامه نافذة يطل منها على المدهش، نجد أن العدد قليل، والأسماء محدودة، قياساً إلى الموجات الكاسحة من أفلام تقليدية تجتاح أعيننا كل يوم. ومن هؤلاء  المخرج الايراني الراحل ” عباس كياروستمي” والذي يتفرد به المخرج الايراني الراحل  كياروستامي عن غيره من صانعي الأفلام برؤية توصف – بالمقاييس الإنسانية – على أنها ملحمية و في نفس الوقت غاية في الدقة.  كثيرة هي أفلام عباس كيارستمي، ومليئة بكمّ هائل من التعابير والتفاصيل التي تحتاج إلى أكثر من قراءة نقدية واحدة. وإعادة مشاهدتها دافعٌ إلى تنقيبٍ جديد في فضاءاتها المختلفة. “يسعى عباس كياروستمي إلى إعادة قراءة الواقع ، كي يعيد للعالم معناه، ويجعله موضع ثقة”. وفي حوار مع عباس كياروستمي ، أجراه ديفيد ستيريت٬ ونشر في المجلة السينمائية  الأمريكية ( فيلم وتعليق) عدد يوليو/ أغسطس (2000)،  قال المخرج الراحل (النـاس لـديهم أفكـار مختلفـة٬ لكـن أمنيتـي هـي أن لا يسـعى كـل المتفــرجين إلــى إكمــال الفــيلم فــي أذهــانهم بالطريقــة نفســها٬ مثــل أحجيــة الكلمــات  المتقاطعة التي تبدو كلها متشابهة٬ لا يهم من يحلها. حتـى لـو كانـت محلولـة علـى نحـو خاطئ٬ فإن نوعية أفلامي تظل ” صحيحة” أو مخلصة لقيمتها الأصلية. أنا لا أترك الفضاءات فارغة لمجرد أن يكون لدى الآخـرين شـيئا ناقصـا يكملونـه. إنـي أتركهـا فارغـة مـن أجـل أن يتمكن الآخرون من ملء هذه المساحات وفقا للكيفية التي بها يفكرون وحسب ما يريدون هم. في رأيي٬ التعبير التجريدي الذي نقبله ونقرّ به في أشكال فنية أخرى كالرسـم والنحـت والموسيقى والشعر  يمكن أيضا قبوله في السينما. إني أشـعر بـأن السـينما هـي الفـن السابع٬ ومن المفترض أن تكون الفـن الأكثـر اكتمـالا بمـا أنهـا تضـم الفنـون الأخـرى . لكنهـا أصبحت مجرد مجال لرواية القصص٬ بدلا من أن تكون الفن الذي ينبغي أن تكونه حقا).

 يعتبر المخرج الايراني” عباس كياروستامي”  أحد اهم صناع السينما في إيران وأسيا ، وهو مخرج محترف يمتاز بالطرح الفلسفي العميق، والرؤيا الابداعية العالية المستوى، وفي رصيد هذا المخرج القدير جائزة السعفة الذهبية عن تحفته «طعم الكرز» وايضا الاسد الذهبي لمهرجان البندقية السينمائي عن فيلم «ستذهب بنا الريح». فمنذ نتاجه السينمائيّ الأول، وهو فيلم  روائي قصير بعنوان ، “خبز وزقاق”  في عام (1970)، يكشف كياروستمي عن قدرات فنية تُحوِّل العاديّ إلى مرآة شفّافة وحادّة، تعكس بعض المخفيّ، هنا وهناك. المخرج عباس كيارستمي (مواليد طهران، 22 حزيران/ يونيو 1940)، إختار الفنون الجميلة مدخلاً إلى عالم يجمع الصناعة بالإبداع، حصل  وهو في الثامنة عشرة من عمره، على منحة لدراسة الرسم، وعمل في مجال الإعلانات، وحقّق عشرات الأشرطة الدعائية لحساب التلفزيون الإيراني، قبل أن يعمل، منذ نهاية ستينيات القرن العشرين، في تصميم مقدّمات الأفلام، من دون أن يتخلّى عن تزيين كتب الأطفال برسوماته. رغم هذا كلّه، جذبته السينما، خصوصاً مع ولادة “الموجة الجديدة الإيرانية”، المتمثّلة بفيلم “البقرة” (1969) لداريوش مهرجويي (1939)، الذي يؤسّس خطاباً جمالياً ودرامياً تجديدياً، ويضع الغرائبيّ في عمق المسار الواقعي للحياة اليومية. في العام نفسه، تولّى كيارستمي، بالتعاون مع إبراهيم فروزش (1939)، تأسيس قسم خاصّ بالإخراج، في “معهد التنمية الفكرية للأطفال والناشئة”، الذي يهدف، أساساً، إلى نشر كتب للأطفال. وبالنسبة لسينما كيارستمي، والذي يمكن لجيل كامل أن يتعلّم من دروسه الإخراجية،  . لعلّ ما كتبه حميد دباشي، أستاذ الدراسات الإيرانية في “جامعة كولومبيا”، يختزل العالم السينمائي للمخرج عباس كياروستمي  : “التأمّل في اللوحات التي يصنعها “عباس كياروستمي ” في كل فيلمٍ على حدة، دافعٌ إلى إعادة اكتشاف العالم عبر عيون شخصيات، يطغى عليها الأطفال والمراهقون في بداياته على الأقلّ. والتوغّل في ثنايا الحبكات الدرامية، ومفاصلها وسياقاتها، يجعل المُشاهدة نوعاً من إعادة ابتكار مغزى جديد للعلاقة بالعالم، كما بالناس والاجتماع والحالات “.

في فيلمه الاخير (  24  فريمز ) ، يعطي الانطباع بأنه يخلق نفسه تلقائياً من دون أي أسلوب مقرّر سلفاً، فيلم كيارستمي الأخير لا يحمل خطًا روائيًا أو حبكة أو أبطالًا يجذبون انتباهك أثناء مرور الإطارات أمامك. يتكون الفيلم من 24 فيلمًا قصيرًا ، يدوم كل منها أربع دقائق ونصف تقريبًا ،عمل المخرج في هذا الفيلم ،(أو يمكن وصفه  أربع وعشرين قصيدة شعرية مع الموسيقى الساحرة ) لمدة ثلاث سنوات قبل وفاته في يوليو 2016 ، بملاحظته أن اللوحات والصور الفوتوغرافية على حد سواء لا تظهر لنا سوى جزء من الثانية في الوقت ، مما يتركنا نتخيل ما حدث قبل وبعد. ويدعو بشكل جلي لمشاركتنا الخيالية في القيام بذلك. عدد قليل جدًا من هذه الافلام القصيرة او ألاطارات،  وكما يشير عنوانه يقترح “24 فريمز” أو مشاهدة 24 صورة مزينة بإطار. كل الصور التقطها كياروستمي باستثناء الإطار الأول الذي يضم رسما تدب فيه الحياة بتقنية التحريك وليس هناك أي حوار في الفيلم  ( فقط ترجمة للاغاني التي رافقت عدد قليل من اللوحات)، في الغالب ، تأتي الصور من الطبيعة،  نرى الطيور والخيول والحيوانات الأخرى ، في الأماكن التي تتراوح من المناظر البحرية إلى الجبال الثلجية إلى النوافذ الهادئة. لكن حقيقة عدم وجود أي قصة أو شخصيات عادية ، لا تعني أنه لا توجد طاقة سردية أو جاذبية ؛ فكل فيلم صغير يبدو وكأنه يمتلك قوسه الدرامي الخاص به ، وجزء من المتعة في مشاهدته يكمن في رؤية كيف تتكشف كل واحدة منها. بمعنى واحد ، هو عرض متقن من قبل المخرج ( عباس كياروستمي) للكشف عن العلاقة بين التصوير الفوتوغرافي الثابت والسينما في عمله.  يفتح الفيلم بطريقة جريئة من خلال تحريك لوحة بيتر بروغل الرمزية  (صيادون في الثلج) . التأثير يكون تدريجيًا ، دقيقًا ومقيَّداً، في الأول، الدخان يتصاعد من المداخن ، ثم الغربان تأخذ الجناح ، تساقط الثلج ، وأخيرا كلب يسير حوله وبعض الأبقار تمر ، وكلها مصحوبة بتأثيرات صوتية مناسبة. لا تتحرك الشخصيات المركزية للرسم، لا توجد محاولة لحقن السرد ، وإنما فقط لإحضار الحياة والحركة ، والتغيير الطبيعي على مدى فترة زمنية. تقدم هذه التجربة الأولى التقنيات والإبداع ، والحساسية  المكثفة التي ستتم من خلال الفيلم.

تثبت لوحة بروغل أيضًا أنها الموضوع الذي سيكون عليه العديد من “الأُطر” اللاحقة هي الاختلافات: تظهر الغربان والطيور الأخرى مرارًا وتكرارًا ، وكذلك الثلج ، وعالم الحيوانات والعديد من الصور من هذه الموضوعات أحادية اللون بحيث يصعب تحديد ما إذا كانت قد تم تصويرها بالألوان أو بالأبيض والأسود، وعندما يظهر اللون ، يتم كتم صوته في الغالب.

يتم تأطير العديد من الصور بواسطة نافذة ، والتي نشاهد من خلالها شجرة تهب في الريح أو الطيور التي  تتشاجر أو السيارات والدراجات النارية تمر في شارع المدينة ، والإطار هو نافذة السيارة التي تتدحرج ، على افتراض للسماح لالتقاط صورة فوتوغرافية. يظهر الناس في اثنين فقط من الإطارات ، على الرغم من أن وجودهم غالبا ما يتم اقتراحه من خلال الصوت أو العمل خارج الشاشة – بما في ذلك الوجود الضمني للمصور. فيلم كياروستمي الأخير لا يحمل خطًا روائيًا أو حبكة أو أبطالًا، الفيلم يصنف ضمن ألافلام ألتجريبية ، وهو الفيلم الثاني تحت هذا التصنيف للمخرج  لكياروستمي،  إفتتاح فيلم “كياروستمي”   بلوحة للفنان الفنلندي بيتيربروغيل، والتي كانت بعنوان “الصيادون في الثلج”، تلك الصورة التي استخدمت قبلًا من قبل المخرج الروسي تاركوفسكي، في فيلمه “سولاريس″، ولربما  اراد عباس كياروستمي إخبارنا منذ البداية، أننا أمام مهمة شاقة من الأحلام والخيال.

في هذه التحفة السيمائية، يجبرك كياروستمي من اللقطة الأولى على أن تتمعن جيدًا في تفاصيل الإطار كاملًا،  بعد بضع ثوانٍ ، تبدأ الصورة الساكنة في الحياة، يبدأ الدخان يتصاعد من إحدى المداخن ، يبدأ الثلج في الانخفاض،و تبدأ الطيور في الدوران فوق الرأس، ينطلق كلب داخل الإطار ويبدأ في النباح ،  بعد حوالي أربع دقائق ونصف ،  يبدأ “الإطار الثاني”.

 ومن ثم ينتقل بك المخرج  من إطار لآخر، يفصل بينها ترقيم للإطار التالي، ولربما استخدام هذا الأسلوب من قبل كياروستمي كان في سبيل إعطائنا الوقت للراحة بين الإطار والإطار، وذلك لكثافة الطرح، و يبث عباس كياروستمي الحياة ضمن إطاراته. الفيلم بكامله يحوي صور فوتوغرافية التقطها كياروستمي وأعاد إحياء العناصر بداخلها، أو أضاف عناصر جديدة بمجملها كانت من الحيوانات، ليترك لنا عن طريق هذا الإحياء مساحة للتأويل والتفسير.

ويظهر لنا التصوير أشياء غير مرئية للعين المجردة ، سواء كانت تلك اللحظة التي يستغرق فيها الحصان الراكض كل أربعة أقدام من الأرض ، أو جريمة قتل في حديقة عامة . عندما التقط كياروستامي الصور الأصلية ، كان يفترض أنه كان يحاول التقاط شيء ما في العالم،  ففكرة الصيد ، من لوحة بروغل من خلال الحيوانات التي يتم إطلاق النار عليها ، قد تكون أيضًا مجازًا للتصوير الفوتوغرافي نفسه. الإبداع الفني و الجمالي كان واضحاّ   من خلال تشكيل كل إطار على حدة، إطارات حملت بمعانيها ما يمكن أن يعبر عن التغرب والأسر، عن المقاومة والقمع، الموت، عن بلاغة الصمت والصورة. فبالرغم من البساطة البصرية للإطارت لكنها حملت معاني عميقة يهدينا إياها عباس كياروستمي في هذا الفيلم، وكأنها فتات من القصة، لنكمل بها نسج زيفنا وأنانيتنا فقط .

الاطارات تشدك ويجذبون انتباهك أثناء مرورها أمامك، هي  أربع وعشرون إطارًا ، و من خلالها يشعر المشاهد بانه أحد أبطالها  إن صح التعبير، فطريقة العرض تشعرك أنك أنت البطل، وأن ما يجري أمامك هو نسج من الحقيقة  والخيال، وأنت من يستطيع أن يخلق معنى لهذا المزج السردي القصير، وهو خلق خاص بك فقط. ومن خلال بث الحياة في هذه الصور، يروي المخرج الإيراني القصص الكامنة وراءها ، وقد كتب كياروستامي في ملاحظاته  المرافقة للعمل “أتساءل دوما إلى أي حد يسعى الفنانون إلى تمثيل الواقع. فالرسامون والمصورون يلتقطون صورة واحدة من دون ان يلتقطوا ما حصل قبلها و بعدها. في إطار (24 فرايمز) قررت ان استخدم الصور التي التقطها في السنوات الأخيرة وأضيف إليها ما تصورت انه حدث قبل هذه اللحظات الملتقطة أو بعدها”.

غالبية “الأبطال” في الفيلم هم من الحيوانات ،فيصور كياروستامي بقرة تستيقظ من قيلولة على شاطئ قبيل صعود المد. ويظهر ظبية تصيبها طلقة صياد وعصفور يستريح على حطب أشجار يقرر الطيران أخيرا بعد قطع شجرتين تقعان وراءه ، وفي هذين الإطارين الأخيرين يظهر الإنسان بطابعه المدمر.  يتضمن الفيلم 24 مشهداً يحوي كل منها على صورة ثابتة قام المخرج بالتقاطها ومن ثم تتحول كل صورة ثابتة إلى صورة متحركة بواسطة المؤثرات الرقمية بطريقة غريبة ومميزة تجعل من المشاهدين يدخلون عالماً آخر من الغرابة والذهول. إن مقارنة الأفلام القصيرة في ( 24 اطار ) بالقصائد ربما يكون بسيطاً ، رغم أنه ملائم لرجل كان أيضاً شاعراً غزير الإنتاج. هناك لقطة تقتنص غزال أو طائر نورس ، ولقطة أخرى تصطاد طائرًا ، علمًا أسود يسقط على شاطئ. ويبلغ هذا المظهر المتكرر للموت أو الانهيار ذروته في الإطار قبل الأخير ، حيث تقف شجرتان عارية خلف كومة من الحطب ؛ يعلو صوت المنشار بصوت أشد ، حتى تسقط الشجرتان ، واحدة تلو الأخرى ، وتقلع. أحيانًا ينقل الصوت  لنا ما يحدث والذي لا نستطيع رؤيته ، كما هو الحال مع المنشار ، أو مع إطار يبدأ بظلال ناعمة ضد نافذة مصفرة ، مصحوبة بأصوات شخص ما يفتح بابًا ويدخل غرفة ، الموسيقى تدعم أو  تساند المعنى او القيمة  الانسانية للصور.

 هذه الظروف تعطي وزناً إضافياً للصور المتكررة للموت ، إلى الوجود المثير للغربان  ورمزية الموت في اكثر من صورة ظهرت في لوحات كيارارستمي . أما الإطار الأخير فمكرس للسينما.  وفي هذا ألاطار رسالة أخيرة حرص السينمائي الإيراني على توجيهها،  يتطرق الإطار النهائي لوحده مباشرة إلى السينما  اللقطة الأخيرة لفيلم (أفضل سنوات حياتنا) الذي أنتج عام  (1946) ، وهي قبلة بين تيريزا رايت ودانا أندروز ، تظهر على شاشة الكمبيوتر في غرفة مظلمة. امرأة معلقة على المكتب أمامها ، شعرها الأسود في حالة من الفوضى. الشاشة أمام نافذة كبيرة ، مما يدل على الأشجار في الليل والانحناء في الرياح. تباطأ القبلة – تمتد بضع ثوان إلى أربع دقائق – يبدو الأمر كأنه صورة ثابتة: وجه رايت المشع مغطى بقبعة كبيرة ، تحولت صورة أندروز بعيداً عن الكاميرا. يجتمعون بشكل غير محسوس ، مع سقوط قبعتها في ذروتها.   فيما الصورة التي تتحرك بطء شديد تظهر فيلما هوليووديا يتبادل فيه رجل وامرأة قبلة في النهاية، ومع بروز كلمة “النهاية” على الشاشة تعلو أنغام أغنية “لوف نيفير دايز″ (الحب لا يموت أبدا)   وكلمات الاغنية المرافقة للوحة رقم 24 في الاطار الاخير لها دلالات كبيرة و توجز فلسفة ” كياروستمي ” ونطرته للحب و الموت ، ومن كلماتها:

من يعلم متى يبدا الحب ؟

من يعلم من الذي يجعله يبدأ؟

في يوم ما سيظهر ببساطة

حيًاّ داخل قلبك

سيتسلل داخل افكارك

ويتغلغل بين روحك

سيفاجئك على حين غرة

ومن ثم يسيطر عليك

الحب يمنحك المتعة

والحب يمنحك الوجع

وعندما يزولان

فان الحب سيبقى

وحلما يبدأ الكلام

فالحب سيصبح ملكك

الحب لايموت أبدا

الحب لايتغير ابدا

 قد تنكسر القلوب

لكن الحب يدوم

قد تنكسر القلوب

لكن الحب لايموت أبدا

الحب سيستمر

الحب سيبقى ينبض

عندما تموت

فالحب لن يموت

حالما يصبح داخلك

فالحياة قد تصبح عابرة

والحب سيستمر بالوجود

المخرج العبقري الراحل عباس كياروستمي قدم اعماله  خارج إيران بالإضافة إلى قيامه بااخراج عدد من الأفلام الوثائقية والأفلام التجريبية. كما أنشأ منشآت فنية ، وكتب شعرًا  ودرّس دروسا في صناعة الأفلام في جميع أنحاء العالم وأبرزها شغفه بالتصوير الطبيعي .  في هذه التحفة الفنية ( 24إطار)  يقدم شاعر الـ”هايكو” السينمائي ( عباس  كياروستمي )  ولوحات و لقطات بسيطة بعيدة عن التأنق بوصف الحدث أو المنظر بعفوية ومن دون تدبر أو تفكيرا، تماما كما يفعل الطفل الصغير ، يعرف المخرج الحاذق الأحاسيس، المشاعر والانطباعات المتدفقة ويعرف كيف يصبها في قالب مكون من أربع وعشرين إطارا. وأعتبره “تحفة” سينمائية  لكل العصور- ألم يقل المخرج والمفكر السينمائي الفرنسي الكبير جان لوك جودار ” إن رواية السينما تبدأ من عند المخرج الأمريكي الكبير أورسون ويلز وتنتهي عند عباس كياروستامي” .

(24 إطار) هو فيلم ظهر بعد رحيل المخرج  كياروستمي ، كان قد عمل عليه على مدى ثلاث سنوات ، عندما توفي في عام 2016 ،  تم إكماله و الانتهاء من الفيلم  تحت إشراف  نجل المخرج ( أحمد كياروستمي) .

وكانت”شهادة” أو “وصية” كياروستامي الأخيرة بأن السينما ليست مجرد وسيلة للإمتاع والترفيه فحسب بل هي وقبل أي شييء آخر، “أداة تأمل وتفكير” تفلسف حياتنا، وهي تطرح “تساؤلات” الوجود الكبرى . فيلم كياروستامي لا يحكي قصة بل يفتح مع كل كادر أو لقطة نافذة يطل منها على الطبيعة،الريح والناس والعصافير، والبحر الكبير والشجر وحركة وتحولات الكون والحياة، كما يستخدم بعض الصور الفوتوغرافية- كان كياروستامي مصورا فوتوغرافيا فذا أيضا – التي التقطها في حياته لينفخ فيها من حياته ويجعلها تتحرك على الشاشة، فمثلا اذا كان في الصورة مدخنة فانه يجعل الدخان يتصاعد منها، ويجعل حيوانات، مثل كلاب وعصافير وأبقار، تتسرب الى داخل الصورة الثابتة وتتحرك داخلها. في محاولة منه لاستكشاف اللحظة السابقة على التقاط الصورة أو الكادر، واللحظة التالية أيضا على التقاط الصورة، وعلى اعتبار- وهكذا كان يفكر كياروستامي أو ربما كان هكذا يفكر وهو يصنع فيلمه الأخير – ان سر الحياة في صيرورتها أو ديمومتها أو استمراريتها قبل وأثناء وبعد التقاط الصورة، وليس فقط في الصورة أو الكادر الواحد الماثل أمامنا على الشاشة، وكأن وظيفة السينما هي في تحريك الثابت ومنحه روحا جديدة من روح الحياة ذاتها، وديمومتها، ضد الفناء والاندثار والموت والعدم. كل هذا يتغذى على  الشاعرية وصوت الموسيقى الاوبرالية الراقية عن قرب ، وضع كياروستامي كاميرته في المكان الذي تتقاطع فيه الحقيقة والخيال واستحضرت شيئًا فريدًا تمامًا من العلاقة. إنه نوع العمل الذي يتركك تتساءل ، لأسابيع ، ما هو الغرض الأعمق من صناعة الأفلام ؟؟.

فقد خلق  كياروستمي “هايكو” سينمائية جديدة، كان ختامها أن الحب لا يموت أبدًا، ولربما كان المقصود هو حب كياروستمي للسينما. شكل عرض فيلم “24 فريمز” (24 اطارا) الشاعري لعباس كياروستامي بعد وفاته العام الماضي عن 76 عاما وداعا مؤثرا للسينمائي الإيراني للفن السابع. برحيل  عباس كياروستي  مساء الإثنين، 4 تموز/ يوليو 2016  يعني غياب ركيزة فنية أغنت الفن السينمائي بالفن البصري. حقاّ، ألمخرج ألايراني “عباس كياروستامي”  أكثر من صانع أفلام عظيم. كان عملاقًا فنيًا يتجاوز عمله السينمائي وثقافة إيران.

علي المسعود

المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here