علي المسعود: “الحرب التي لا تراها” تاريخ في تورط الصحافة ووسائل الإعلام الرئيسية  في صناعة الحروب

علي المسعود

“الحرب التي لا تراها ” فيلم وثائقي بريطاني أنتج  في عام 2010 ، وكان من تأليف وإخراج “جون بيلجر ” مع “آلان لوري”، الفيلم يكشف حقائق عن وسائل الإعلام والدور الذي لعبته في الصراع في العراق وأفغانستان وإسرائيل / فلسطين . هو عبارة عن تحقيق قوي وفي الوقت المناسب في دور وسائل الإعلام في الحرب ، وكذالك يلاحق تاريخ التقارير المضمنة (الغير نزيهة)، والمستقلة منذ مذبحة الحرب العالمية الأولى إلى تدمير هيروشيما، ومن غزو فيتنام إلى الحرب الحالية في أفغانستان والكوارث في العراق. ونكتشف فيها حقيقة وهي ، عندما تصبح الأسلحة والدعاية أكثر تطوراً ، تتطور طبيعة الحرب إلى ساحة معركة إلكترونية يلعب فيها الصحفيون دورًا رئيسيًا ، ويكون المدنيون هم الضحايا، ولكن من هو العدو الحقيقي؟ يقول المخرج والصحفي” جون بيلجر” في الفيلم: “نحن الصحفيون … يجب أن نتحلى بالشجاعة الكافية لتحدي أولئك الذين يسعون إلى تواطؤنا في بيع أحدث مغامراتهم الدموية في بلد شخص آخر، وهذا يعني دائمًا تحدي القصة الرسمية، مهما كانت تلك القصة وطنية قد تظهر، لأن الدعاية تعتمد علينا في وسائل الإعلام لتوجيه خداعها ليس إلى بلد بعيد بل عن منزلك، في هذا العصر من الحرب الامبريالية التي ليس لها نهاية ، تعمتد حياة الالاف من الناس من الرجال و الاطفال والنساء على نقل الحدث بامانة وعلى الحقيقة ، وأن لا ستذهب دماءهم وحياتهم هدرأّ، وعلى الصحفيين أو الاعلاميين أولئك الذين مهمتهم نقل الحقيقة و ايصالها الى العالم، وأن يكونوا صوت الناس وليس صوت السلطة . في عصر الحرب الإمبريالية التي لا نهاية لها ، تعتمد حياة عدد لا يحصى من الرجال والنساء والأطفال على الحقيقة  يجب أن يكونوا صوت الناس” ، لن أراجع الفيلم الوثائقي ل(جون بيلجر) “الحرب التي لا تراها” (2010). إنه أبعد من النقد ولكي أكون أمينًا ، فقد كان له تأثير عميق علي . يبدأ الفيلم بتصوير مروع من العراق في عام 2007. حين فتحت طائرة حربية أمريكية من طراز أباتشي النار في أحد شوارع بغداد ، مما أسفر عن مقتل صحفيين  من وكالة أنباء (رويتر) بدم بارد مع مدنيين عراقيين ، لايوجد أي استفزاز – الضحايا كانوا غير مسلحين، أحد أفراد طاقم أباتشي يعلق “لطيف”وهو يقتل الناس على مسافة آمنة، تم تسريب الفيديو إلى “ويكيليكس” بواسطة الجندي برادلي (فيما بعد تشيلسي) مانينغ ، والذي يحمل عنوان “القتل الجانبي”.

 بعدها يعود بنا المخرج “جون بيلجر “الى المذبحة الاولى التي اطلق عليها الحرب العالمية الاولى والتي راح ضحيتها حوالي 16 مليون قتيل و12 مليون جريح، في ذروة تلك المجزرة وخلال حديث رئيس وزراء البريطاني في تلك الفترة (ديفيد لويد جورج) محادثة خاصة مع  رئيس تحرير صحيفة الغارديان”سي بي سكوت”  قال فيها :” لو عرف الناس الحقيقة ستنتهي الحرب غدا، لكنهم بالطبع لا يعرفون ، ولا يمكن ان يعرفوا” في حين كان البريطانيون متعطشين لمعرفة الحقيقة في حينها !. المخرج و الصحفي (جون بيلجر) يوجه اتهامًا أكثر خطورة : “في كثير من الأحيان ، تقوم هيئة الإذاعة البريطانية ، وغيرها بالإبلاغ فقط عن الصراع من منظور أولئك الذين يشنون   الحرب ، وليس أولئك الذين هم في كثير من الأحيان هم الضحايا – المدنيون. وهو يدعي أن “دمج” المراسلين إلى جانب القوات المسلحة في أفضل الأحوال ، يشوه القصة والأسوأ من ذلك ، يجعل وسائل الإعلام الناطقة بلسان الجيش”، في يومنا هذا وفي زمن الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي لدينا نشرة اخبار على مدار الساعة وخلال 24 ساعة، تصريحات السياسين لاتتوقف والحروب كذالك لاتتوقف ، في العراق وفي سوريا واليمن وفي ليبيا وافغانستان ومناطق اخرى وهي مناطق ساخنة، وهذا الفيلم يكشف الحرب التي لاتراها ، ويحقق الفيلم في دور وسائل الاعلام في تلك الحروب وبالتحديد في العراق وافغانستان ، ولماذا يقرعون الصحفيون طبول الحرب بصرف النظر عن اكاذيب الحكومات؟؟. وكيف لجرائم الحرب ان تروى و تبرر؟، ويتطرف الفيلم الى رائد الدعاية الحديثة ( أدوارد بارنيز)، وهو الذي أخترع مصطلح  “العلاقات  العامة “و كتب يقول” التلاعب الذكي بالجماهير هو حكومة خفية ، والتي هي السلطة الحاكمة في بلادنا”.

وكانت لجنة سرية وهي لجنة الاعلام في الولايات المتحدة الامريكية قد انشئت في عام 1917 ، لاقناع الامريكيين المترددين لغرض الانضمام الى الحرب في أوروبا، أداور بارنيز مع والتر ليبمان قصدوا( وودرو ويلسون) – وهو الرئيس الثامن والعشرين للولايات المتحدة من عام 1913 إلى 1921 – وقالا له حسب رواية ستيوارت إيون وهو مؤرخ  إعلامي : “أذا اردت الدخول الى هذه الحرب، علينا ان نبيع هذه الحرب للشعب الامريكي”، وعندها وضع ويلسون خطة وابتكر اوليات الدعاية الحديثة، أفضل طريقة لاقناع الناس هي الاستحواذ على عواطفهم ، ودعونا ان نشغل الناس في اكتشاف الحقيقة ،عن طريق الصدمة وإصابة الناس بالخوف والهلع الشديد!، في الواقع كان عبقريا في تصورها ، ونشروا في الصحف صورة لتمتال الحرية في حالة يرثى لها ومتداعيا في ميناء نيويوك والطائرات الالمانية تحلق حوله..!!. وصورة أخرى  للعالم وهو يسقط بين غوريلا عملاقة يديها ملطخة بالدماء وتعتمر خوذة المانية ، الحقائق ليست مهمة ، أما بالنسبة الى” أداورد بارنيز” فقد حول العلاقات العامة الى ساحة حرب ومعركة على الشعب لغرض التحكم بأرادتهم، فقد تمكن من اقناع النساء في التدخين في كرمز للتحرر، في الوقت الذي كان يعتبر التدخين في الاماكن العامة لا يليق بالسيدات ، وأطلقت عليه الصحافة ( عذاب الحرية)، ونجح في ذالك واصبح التدخين رمزا للمرأة الجديدة أو المراة المتحررة ، ثم يعود بنا المخرج الى العراق وبالتحديد الى 20أذار\ مارس 2003 وحالة خلق الاوهام ، والتجارة بالحروب وقد قطعت شوطا كبيرة منذ عهد ( أدوارد بارنيز)، حقيقة غزو العراق وبيع هذا الغزو بعد أن اعتمد على وسائل الاعلام للترويج لسلسلة من الاوهام و الاكاذيب ، مثل علاقة صدام حسين بهجمات 11 سبتمبر ، وتم استخدام ملصق برج التجارة العالمي بدلا من تمثال الجرية الذي استخدم من قبل “أدوارد بارنيز” لزرع الخوف والهلع في قلوب جموع الشعب الامريكي والتاثير على الرأي العام العالمي، لذا تم الربط بين صدام حسين في العراق وبرج التجارة العالمي في نيويورك في ذهنية المواطن الامريكي، بالرغم أن الحقيقة  التي كشفت أكاذيبهم، وثبت بانه لاتوجد علاقة بين صدام حسين واحداث الحادي عشر من سبتمبر .

بيع” غزو العراق عام 2003 هو محور فيلم جون بيلجر. ويعرض وسائل الإعلام كمصدر للأوهام ، يقول شاهد من وكالة المخابرات المركزية : إن الهدف الرئيسي للمخابرات هو التلاعب بالرأي العام . وفي سلسلة من المقابلات الرائعة، اتفق الصحفيون البارزون في بريطانيا والولايات المتحدة على أنه لو تحدثوا هم وزملاؤهم بدلاً من تضخيم وترديد خداع حكومتهم لربما لم يحدث غزو العراق، المراسل ديفيد يشير – الذي شارك  في حملة الأوبزرفر عن الغزو – إلى “حزمة الأكاذيب التي زودني بها هي حملة تضليل متطورة إلى حد ما” ويوافق على أن الصحفيين مذنبون بارتكاب جرائم حرب.

وزارة الدفاع الامريكي تنفق المليار دولار سنويا  فقط على الدعاية والاعلام، وما يخص التجنيد والاتجار بالحروب ، وزارة الدفاع تربطها عقود مع المؤسسات الاعلامية ، وفيما يخص التحكم بالاخبار، ثمة مسؤولون في وزارة الدفاع الامريكية يتحكمون في نشرات الاخبار لوسائل الاعلام ، حيث تستخدم المخابرات التلاعب بالراي العام ، هناك جنرالات متقاعدون يعملون كمتحدثين رسمين لجميع الشبكات، ودون الكشف عن الشركات العسكرية التي يعملون لصالحها. عند المواجهة مع العراق ، مضت الولايات المتحدة الى الحرب متسلحة ب( إم.إس.إن. بي.سي) والخبراء، بكتابة تقارير، بمعنى أخر تم بيع الهجوم على العراق من قبل (جورج بوش) الابن وكذالك رئيس الوزراء البريطاني  توني بلير من خلال نشر الاكاذيب ، بحيث كانت خطة الغزو مبنية على المبدأ العسكري “الصدمة و الترهيب”، والمصصمة لشل البلاد وتدمير البنى التحتية وموارد المياه و الغذاء ، وأن التاثيرات التدميرية التي اصابت العراق لاتقل عن تاثير القاء القنبلة الذرية على اليابان ، إنه ترويع للناس وتخويفهم على نطاق واسع ، ويتم تغليف كل ذالك عن طريق خداع الناس، قبل بداية الغزو على العراق، وعندها إنظم جيش من الصحفيين مع القوات الامريكية  كجزء من جهود البنتاغون قبل شن الحرب على العراق، وكانت جميع التقارير التي ظهرت عن الحرب جاءت مطابقة للشروط والضوابط التي وضعها وزير الدفاع الامريكي والبنتاغون للصحفيين والأعلاميين المرافقين لدخول القوات الامريكية ، يقول ( برين ويتمان) وهو نائب وزير الدفاع الامريكي في حينها : “خلال دخول القوات الامريكية الى العراق كان هناك 700 صحفي ملحقين مع تشكيلاتنا العسكرية ، وهذا كان مهما لعدة اسباب ، أولا لاننا  إننا سنحارب عدوا كان ماهرا نوعا ما بالتظليل ، وأيضاً  بالمعلومات الخاطئة ،” وهذا برز في كل ما ينشر في الصحف و التي كانت 80-90% ما يقرا في الصحف وينشر في الاعلام مستوحى رسميا مع سياسية البنتاغون، لانه لوكان العكس مثلا إنتقد جهاز المخابرات أو نشر حقيقة الحرب ، فسوف يخسرون مصادرهم ، ولو إنتقدوا وزارة الدفاع ، فسوف يغدو من الصعب الوصول الى وزارة الدفاع مرة أخرى، واظن أن بعض الصحفيين يريدون ان يصبحوا جزء من اللعبة بأرادتهم!!. مثلا أذيع  في بداية الاحتلال ان مدينة البصرة احتلت اكثر من 17 مرة قبل سقوطها فعلا!. بالرغم ان الاعلام البريطاني كان يروج لرئيس الوزراء توني بلير بان حربه في العراق سوف تكون بيضاء و بلا دماء، في حين أن تلك الحرب قد تركت اكثر من ( 740000)  إمراة أرملة وأضطرار حوالي 4.5 مليون شخص نازح تركوا منازلهم واصبحوا لاجئين وهم في بلدهم؟!!، وبسبب تلك الحرب حسب وثائق الامم المتحدة ، (إنها الحرب التي لاتراها) وتلك هي الحقيقة التي أغلفها الاعلام المضلل، كذالك تجاهل إستخدام الاسلحة الفتاكة إثناء تلك الحرب مثل استخدام ( أم القنابل) او صواريخ ( كروز) وكذالك قصف الطائرات اف 18  أو – اي 10 – او مايطلق عليها ( الخنزيرالبري) ، تلك هي الحرب التي لا تراها في العراق أو بالاحرى الحقيقة التي لاتراها في العراق؟، وبالنتيجة هي خسائر كبيرة في صفوف المدنيين من جراء احتلال هذا البلد.

كشف الفيلم في عام 2004 وخلال غزو قوات من” مشاة البحرية الامريكية ” المارينز” مدينة الفلوجة مرتين، والمرة الثانية كانت بصحبة القوات البريطانية، أنتشر الكابوس، ودمرت المدينة بالكامل بعد أن جعل الامريكيين من المدينة منطقة قصف عشوائي، أفادت الامم المتحدة في تقريرها بأن 70% من المنازل دمرت وقتل الالاف من المواطنين الابرياء ، لم تعرض القنوات التلفزيونية الامريكية ولا البريطانية هذا الدمار ولا الصحافة كشفت حجم الخراب الذي لحق بالمدينة ، ولم يعرف المشاهد حجم المعاناة للناس العاديين، رغم انه هناك مصوريين ومخرجيين شجعان حاولوا نقل الحقيقة ولكنهم لم يحصلوا على فرصة للعرض، وعندما دخل الصحفي الامريكي ( ظاهر جميل ) الى الفلوجة بشكل مستقل ، كشف استخدام الامريكان للفسفور الابيض في االهجوم على المدنيين وتلك الشهادة لم تنشر في وسائل الاعلام الامريكي الرئيسية ، مما اضطر ألآلاف الى النزوح من مدينتهم تاركين منازلهم ومصادر رزقهم واللجوء الى باقي المحافظات!!، ومايزال الكثيرين غير قادرين بالعودة الى ديارهم. ماحدث في العراق جريمة كبرى لفداحة وفضاعة الخروقات الانسانية بحق المدنيين، إنها جريمة على نطاق واسع، وهذا يجعل الصحفي الغير نزيهه متواطئ مع قوات الاحتلال، هذه الحرب التي تم تدبيرها حصرا من اجل النفط وامتلاك موارد الشعوب، والسيطرة على موارد تلك البلدان، ونفس الشئ حدث مع  القوات البريطانية التي انفضحت بحادثة ( بهاء موسى) وهو من اهالي البصرة، والتي أضيفت الي سجل الممارسات اللاأخلاقية التي قام بها جنود بريطانيين ضد سجناء عراقيين حيث وافقت وزارة الدفاع البريطانية علي تسوية مرضية واقفال ملف السجين بهاء موسي الذي توفي في اثناء الاعتقال بعد تعرضه لـ 93 جرحا وتوقف اعضائه الحيوية ومات مختنقا بسبب التعذيب عام 2003، اي بعد اشهر من تحرير البريطانيين لمدينة البصرة وسقوط نظام صدام حسين . ولذالك نشا مبدأ “التضمين” اي خلق صحافة واعلام ضمن جيوش الاحتلال وهم يقولون وينقلون وجهة النظر للقوات العسكرية الغازية ولذا انت لاتسمع ولا ترى وجهة النظر المعاكسة للمدنيين ، ولناخذ مثلا القوات البريطانية في العراق التي قامت بالكثير من الخروقات ، وقتلوا المئات من المدنيين في البصرة، عندما كانت المدينة تحت مسؤوليتهم، قاموا بالاعمال بالاعمال الاكثر وحشية حتى وصلت الى حد الاعتداءات الجنسية ، لكن الصحافة ( المضمنة) و التي تسير وفق سياسية العسكرية لم تكن قريبة من تلك الاحداث، ولم تكن قريبة من الضحايا في نقل معاناتهم ونقل قصة أولئك العراقيين  وهذه هي” الحرب التي لا تراها” .

في حرب فيتنام، كان 70% من مجموع  الضحايا كانوا من المدنيين ، في حين حرب العراق ، وصل حساب المدنيين لاكثر من 90% من كل الوفيات !!. رغم انهم يعرفون أن ميثاق الامم المتحدة و في بند من بنوده، حسب اتفاقية جنييف الرابعة لعام 1949، ينص على 🙁 قتل المدنيين و التسبب المتعمد في معاناة كبيرة لهم هو جريمة حرب)، ورغم أن صور الجثث المرصوفة من جراء القصف أو الاشلاء المتتاثرة من المدنيين الضحايا، لكن المشاهد البريطاني أوالامريكي ليس لديهم إدراك حقيقي للاعمال الوحشية بهذا الشكل، اما عن سبب عدم اهتمام المشاهدين في  تلك الدول لهذه المناظر المؤلمة، ربما لانهم يجهلون اسماءهم أوعددهم أو حتى ارقامهم لهؤلاء الضحايا، والسبب ربما – وهذا الشئ المهم – الاعلام المضلل قد وسم صورة الارهاب على وجوه الضحايا!، وبالتالي فهم لايبالون بالامر، انهم مجرد ارقام، سواءأ كانوا من العراقيين أوالافغان اوالفلسطينين. وأعتقد ان الصحافة والاعلام يحاول التقليل من تلك الجرائم و بهذا يتآمرعلى عقلية المشاهد عندما يقوم بالتقليل من أهمية المذابح التي حدثت في العراق وافغانستان، وهذا يتفق بما أسماه الكاتب والاكاديمي الامريكي الكبير( إد هيرمان)، ب” ضحايا مهمة ، وضحايا غير مهمة” فالضحايا العراقيين غير مهمين، لذا يجب التقليل من شان وفاتهم، لذا لا يسلط عليهم الاعلام والصحافة الضوء، ولا يشار لها في الصحافة او التلفزيون البريطاني أو الامريكي لانهم “ضمنين “وهم أداوات لماكنة القتل ومن يريد ان يخرج من تلك الدائرة سوف يجابه بالرفض وعدم وجود مكان للنشر في  الصحافة والاعلام الواقع تحت سيطرة  “روبرت مردوخ” إمبراطور الإعلام الذي يتعامل مع الأحداث والأخبار في وسائل إعلامه كبضاعة يقوم بتسييسها وتسويقها لتحقيق التأثير السياسي والربح المادي في وقت واحد دون اعتبار للجانب الأخلاقي ، لذا فان الشعب البريطاني اوالامريكي لدية فكرة ضئيلة عن حجم الخسائر للمدنيين في تلك الحروب ، ونفس الشئ يحدث ، بحيث اذا وضعت أية صحيفة في تلك الدول توصيفا للاحتلال الاسرائيلي ، أو وجهت أي إنتقاد الى إسرائيل ، فهذا ينطوى على إشكالية ويسبب الصداع للصحيفة أوالصحفي، ويتهم ب”معاداة السامية”. اما امتيازات الصحفي الذي يتغاضى عن نقل الحقيقة ( الضمني) والذي ينقل وجهة النظر الحكومية  فهي عديدة، مثل مرافقة المسؤليين الحكوميين في زياراتهم أو سفراتهم ، أو تكون له الاولوية في إجراء اللقاءات الصحفية مع المسؤوليين والعسكريين.

كان صعود الرئيس باراك اوباما الى الحكم  في عام  2008 احدى السمات المهمة في بداية القرن ال21 ، وكان شعار حملته الانتخابة ” التغيير يمكننا الايمان به” وهو العلامة التجارية التي قدمت شيئا خاصا ومختلفا في سيرك انتخابات الرئاسة الامريكية ، فهو انتخب في عام 2008 مسوقا من قبل كل من الشركات أبل، نايكي وشركة بيرة كورس، وجعل العديد من الناس يشعرون بالارتياح  ومرتاحين لهذا التغير وكان معارضا للحرب وكان يعتبرها خطأّ ماساويا ، لكن ذالك كان إدعاءاّ زائفاّ، بصفته كرئيس للولايات المتحدة الامريكية لم يقوم بسحب القوات الامريكية من العراق وافغانستان، ودعم العمليات العسكرية الامريكية في كل من العراق وافغانستان واليمن، ووافق على تخصيص ميزانية وقدرها 708 مليار دولار، وهو اكثر الرؤوساء الذين قاضوا ولاحقوا الصحفيين الذي ارداو نقل الحقيقة والمعروفين باسم ( كاشفي الفساد)، مثل موقع “ويكيليكس” وهي منظمة من كاشفي الفساد على الانترنيت ، وهي مستقلة ولاتحمل جنسية وإنها تمثل نقطة تحول في الصحافة المستقلة ، اصدرت ويكيليكس مئات ألالاف من الوثائق السرية عن البنتاغون، والتي تصف قتل المدنيين بالجملة في العراق و افغانستان، ومنذ الكشف عن تلك المعلومات تعرض رئيس تحريرها ( جوليا اسانج) الى الاساءة والتشهير واتهامات باطلة مصدرها السويد والولايات المتحدة الامريكية، وحاولت الاستخبارات الامريكية تهديده بالملاحقة الجنائية ، جوليان أسانج هو صحفي وناشط ومبرمج أسترالي، أسس موقع ويكيليكس ويرأس تحريره، حاصل على العديد من الجوائز الصحافية والحقوقية منها جائزة من منظمة العفو الدولية في 2009 ومرشح لجائزة نوبل للسلام عام 2019 ، كان أسانج هاكر عندما كان مراهقا ، ثم مبرمج كمبيوتر قبل أن يصبح معروفا لعمله مع ويكيليكس، وجعل ظهوره العلني في جميع أنحاء العالم للتحدث عن حرية الصحافة والرقابة، والصحافة الاستقصائية، أصبحت ويكيليكس معروفة عالميا في عام 2010 عندما بدأ في نشر وثائق عسكرية ودبلوماسية عن الولايات المتحدة بمساعدة من شركائها في وسائل الإعلام، صدر بحقه أمر الاعتقال الأوروبي في استجابة لطلب الشرطة السويدية لاستجوابه فيما يتعلق بتحقيق في تهمة الاعتداء الجنسي، أعتقل أسانج في بريطانيا في 7 ديسمبر 2010 بموجب مذكرة توقيف دولية صادرة عن القضاء السويدي بتهمة إغتصاب وتحرش جنسي .

و قامت الولايات المتحدة بملاحقة وتهديد “جوليان أسانج ” رداً على نشر موقع ويكيليكس مذكرات دبلوماسية أمريكية سرية أثارت حرجاً للولايات المتحدة والعديد من الدول، حكم القضاء البريطاني بتسليمه إلى السويد في فبراير 2012، فقدم اعتراضاً إلى محكمة أخرى رفضته، فلجأ إلى المحكمة العليا للمملكة المتحدة، فحكمت في 30 مايو 2012 بتسليمه إلى السويد، وكان له الحق الطعن في هذا القرار أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.  لكنه فضل عدم الرجوع إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ولجأ في 19 يونيو 2012 إلى سفارة الإكوادور في لندن وطلب اللجوء السياسي ، بعد سبعة أعوام من اللجوء إلى سفارة الإكوادور في لندن ، سحب رئيس الإكوادور لينين مورينو حق اللجوء من جوليان أسانج، مؤسس ويكيليكس، مما أتاح للشرطة البريطانية القبض عليه، وفي المحصلة يمكن القول أن النخبة البريطانية أوالامريكية لاتريد للجمهور أن يعرف حقيقة الحرب و ما يجري من خروقات وإنتهاكات لاإنسانية وحتى انهم يعتقدون بانه ليس لهم الحق ان يطلعوا أو يعرفوا ما يجري وما يقومون به من أفعال ، لانهم على يقين بانه لو عرفوا او علموا بالحقيقة، لكان من الصعب عليهم المضي قدما في السياسات التي قد تشكل إنتهاكا لحقوق الانسان أو تتضمن دعم الانظمة الديكتاتورية القمعية في العالم ، لذالك هناك حملات اعلامية ودعائية تسبق أي تدخل في الخارج او شن الحرب لغرض إقناع الرأي العام بانهم يتصرفون لتحقيق أسمى النوايا النبيلة ، ولكنهم في الحقيقة يتصرفون لحماية مصالح النخبة و السيطرة على النفظ و مصادر الطاقة ، لذا ثمن حرية الراي واستقلال الصحفي هو حياته ، مثل الصحفي ( تيري لويد ) مراسل ال(أي. تي .أن) الذي أردي قتيلا في العراق من قبل مشاة البحرية الامريكية . ومنذ الغزو الامريكي على العراق ، أكثر  300 من صحفي قتلوا ، وهذا الرقم أكثر من أي حرب أخرى .

هذا الفيلم  قدمه الكاتب و المخرج ” جون بيلجر” كان إجلالا و تقديرا للصحفين الذين قدموا حياتهم ثمنا لنشر الحقيقة ووصولها الى المشاهد . تم عرض الفيلم في 13 ديسمبر 2010 ، وتم بثه عبر قناة (أي. تي . في1) البريطانية في 14 ديسمبر من عام 2010 و بعد ذالك تم عرضه ، في أستراليا في 10 أبريل 2011. تم حظر هذا الفيلم في الولايات المتحدة الأمريكية.

“جون بيلجر” هو مراسل حرب حائز على العديد من الجوائز ومخرج سينمائي ومؤلف ، من أول فيلم وثائقي عن حرب فيتنامتميز بمواقفه الجرئية و الشجاعة ، له فلمان وثائقيان لمناصرة القصية الفلسطينة وهما بنفس العنوان ، وهو “فلسطين لا تزال القضية”. فيلمه”الحرب التي لا تراها” ليس استثناءً، إنه يشكك في دور وسائل الإعلام في التحضير للحروب في أفغانستان والعراق. كما أنه يشكك في التغطية التي نراها اليوم على إيران ويسأل عما إذا كانت هذه الأخطاء تتكرر. إنه فيلم رائع ومثالي ، وأؤكد لك شخصياً أن هذا هو الفيلم الأكثر إلهامًا واستفزازًا للفكر، وهو أيضًا الفيلم الأكثر إثارة للمشاعر والألم والخوف الذي ستشاهده على الإطلاق . “الحرب التي لا تراها ” هو بسهولة الفيلم الأكثر أهمية خلال السنوات العشر الماضية ، وأؤكد أن الفيلم الوثائقي الأكثر أهمية في كل العصور. لإن القضايا التي أثيرت في هذا الفيلم مهمة للغاية، إنه تاريخ من تورط الصحافة ووسائل الإعلام الرئيسية في صنع الحروب.

علي المسعود

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. عرض جميل لموضوع على قدر كبير من الأهمية و يشكل وكثيفة مهمة لتعرية الصحافة المسيسة و في نفس الوقت اشادة بالمواقف البطولية للصحفيين في نقلهم حقيقة ما يجري في العراق و فلسطين واليمن و أفغانستان . تحية للكاتب علي المسعود وشكرا لصحيفة رأي اليوم على النشر .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here