علي المسعود: (الاحتجاج الهادئ) في افلام المخرج الكردي “بهمن قبادي”

علي المسعود

فرضت الاعمال الكردية في السنوات الاخيرة نفسها على النقاد وكذالك المهرجانات السينمائية ، نطرا الى المواضيع الواقعية والمؤثرة والسمات الجمالية، وفي كتابه ( السينما الكردية ) يؤرخ  الكاتب السوداني إبراهيم الحاج عبدي السينما الكردية ويعتبر حصول فيلم “الطريق” للمخرج ” بلماز غوني ” على السعفة الذهبية في مهرجان  كان السينمائي في عام 1982 هوالبداية الحقيقية للسينما الكردية، ذلك لأن وصول فيلم كردي لمنصة تتويج مهرجان سينمائي من أرفع مهرجانات العالم فتح عيون النخبة الكردية على سحر الفن السابع؛ خاصة أن مخرج الفيلم قدم عملا مثقلا بالهموم والهواجس التي كانت تشغل بال الأكراد آنذاك. أما عن بدايات السينما الكردية، فأرجعها الكتاب لمطلع عشرينيات القرن الماضي تحديدا عقب الثورة البلشفية (الثورة الروسية عام 1917) حينما بدأ السينمائيون السوفييت بتأسيس سينماهم القومية، وفي مقدمة هؤلاء كان المخرج آمو بيك نزاريان الذي قدم أول فيلم عن الأكراد بعنوان “زاريا.

ومنذ هذه البداية المتأخرة التي جاءت بعد قرن من اكتشاف شعوب العالم للسينما، شرع الأكراد في استخدام اللغة البصرية وكأنهم أرادوا تعويض ما فاتهم من تأخير، فانهمكوا في ترجمة كل مهاراتهم وإبداعاتهم لأعمال سينمائية، معتمدين في ذلك على تراثهم الثري بقصص الحب واللوعة والبطولة والشجاعة، فضلا عن حكايات المآسي والاضطهاد؛ فتحقق للسينما الكردية حضور لافت في العقدين الأخيرين. ومن أبرز العوامل التي دعمت تلك الانطلاقة، وفقا للكتاب، استقرار إقليم كردستان مع انتهاء الحرب التي أخرجت قوات النظام العراقي من الكويت، ففي أعقاب هذه الحرب تمتع الأكراد بشيء من الاستقلالية، وراحت الصحافة والسينما والفضائيات تزدهر في إقليم فتي متعطش لإنجاز قفزات نوعية في مجالات الفنون. أما المورخ والناقد السينمائي مهدي عباس اشار  في كتابه ( أفلام كردية ) إلى إن السينما الكردية لم تقتصر على نضال الشعب الكردي، بل تعدتها إلى معالجة الظواهر والمشاكل الاجتماعية والقبلية، وخصوصا المرأة الكردية. واستعان مسؤولوا السينما في الإقليم بخبرات إيرانية وتركية، فضلا عن الخبرات الأجنبية في المجال التقني، ووسط كل ذلك ساهمت أجواء الحرية والانفتاح في طرح أفكار وموضوعات أغنت السينما من ناحية المضمون بعد سنوات من الغياب القسري .

ومع ذلك فقد ولدت السينما الكوردية , لتحيا وتنمو في بيئة تعسفية غير ملائمة, وسرعان ما شقت طريقها بفضل تضحيات مخرجين شجعان موهوبين ساروا بها إلى العالمية, وأصبحوا أسماء لامعة يتردد صداها في كبريات مهرجانات السينما العالمية, ليحصدوا منها أثمن الجوائز، بعكس المبدعين الكورد الذين لم تتوفر لهم من الإمكانيات والشروط غير الكفاف, لينجزوا بها أعمالهم الرائعة. من هؤلاء المبدعين المخرج( بهمن قبادي) الذي ذاع صيته ولمع نجمه في السنوات الأخيرة , في الأوساط الكوردية والإيرانية والعالمية, فكيف كانت انطلاقته في عالم السينما. “، يعتبر المخرج  الكردي الإيراني (بهمن قوبادي) من أشهر السينمائيين في إيران، بل ولعله أهم السينمائيين الأكراد على الإطلاق، لما يتميز به من حس فني رفيع مدهش، وقدرة على التعبير عن قسوة الواقع الذي يعيشه الأكراد بصورة بصرية مليئة بالتفاصيل المثيرة للتأمل والدهشة .

أخرج قوبادي عدة أفلام لفتت الأنظار بقوة إلى الموهبة السينمائية الكبيرة التي يتمتع بها  وهي “زمن الجياد المخمورة” وفيلم  “السلاحف يمكن أن تطير”   والفيلم الثالث “معزولون في العراق” أما فيلمه الرابع الذي كان بعنوان ( نصف القمر ) والذي عرض في مهرجان نوتردام وكذالك فيلم ( موسم الكركدن ),  أما فيلمه الاخير «لا أحد يعرف شيئا عن القطط الفارسية او لا أحد يعرف اسرار القطط الفارسية (حسب الترجمة الفرنسية). هذا الفيلم  تحليل للمجتمع الايراني، من خلال الفرق الشعبية الشبابية، التي تقدم نماذج غربية، ومتنوعة من الالحان والانغام، التي يتصورها البعض «ممنوعة و«مرفوضة أو نوع من «العيب وهي عكس ذلك، موسيقى تعبّر عن نبض الشباب بايقاعهم وقضاياهم. المخرج (بهمن قوبادي) هو من مواليد 1969 في ((باناه)) وهي مدينة صغيرة، على الحدود الايرانية – العراقية، وهو من اصول كردية ايرانية، حينما كان في الثانية عشرة من عمره، اضطر الى الرحيل مع اسرته من مدينته الى ساندراج وهناك درس التصوير وأيضا الاخراج السينمائي في كلية البث وصور مجموعة من الافلام القصيرة عبر حكايات الشعب الكردي، واجه المخرج  عدة  مشاكل تتعلق بالسياسة اعترضت سبيله كونه يعيش في بلد كإيران لا ترحب فيه سلطات الملالي بحرية التعبير، بينما حلمه هو خلق سينما كوردية حقيقية, فهو يرى إن السينما الكوردية امرأة حامل ينبغي مساعدتها حتى تخرج من المخاض وليس بوسعنا أن نتركها تموت.

وهذا يفسر موقف السلطات الحاكمة من محاربة السينما الكوردية , فالسماح لها يعني السماح بتداول اللغة والصورة والموسيقى الكوردية , أي السماح بالتعبير عن الهوية الكوردية التي ينكرون وجودها , السلطات الإيرانية منعت عرض فيلم “نصف القمر”   في إيران في أول حالة من نوعها لفيلم من أفلام قوبادي، بل وحظرت عليه إخراج الأفلام.

أما سببب منع الفيلم فيعود إلى أن السلطات اعتبرته يدعو إلى “الانفصال” أي انفصال الأكراد عن إيران، وهو اتهام ينفيه ، ومن هنا تأتي محاولاتهم المستمرة في خلق الصعوبات أمام السينمائيين الكورد, لمنع ميلاد سينما كوردية تستطيع نقل صورة الواقع الكوردي إلى المحافل الدولية. في أعماله يطرح المخرج  الكردي المبدع ” بهمن قبادي”الهوية الكردية في سياق إنساني جميل وعظيم. انها محاولة للتعريف بمخرج كبير وضع الكرد  وقضيتهم في قلبه وعقله. انه  المخرج  الجميل بهمن قوبادي، الذي هو من يختار الممثلين و هو الذي يكتب النص و يخرجه وهو بنفسه يشرف على عملية التوزيع ، وهذ الامور تاخذ ما يعادل 95% من جهدة و يبقى فقط 5% لللابداع حسب قوله في جلسة نقاش عن الافلام الكردية في مهرجان سبق وإن عقد في فرنسا.

المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. شكرا لك عزيزي يزيد السبهللي على متابعتك وقراءتك الرائعة , وأسعدني إعجابك بالمقال، وسوف يكون مقالي القادم عن أحد افلام المخرج ” بهمن قبادي” وهو فيلم من صميم الحياة مصهور بالمعاناة الإنسانية لشعب كردستان الجبار. تقبل محبتي و تقديري

  2. روعة هذا التلخيص الفريد للفن السينمائي الكردي الذي نجهل الكثير عنه!

  3. روعة سردية عن السينما الكردية وكفاحها المتواصل لتحقيق طموحتها رغما عن التجاهل والصعوبات الجمة وهذا المقال الشيق يكمل ما سبق وكتبه مهند النابلسي حديثا عن فيلم “زمن الخيول المخمورة” فشكرا للمبدع علي مسعود على هذا التكامل الغير مقصود والذي يسمو بالكتابة السينمائية العربية لآفاق ابداعية جديدة خلاقة…

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here