علي المسعود: إضاءة جديدة لفيلم “الفراشة” ألذي جسد قيم الحرية والاصرار والعزيمة!

علي المسعود

كلما غاص العمل السينمائي في أعماق الواقع وأغوار النفس الإنسانية بجرأة ازدادت قدرته على التأثير في مشاهديه، وكلما أثارالرغبة في التفكير والتأمل بقى في الذاكرة وكتب لنفسه شهادة البقاء، ومثال على ذالك الفيلم السينماتي التحفة (الفراشة)،  ألماخوذ من رواية ( بابيلون) ل (هنري شاريير). تنتمي رواية الفراشة إلى أدب السجون، وهي السيرة الذاتية لمحكوم سابق (الفرنسي هنري شاريير) المولود في 16 نوفمبر 1906 بمنطقة أرديش الفرنسية، والذي توفي في 29 يونيو 1973 بإسبانيا، وخلال حياته، وثق شاريير تجربته في السجون الفرنسية، والرواية تحمل اسم الشخصية الرئيسية، الذي يحاول الهرب من كل سجن وضع فيه، حتى بلغ مجموعها تسع محاولات، كلها باءت بالفشل .

القصه قام بكتابتها الكاتب الفرنسى ” هنري شاريير ” وهى قصة واقعية جرت احداثها لكاتب القصة عندما كان مسجونا فى ( غينيا الفرنسيه)  في جزيرة الشيطان، وجزيرة الشيطان هذه عبارة عن صخرة واحدة ضخمة مساحتها 34 فدانا، و19 مترا فوق سطح البحر، تحيط بها بعض الجزر الصغيرة، وأطلق عليها اسم “جزيرة الشيطان”  نظراً للحياة المرعبة التى عاشها السجناء فيها حيث ذاقوا العذاب بمعنى الكلمة ، بعد نشر المذكرات عام 1938 أثارت الرأى العام الفرنسى مما دفع  الحكومة الفرنسية فى العام نفسه لإلغاء مرسوم  نقل السجناء إلى هذه السجون وأغلقتها واحداً تلو الأخر، وفي عام 1965 حولت فرنسا الجزر كجزء من مركز جويانا الفضائي، الجزيرة اليوم ممتلئة بالصواريخ الفضائية، وأعيد ترميم كثير من السجون وتحويلها إلى معالم تاريخية، حيث يزروها  50 ألف سائح سنويًا  . الرواية في العموم تدين المحاكم  وظلم الابرياء والقوانين التي في مجملها مصادرة حرية الانسان وسلب كرامته.. وهي تمثل قيمة جمالية وفنية فريدة، تحوك خيوط اتهام الى القانون نفسه . تم  تحويل الرواية إلى عمل سينمائي لأول مرة سنة 1973 ممازاد في شعبية الرواية وحوّلها إلى أثر خالد .

فيلم  بابليون” او الفراشة من الأفلام التي توقفت أمامها كثيرا جدا في مرحلة مبكرة من  حياتي، وشاهدته 3 مرات وكان تمثيل  كلاُ من ستيف ماكوين وداستين هوفمان مميزا جدا، وبراعة المخرج” فرانكلين شافنير ”  التي عمقت المغزى الفلسفي لمعنى الحرية ، إنها قصة إنسان مكافح  برئ ، تآمر عليه الناس المجرمون الحقيقيون ليزجونه في السجن المؤبد، بعيداً عن مجتمعه. وخلال ذلك يقدّم لنا ” شافنير” عالماً غريباً ومدهشاً، مما رآه في عالم البحر وما به، وعالم السجون وما يوجد فيه، وعالم اليابسة الجديد تماماً علينأ. الفيلم اخرج على أساس قصة واقعية  لمحاولات المتكررة للهروب للفرنسي “هنري شارير ” حين سجن في الثلاثينات من القرن الماضي في سجون إحدى المستعمرات الفرنسية التي عرفت بـ”جزيرة الشيطان”، وترجع التسمية   الفيلم الى الفراشه المنقوشه على صدر “بابي” . الوشم المرسوم على صدره  والذي يرمز للحرية.

 فيلم الفراشه هو واحد من ضمن الأفلام العظيمه التى انتجتها السينما الأمريكيه والتى لاقت قبولا و رواجا لدى المشاهد، تم اعادة إنتاج الفيلم واخراجه بعد ( 45 عاما)  بشكل جديد  و برؤية مغايره. النسخة الجديدة من اخراج  الدانماركي ” مايكل نوير ” ويقوم الممثل  شارلى هنام  بدور” بابيون” أوالفراشه، ويشاركه الممثل ” رامى مالك ” بدور ” ديغا”  . عرضت النسخة الجديدة من الفيلم  فى مهرجان تورنتو السينمائي الذى اقيم فى  سبتمبر من العام الماضي(2018) . التمثيل في النسخة الحديثة  – جيد خاصة التحدى الذى واجه الممثلين” شارلى هنام و رامى مالك” و هم يقومون بتمثيل دور سبق أن قام به ممثلين ذوى قامات فارعه مثل استيف ماكوين و داستن هوفمان, والنسخة الجديدة من الفيلم إختزلت أحداث مهمة وردت في الرواية و الفيلم الاصلي .  شخصية المزور” لويس ديغا ” في النسخة الحديثة من الفيلم  قدمها لنا الممثل الاميركي المصري الاصل “رامي مالك” هي اكتشاف لمقدرة فنية عالية المستوى. ونتوقف أمام اكتشاف اسم الممثل الأميركي المصري الشاب “رامي سعيد مالك ” وهو من مواليد 12 مايو 1981 ، ولد في لوس انجلوس لعائلة قبطية أرثوذكسية، وكان والده الراحل مرشدا سياحيا في القاهرة ووالدته محاسبة، نشأ مالك في بيت قبطي أرثوذكسي العقيدة، في عام 2004 بدأ مالك حياته المهنية في التمثيل مع دور البطولة في المسلسل التلفزيونى جيلمور للبنات وتوالت أعماله، ليصل الى محطة فيلم السيد رابوت 2015 والذي فاز عنه بجائزة الغولدن غلوب وجائزة نقابة ممثلي الشاشة بالاضافة الى فوزه بجائزة النقاد لأفضل ممثل وجائزة إيمي وغيرها من الجوائز المهمة خلال مشواره واعماله وشخصياته المتنوعة والمتعددة ، فاز هذا العام   بجائزة ( كولدن كلوب ) لأفضل ممثل عن أدائه لشخصية فريدي ميركوري في فيلم “الملحمة البوهيمية “.

تبدأ أحداث فيلم ” الفراشة ”  فى العام 1931 بفرنسا عندما يتهم ” بابيون ” بارتكاب جريمة قتل الصقت به زورا بالرغم من انكاره لها، ويحكم عليه بالسجن مدى الحياة مع نفيه الى ” غينيا الفرنسيه ” التى تتبع لفرنسا، غينيا الفرنسيه تقع فى الشاطئ الشمالى لامريكا الجنوبيه بين سيرنام  والبرازيل. هنرى بابيلون(ستيف ماكوين) أتهم فى جريمة قتل ظلما،وحكم عليه فيها بالسجن مدى الحياة وأودع بالسجن فى جزيرة غيينا الفرنسية، ونقل إليها على متن سفينة حيث تعرف على زميلة المزور الخطير لويس ديغا (داستن هوفمان).  “لويس ديغا” المحكوم  بتهمتى الغش و التزوير والذى يُعتقد ” بابيون”  انه لا زال يمتلك اموال ضخمه مخبأة بعد الحكم عليه. لذا التعرف به كان بهدف إستخدام امواله فى الهروب من المنفى، بعد حوادث مثيرة ومحاولات متعددة للهروب ينجح بابيون بعد احدى عشر عاماً فى الهروب من ” جزيرة الشيطان ” – التى تعتقد السلطات أن الهروب منها مستحيلا – و يصل لفرنسا.

وعند نشر قصته فى كتاب وجد الكتاب رواجا ضخما مما أجبر الحكومة الفرنسيه لالغاء سياستها العقابية المنافية لابسط حقوق الانسان خاصة فى مستعمراتها.هذا باختصار بعض من احداث الفيلم تاركاً للقارئ مساحة للاستمتاع بالفيلم عند المشاهدة. الأوضاع فى السجن لاتطاق فيحاول بابيلون الهرب،وتفشل محاولته الاولى سريعا ويتم القبض عليه ويوضع فى الحبس الانفرادى لمدة عامين،وفى محاولته الثانية مع صديقه ديغا وسجين اخر كان يعمل في التمريض ينجح جزئيا حيث يعيش فى احد الجزر، حتى يقبض عليه بوشاية من راهبة الدير حين لجأ إليها ليبيت في الكنيسة، ويعاقب بالحبس الانفرادى 5 سنوات بعدها يُرحل بابيلون ليوضع في جزيرة مرتفعة تحيط بها الأمواج العاتية وأسماك القرش التي تنوب عن الحراس ليلتقي بمحض الصدفة مع صديقه لويس ديغا الذي بدأت تنتابه بعض نوبات الجنون. لم يكف بابيلون محاولاته للهرب حتى  بلوغه للسبعين من عمرة، ورغم بُعد المكان عن اليابسة  لكنه قرر “بابيون” التخطيط  للهروب الذي كان ناجحاً هذه المرة ربما لأنه نفّذه وحده بعدما قرر “ديغا” البقاء لأنه تعب من الهروب غير الموفق، وقد إعتمد ( بابيون) على كيس عملاق ملأه بأدوات مختلفة أمنت له التحوّل إلى كيس عائم وكأنه مركب حقيقي، وكانت الخطة المضمونة لوصوله إلى البر بسلام، حيث أن تيار الأمواج كان مساعداً أول على دفع الكيس بسرعة فائقة صوب الحرية.

نجح اخيراً فى الهرب واصبح فى عرض البحر فى طريقه للمجهول لايدرى ان كان سينجو أم سيعيدونه مرة اخرى للسجن . منذ اللحظة الأولى، التي بدأ فيها ” بابيون “في التخطيط للهرب من السجن، انحصرت  تفكيره بادئ الأمر في الرجوع إلى باريس والانتقام من القاضي والمحلفين الذين رموا به في حفرة الموت، ونشط خياله في ابتداع أساليب التنكيل بهم، ولكن بالرغم من فشل السجن كعقاب تأديبي في كسر روح بابيون، إلا أنه نجح في تغيير مسار تفكيره من الانتقام إلى التوق للخروج من دائرة القمع بأكملها نحو حياة أخرى تكون أكثر إنسانية، ونحو بداية جديدة على أرض مغايرة  “فنزويلا ” دولة أخرى تبنت سجينا قاتلا هاربا وقدمت له فرصة ثانية للحياة ، يمرّ” بابيون” في أثناء هروبه على مشاهد مروعة، (وهذه المشاهد اختزلت في النسخة الجديدة من الفيلم ) ومنها مثلاً ، البرص الذين يعيشون في أكواخ صغيرة من القش ابتنوها بأنفسهم، يربون الدجاج والبط، وكلّهم قتلة خطرون، ويمتلكون عدداً من المراكب المسروقة من القرية، والحراس يطلقون النار على كل زورق يدخل الجزيرة ويخرج منها، هؤلاء البرص الذين قابلهم على الجزيرة، يجمعون له المال من بعضهم، ثم يعدّون البيض المشوي، ويحضرون له السلاحف وأوراق التبغ وكيساً من الرز وكيساً من فحم الخشب..

وموقد كاز وكمية من البنزين ويجهزوا  له الزورق ليمضي في الهروب إلى ترينيداد، ومن ألاحداث التي لم يراها المشاهد في النسخة الحديثة من الفيلم أيضأ ، هي تلك  المشاهد  التي  يجد فيها  نفسه وسط  قبيلة هندية رجالاً ونساءً عراة، فرحوا به وهو فرح بهم، ومنذ اللحظة التي ابتسم فيها الرئيس ولمس كتفه تبنته العشيرة وأصبح واحدا منهم ، ويبين لنا الفيلم كيف يعيشون، وكيف هي بيوتهم، هم يصطادون اللؤلؤ. يقابل زعيم القبيلة، ويرتاح له  لأنه أراد أن يصنع له وشماً كالذي على جسده، فيصنع الوشم ، ويتزوج من هندية وهي اخت ( زعيم القبيلة ) ، ترتب له الكوخ وتصلح له الجدار بعجينة ترابية حمراء، كانت هذه الهندية متوسطة الطول، لها عينان رماديتان بلون الحديد كعيني الرئيس، ويتحول إلى صانع الوشوم للقبيلة كلّها، ولكنه في النهاية يقرر الرحيل، تخلى عن الحرية التي نالها عند الهنود، وها هو يعود إلى الحضارة، إلى السجن. ويتم القُبِض عليه من جديد،  بعد أن قطع ألفين وخمسمئة كيلو متر، ذاك كي يُلقى في السرداب الشنيع الذي يفيض بالماء مرتين.

 أيقاع الفيلم  يقطع الأنفاس لأنه يعتمد الدقة في كل عناصر الفيلم، كما كان إختيار “هونام” للدور الأول ( في النسخة الحديثة ) مناسباً جداً، خصوصاً وأن فيه شيئاً من شباب “ماكوين”، وحاول مجتهدا الممثل ( رامي مالك ) في تقاربه من أداء العبقري ( داستن هوفمان) ،  تميّز الإخراج بكثير من الديناميكية، في إدارة الممثلين وتقطيع المشاهد وأخذ الزوايا الأنسب للحظات الهروب، كان أخراج المبدع “فرانكلين شافنير” الذي قدم لنا تحفه فنيه رائعا لحكاية جميله ومحبكه بشكل منسق و جميل ، ومرتكزا على من التمثيل الرائع الخرافي لكل من  الراحل “ستيف ماكوين” والمبدع دائما “داستن هوفمان”  وكذالك السيناريو المحبك. الفيلم ترشح لجائزتي اوسكار ولم يفز واعتقد انه ظلم كثيرا ولكن (كولدن كلوب) انصفت ستيف ماكوين بحصوله على افضل ممثل . تنوع الشخصيات في الفيلم كان كثير، المشاهد سيواجه ،الطيب والحقير، الصديق و العدو ، هذا التنوع منح الفيلم قيمة وجعله عملاً عظيماً يدرس الشخصيات الإنسانية بكل عفوية وبساطة،  الشخصية الرئيسية في  الفيلم يعطينا درسا في  الامل وألاصرارألذي يجعل “بابيون ”  يدق بيديه على باب الحرية.

ستبقى (جزيرة الشيطان) وصمة عار لن تمحى أبداً في تاريخ فرنسا ، ومن العار أن تكون لدى مجتمع متحضر مثل فرنسا عقوبة لا مثل النفي، ففي هذا أعظم تفريغ لمعنى الحضارة الفرنسية و ليس من حق سلطة او قضاء أن ينتقم بصورة سريعة وأن يخلع الأشخاص الذين أساؤوا إلى المجتمع، فهؤلاء أولى بالعناية بدلا من معاقبتهم بصورة لا إنسانية، تتمثل قمة العنجهية عند مخاطبة المسؤول  للمسجونين المرحلين قائلا :  ( أنسوا فرنسا فانتم غير جديرين بالعيش على أرضها،عندما تنتهي العقوبه سوف تعيشون فى تلك الأرض التى أرسلتم لها ).

 فيلم ( بابيلون أو الفراشة يطرح  قضية يستشفها المشاهد من احداث الفيلم وهى معنى الحرية ، والعزيمة والاصرار على الخلاص من خلال محاولات “بابيون” المتعددة و نيله حريته.

المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. شكري و تقديري لمتابعتك و قراءتك الجميلة ، محبتي لك و دمت بخير

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here