علي الزعتري: لا رثاء لأمة تنقض غزلها بيدها

علي الزعتري

لو إعتبرنا أن الدول العربية هي بكليتها وطنٌ تحكمه روابط قوية ترفعه لمقام الأمة أو العالم العربي، و ليس وحداتٍ منفصلة تحكمها المصلحة الضيقة، لرأينا حول هذه الأمة المفترضة أربع قوى إقليمية تاريخية قديمة تنازعها في عوامل وجودها. منذ القديم كانت الحبشة و فارس و الترك و اليهود ذوي أثر متفاعل مع العرب، و إن كان اليهود كفئة دينية قبل ظهور الإسلام مستهدفين من فارس لأسباب متعددة. لكن الحبشة أمتدت في الجزيرة العربية و فارس كانت تحكم ما بين النهرين و أجزاء من الجزيرة العربية حتى اليمن و كان الترك ما بين كر وفر مع فارس جزأً من الإمبراطورية الرومانية التي كانت تحكم بلاد الشام و مصر.

أما اليهود فقطنوا فلسطين بوعد إلهي  مزعوم  و تحولوا لممالك و دويلات متحاربة و محاربة محكومة إلى أن عادوا ليؤسسوا دولةً في فلسطين في القرن العشرين. و اليوم تمارس هذه القوى ما تراه حقها التاريخي في التمدد و السيطرة و إن غلفتهما بالمصلحة القومية أو الدينية. أربع قوى تناوش العرب في أنهار تمر ببلادهم مثل الحبشة و تركيا، و تستعمرهم مثل إسرائيل و تؤثر فعلياً على مجريات سياساتهم مثل إيران، و إن كان لإيران هدفٌ معلنٌ هو دعم المقاومة ضد المعتدين عليها و على المقدسات. لكن لا جدال أن الإطباق على العالم العربي تضيق حلقته و تشتد آثاره بشكلٍ يصعب التنبؤ بتطوره.

هل سنرى عملاً عسكرياً أم سرياً مثلاً لوقف سد النهضة الحبشي؟ هل سينتفض العراق و سوريا على التغول التركي؟ هل سترد المقاومة مدعومة بإيران على إسرائيل؟ هل سيزداد الضغط العربي بمسمى ديني ضد إيران بعزلتها أو تخريبها؟ الرائي للموقف العام يرى عند هذه القوى الأربعة كل على حدة وحدةً في التفكير و التخطيط و التنفيذ، و يري عند العرب شرذمة في كل هذه المقومات لا تخفيها محاولات التمركز شبه الإقليمي بين مجموعات من الدول ضد هذا أو ذاك.

ولا تنفع معها مؤسسة جامعة الدول العربية بأي حال. و الحقيقة أن لكلٍ من هذه القوى حلفاء و أصدقاء من العرب و تتميز الحبشة و إسرائيل و تركيا بمناعة واضحة تجاه الضغوط الدولية التي على النقيض إستهدفت إيران و أنهكتها. وعليه، فإن عناد هذه القوى في التمدد هو أيضاً فعلٌ عربي واضح ضد عربٍ مثلهم و هكذا كان التاريخ القديم في وصفه لقبائل عربية تستخدمها قوى خارجية لكسر قبائل أخرى و إستغلال أراضيها.

ولا أخال أن الشوكة العربية في مصر و العراق و سورية وفلسطين قوية في سعيها لفك هذا التمدد لأسباب مختلفة ليس أقلها في سورية القتال على أكثر من جبهة كلها قاسية أو الإنقسام العراقي أو التردد المصري في إتخاذ خطوات حاسمة بوجه قوتين هما تركيا في الأبيض المتوسط و ليبيا والحبشة.

يكاد التحليل يقودنا لمرحلة رخوة كما المسير عمداً نحو سبخة من الرمال المتحركة و الغرق فيها تدريجياً. كل مقومات المتعة العربية مرهونةٌ للداخل الممتحن بأشكال المصاعب الحياتية و للخارج بأشكال المؤثرات السياسية الوصائية على القرار العربي.

مؤسفٌ جداً هذا الشلل العربي بقدر ما هو مفيد لهذه القوى التي بوحدة قرارها كل على حدة تقود تغييراً حاسماً في سوريا و العراق ضمن سياسة التتريك و بفلسطين و بالحبشة عبر خنق النيل و بإيران التي بإسم المقاومة تتمركز مذهبياً كما سياسياً و عسكرياً. لستُ ضد ثلاث من هذه القوى التي باستثناء العدو الصهيوني هي كذلك فرصٌ للتعاون الموسع الإقليمي لو قاد العرب تفكيراً و تنفيذاً مصلحياً لبلادهم كوحدة حال لا كوحدات إنفصال.

كنتُ بهاجس القول أن مكونات العربي الجينية نزاعة للتفرقة و لربما هي كذلك. عجيب أن تتوحد الأمة الفارسية بقومياتها التي تصل للأربعين واحدة و التركية و الحبشية و اليهودية و تقف العربية تمزق نسيجها بيدها. لا رثاء لأمة تنقض غزلها بيدها.

*متقاعد من الامم المتحدة. متخصص في حالات الأزمات!

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here