علي الزعتري: المتاهة العربية

علي الزعتري

لا يوجدُ شكٌ عندي أن الشعوب تريد بل تتوق إنتصاراً و لكنها ليست مستعدةً أو مُعَّدة لبذل التضحية اللازمة للإنتصار. معظمها يريد من أحدٍ غيرها أن ينتصر لها بالنيابة أو أن يهبطَ عليها نصرٌ إعجازيٌ إلهيٌ. بلا شك، الإيمان بالله أساسيٌ و لكن المعجزات اليوم تحتاج لمؤمنين بعقولٍ و قدرات. الشعوب تنتظر من الجيوش أن تقومَ لإستعادة الحقوق المسلوبة، و هو واجبها حتماً، لكن إستعادة الحقوق ليست ببساطة محض واجبٍ عسكريٍ.   إنها مسيرةُ إلتزامٌ حياتيٌ و شريعةٌ مُتَعَلَّمةٌ وتكوينٌ منهجيٌ لعقيدةٍ مُقَدِّسةٍ للحقوقِ مُعززةً بالتربيةِ و التعليمِ وصولاً لبناءِ الدولةِ القادرة على الحفاظِ للحقوق و الدفاع عنها.  كلُ هذا بموازاة رأيٍ عامٍ مسؤول له هدفٌ محوريٌ، حتى في هزْلهِ، و هوإستعادة هذه الحقوق.

لكننا في زماننا المؤسف مضطرون لأن نطرح أسئلةٍ بديهيةٍ ونجيبها كذلك نيابةً عن كل الحكوماتِ و الشعوبِ و ذلك عن رغبتها من عدمها لبناء عقيدة التضحية، أو عكس ذلك، عقيدةِ الرضوخ والقبول. و سنلحقها بسؤالٍ عما إن كان هناك من لحظة وعي في منحدر الضعف الذاتي المنشأ الذي نعيشه تعيدنا لجادة الصواب، و ماذا لوكان العكس من ذلك. نُقِّرُ أن الأسئلة سُئِلتْ مراراً، لكنها ستبقى تُسْئلُ ما دُمنا نملكُ ذَرَّةَ انتماء لِتُذَّكِّرَ أننا نتكلم عن جوهر حياتنا و ليس عن إِضافةٍ نعوضها حينما نريد. و هذه هي الأسئلة و إجاباتها:

  • هل لا نزال نعتبر أن لنا حقوقاً مسلوبة؟ الإجابة: معظمنا يؤمن بأن لنا حقوقاً مسلوبة. لكنه معظمٌ بلا قوةٍ ولا حول و لا يستطيع تحويل الواقع من مهادنٍ مُساكنٍ لمقاوم.

  • هل نتكلم عن كل فلسطين و كل الجولان و كل شبعا؟ الإجابة: الشعوب تؤمن بِكُلِّيَةِ الأرض والحكومات تساومُ على أجزاءها. لا الشعوب قادرة على فرض إيمانها على الحكومات و لا الحكومات قادرة على المساومةِ مع العدو، إنما هي تستطيع فعلياً تقييد شعوبها بما يكفي لفرض حالٍ واقعٍ عليها من قبول التعامل مع العدو.

  • هل نريد أن نستعيد هذه الحقوق الكاملة رغماً عن المعطيات المُثْبِطَة في الواقع الحالي؟ الإجابة: الشعوب تودُ ذلك ولا تريد أجزاء الأوطان و لكنها لا تملك ناصيةَ القوة و الحكومات تُفضل أجزاء الأوطان مع امتلاكها لناصيةِ القوة! الشعوب لا تؤمن بالمساومات السياسية و تراها عبثية وترى أن الحكومات غارقةٌ بها دون طائل.

  • هل لدينا الوسائل  لإستعادة الحقوق و أهمها العقيدة و القوة؟ الإجابة: لدينا عقيدةٌ هجينة مؤلفةٌ من قلة من الدول و الشعوب تتحلى بإيمانٍ قوى  و عند البعض هوعاطفي غير منظم و لقاءاً للآن بين الطرفين ليس إلا في الأماني و هي لذلك عقيدةٌ موجهة جزئياً الى مستوى الوجود العربي فإن هي اندفعت فستؤدي لفوضى و تشتيت جهود. و لدينا قوةً أغلبها مُجَيَّشٌ حكومي و ليست واضحةً إن كانت عقيدتها هي ضد العدو البائن المحتل بقدر ما هي موجهةً ضد ما يهدد النظم داخلياً. و بالطبع لا وفاق بين طرفي المعادلة هذه.

  • من منا يستطيع ذلك إن أراد؟ الإجابة: لا أحد منفرداً، ولا يوجد جماعةٌ لليوم تلتف حول هذه المسألة باستطاعة و سيطرة.

  • هل هناك قدرةٌ مؤسسية على مستوى الشعوب و الحكومات للتحمل إن كان الثمن هو حالةٌ من الشظف لزمان قد يطول؟ الإجابة: قد يكون؛ لكنها ليست حالةً شائعةً و معظم الكيانات ترى أنها ستنهار تحت وطأة صراع طويل. و لهذا تنظر للإستقرار الداخلي طالما على أنه الأضمن لاستمرارية الحكم.

  • متى نظن أننا نستطيع أن نستعيد بلادنا السليبة؟ الإجابة: ليس قبل إعادة تشكيل وجودنا على أساس المبدأ الملتزم و العقيدة الحاكمة و والقرار الحازم المبني على توافق الشعب و الدولة.

يجنح أغلب العرب للسلم هرباً من المواجهة و تحت مسميات متعددة و هم قد نسوا لاءات الخرطوم و باتوا في زمان غير الزمان. فاليوم تسيطر المصلحية القُطْرِيَّة على التفكير و المسير فالذي يستطيع يعيش هانئاً بثروته و أمنه الداخلي و الذي لا يستطيع يبيع قراره لمن يملك النفوذ فيصبح تابعاً و باتت بعض أوطاننا غريقة حروب بين شعوب تقطعت أوصالها شيعاً و طوائفاً و أصبح إمتلاك السلاح المُكَّلِفْ نوعاً و كماً لدى الجيوش ليس لإستعادة الحقوق بقدر كونه تأميناً داخلياً لمحاربة المنافس لأي حكم تجذر طويلاً بعون  السلطوية الفئوية و الفساد و الإستخدام المغرض للدين للسيطرة على العموم. واصْطُنِعَ الإرهاب الذي يُستخدمُ لتخليق الأحلاف المصطنعة على أُسس مذهبية لضعضعة المجتمعات و قلبها على بعضها البعض على كل علاتها. ثم أن العرب تشابكت و تعقدت لديهم و بينهم و مع العالم العلاقات السياسية و الإقتصادية و المالية و المعيشية و الاستهلاكية و ممارسات التنشئة للأجيال بتسهيل التبعية و التقليد الأعمى الغرائزي للحد الذي يجعلهم لا يطيقون مجرد التفكير في الانعتاق لخوفهم من أدنى قدرٍ من المعاناة التي قد يواجهون لو ساروا بدروب مستقلة أو إن بدوا بصورة من يريد استعادة الحق المسلوب بأكمله و ليس أنصافه أو أجزاء منه حتى لو كانت المطالبة غير عسكرية الوصف. و فوق كل هذا أصبحوا الآن مهددون بمياه ريهم و شربهم فراتاً و نيلاً. و عندما تنظر كل دولةٍ لمشاكلها و همومها على حِدة دون النظر لتكاملٍ إقليمي لإيجاد الحلول على المستوى العربي فإن كل دولة ترى مشكلة فلسطين و الجولان و شبعا مشكلةً ذات بعد فردي لا تهمها بالضرورة. و يتبع ذلك سيلان اللعاب لعلاقاتٍ مع العدو مصلحية الهدف أنانية التوجه على حساب التكامل العربي.

هي حالةٌ تبعثُ على اليأس فلو كنا لتوكيد و تحرير الحقوق كاملةً لاحتجنا جميعنا لطريقة حياة مختلفة. وهي حالةٌ وجوديةٌ بشكلٍ أَكثر وضوحاً عند جلاء موقفنا المهادن من الحق السليب. فهنا الاستنتاج المؤلم أننا نزرع و نحصد زوال كرامة و تبعية ذليلة. إنه استنتاجٌ يقهر النفس. ومع أخذ الإعتبار أن الأرض تبقى تحت الإحتلال و أن الإحتلال بفلسفته متمددٌ بكل الوسائل فعلينا أن نتوقع خساراتٍ أُخرى لصالح العدو قد لا تعني بالضرورة خسارة أرض بقدر ما ستعنى سيطرةً ظاهرةً و مستترةً على العقول و التعليم و الثروات و المستقبل. إنه الإندحار التدريجي لحضارة أمام حضارة.

كذلك، فالوضع العربي اليوم يتشكل من دول اسبرطية النزعة متنفذة تستطيع أن تؤثر على غيرها مستخدمةً بلا وازع أصناف الضغوط لتمييل الكفة نحو التغاضي عن الحق كله و القبول بما هو دونه، هذا إن رضي العدو. ترى هذه الفئة أن سلاماً و تعاوناً مع عدوٍ يملك نواصي العلوم و التقانة و الحظوة كافٍ تماماً لتحقيق النمو و الثراء لها و لو كان ثمنه تنازلاً عن بلاد مقدسة. كل هم هذه الدول التنصل المغلف بوهم السيادة من مسؤوليةٍ تخال أنها تحملها. و الحقيقة أنها لا تحملها بقدر ما تمقتها كمعيقٍ لزيادة ثراءها و تحميلها ما لا تريد من عوائق أمام رفاهيةٍ فيها زيفٌ كثير.

و مقابل هذا التوجه هناك عربٌ على عهدٍ معلن لاسترداد الحقوق السليبة و لذلك يتعرضون لهجماتٍ متواترة لوقفهم و صدهم. يزداد التعقيد عند هذه الفئة تعاونها و تحالفها مع قوةٍ إقليميةٍ هي ضمن دائرة استهداف متعدد الوسائل والإغراض. و ما يجعل موقف هذه الفئة أعمق وقعاً هو دخول المذهبية الدينية بين سنةٍ و شيعةٍ بشكلٍ يشي أن معظم السُنَّة هم بصف المهادنة و معظم الشيعة هم بصف المقاومة. و هذا بحثٌ يطول.

إذاً نحن أمام حالتين متباعدتين من النظر للقضية الفلسطينية و هي جوهر القضايا. الحالة السائدة هي السير في توافقات سياسية و قد تؤدي كما نرى لاتفاقيات سلام بغض النظر عن تنازلاتٍ من العدو الذي ينفي أي و كل تنازل. و الحالة الإستثنائية هي في المقاومة المرفوضة دولياً مع أن الأمم المتحدة هي مع هذا الحق و هي مرفوضة إقليمياً جراء الخوف من فقدان الإستقرار على وهنه و المطلب دولياً و إقليمياً هو لِلَجم هذه الحالة الاستثنائية و تحجيمها أو إنهائها لصالح الحالة الأولى.

من هو إذاً القادرُ و الذي هو على إستعدادٍ للتضحية؟ هي القلة المستهدفة و التي لا تغادر دائرة التشكيك و الاستهداف من العدو. دعوني أوضح أن القلة التي أتكلم عنها ليست بالتحديد و الضرورة دولة أو حزباً أو جماعةً. إنها كلهم و هي أيضاً حالةُ تكوين موجودة عند كل الشعوب العربية سواء سالمت حكوماتها العدو أم عادته. فمن أزقة القصبة الجزائرية و لمسقط العمانية لن تجد قبولاً بالعدو. وكلما بقيت لدى هذه القِلَّة جذوةُ الرفض للإحتلال و الإستعمار و التسلط بشقيها المقاوم بالقوة و بالكلمة، و على الرغم من محدوديتها في التأثير على مواقف الحكومات، إلا أنها تثير خوف العدو و من حالفه فهم لا يريدون لنا إنتماءً و لا إستقلالاً إقتصادياً و لا رفضاً لهم.

طبيعيٌ جداً أن نستبعد إنتهاء العدوان من أساسه، أو أن نفترض هزيمة عسكريةً له تجعل لدينا قدرة التحكم بمصيره. الظروف المحلية و الدولية اليوم لا تسمح بهذا. لكن ما دام هناك من يحمل فكر و راية المقاومة و سلاح المقاومة و علنية الرفض للعدو فإن على الدول العربية أن تسانده إن لم يكن بالانضمام له فعلى الأقل بعدم فتح بيوتها و نوافذها للعدو. وليس هذا بكاف. عليها إعادة بناء الإنسان العربي على مبادئ الإعتزاز و المقاومة و التضحية و إعادة توجيه المجتمع و الحكومة بآلياتهما لاستعادة الحقوق.

قد تكون هذه الدعوة مثاليةً ويعدها البعض خياليةً لكنها الحقيقة و لو كرهوها. ما لم نَصْحُ و نعيد بناء النفس سيأتي يومٌ نستجدي فيه رشفة الماء فلا نجدها.

سؤالنا الإضافي كان عن لحظة الوعي التي تعيدنا لصوابنا. أشك أنها لحظةٌ بنفس التأثير على الجميع فلقد مررنا بلحظات سابقة كان حرَّياً بها بعث الأموات من القبور و لكنها لم تحيي فينا سوى مَلكةَ النواح. اليوم قد تكون الأمور وصلت لمرحلة تفريق السراب عن الحقيقة مع غلو البعض اللحاق بالسراب.

  • ها هي الصفقة و الضم و التطبيع تضرب المؤمنين بالحلول السلمية قبل غيرهم و تجعل الفلسطينيون يصطفون على عجل وراء المقاومة الشعبية.

  • ها هو قانون قيصر يعصر الدول بالعقوبات بموازاة احتلالٍ غاشم و تكريس كيانات عِرقية و مذهبية و إعادة الروح لداعش و ترتيب هجمات منظمة قوية لتأليب الداخل في المجتمعات العربية التي تعاني في معيشتها الأمرين، ضد مبدأ المقاومة و باتهام المقاوم أنها وراء المعاناة.

  • ها هو التهديد المبطن بالتعطيش و التجويع و السيطرة على مسير الأنهار عابرة الحدود.

  • و ها هي فتنة المذاهب و من سيقود من بين تضع الجميع على شفا حفرة النار.

ألا تكفي هذه اللحظات لإستعادة الوعي؟ أليس فينا رجلٌ رشيد يقرأ الماضي و الحاضر ويستشرف المستقبل المظلم؟ إن لم يكن فماذا نفعل؟ و ماذا سيكون مصيرنا؟ من الصعب التنبؤ بأي مستقبل سوى ما نرى اليوم من ركوعٍ متتالٍ للعدو و سقوطٍ للقيم. سيتشبث البعض و يقاوم بصعوبة متزايدة أمام هجمات الداخل العربي و الخارج. في أجواءٍ مثل هذه ينبغي أن نتوقع الأسوأ.

*باحث ومتخصص بشؤون الأزمات

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. هناك نموذج محترم ولكنه محارب من معظم الأنظمة العربية وهو حزب الله وما فعله بتخرير جنوب لبنان وهزيمة اسرلئيل في ٢٠٠٦ واثبت ان إسرائيل نمر من ورق صنعته الأنظمة العربية لتبرر انفاقها العسكري و تتمكين حكم العسكر خلال العقود السابقة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here