علي .أ. دهيني: العلاقة البينية بين الإنسان والإنسان والإنسان والكتاب.. التنميط الفئوي والجغرافي يُغلق العقل العربي

علي .أ. دهيني

لكثرة الموضوعات التي يمكن أن يتصدى لها القلم، يحار بايّها يبدأ.

ما يهمني حقيقة هو العلاقة البينية بين الناس، لأن هذه العلاقة هي أساس بناء المجتمع السليم، حيث أنها تؤمّن تلاقح الأفكار وترفد المحاورين بما غاب عنهم، وبالتالي قد تكون أداة تصويب لقناعاتهم ومفاهيمهم التي اكتسبوها تواتراً.

وأهم من هذه العلاقة البينية بين الإنسان والإنسان، العلاقة بين الإنسان والكتاب، لأن الكتاب هو عقل صامت يعطيك المدى لما يحويه من خلال سعة مدارك كاتبه والأبحاث التي أجراها قبل أن يصير عقله كتاباً بين يديك. ناهيك عن المنهج العلمي الذي يقوّم حركة الفكر ويسكب مادته المعرفية علمياً في عقل القارىء لأن لا غنى لأي مؤلف عن إيجاد أو اعتماد منهج علمي في تأليف كتابه.

والعقل الحقيقي يقوم على العلم.

والمهم في هذه العلاقة بين القارىء والكتاب أنها توسّع مدارك العقل ليولد عنده كم كبير من الأسئلة الاستفهامية تنقله إلى الحوار مع ما حوله من حركة جامدة أو متحركة، ناهيك عن تزويده ـ العقل ـ بميزان ـ منهج ـ يزن فيه ما ورد عليه من منقولات تواصَل لُمَامَها على مدى سنوات العمر.

إن قراءة الكتب تجعلنا أقرب إلى فهم حقائق الأمور علمياً وموضوعياً، لا تعبئتها نقلا عبثيا وتقليداً هامشياً دون فهم لركائزها وحقائقها ومصادر وجودها.

حتى العادات والتقاليد لها ركائز، إنما تحتاج إلى قياس علمي للإبقاء عليها أو تنقيتها، لأن كثير من العادات والتقاليد كان لها زمن أوجب وجودها، وتطور العقل البشري وتكيُّف وسائط العيش مع حركة التطور، توجب هذه التنقية.

وهنا يهمني أن أشير إلى نقطة مهمة في هذا المجال، لأقول ليس العيب في عدم وجود قارىء، إنما أيضاً هناك عيب كبير هو غياب الكتاب المُحفّز للقارىء.

إن كثير من الكتب التي تعج بها المعارض والمكتبات عموماُ، هي ذات موضوعات مجّها العقل لكثرة الصدح بها على المنابر، وغالباً تكون هذه الكتب فئوية، بمعنى أنها تحاكي عقلاً معيناً تم تدجينه عبر وسائل وطرق عدة، وأقصد غالباً الكتاب الديني ـ كنموذج ـ الذي بات يقسم بحسب أهواء الفئة التي تتولى نشره.

أما الكتاب العلمي والتثقيفي المعرفي ـ رغم الاختلاف في تعريف كلمة “مثقف” ـ فهو مغيّب بفعل تنميط الحياة العربية على الصراعات الطبقية حيناً والايديولوجية حينا آخر. رغم أن لا أيديولوجية عربية قومية سوى أيديولوجية الشخص أو الحاكم. لهذا نجد التحزّب مثلا لكاتب بعينه أو لكتاب بعينه لدى كل فئة. في ظل غياب أيديولوجية قومية عربية التنميط الفئوي والجغرافي يغلق العقل العربي

وقد ساعد على هذا التنميط الفئوي والجغرافي وسائل الإعلام المتلفزة والتي تكتقظ بالوجوه المعدة بحرفية مدهشة لتلعب دور الداعية في توجيه العقل العربي بالاتجاه الذي يرضي فئة معينة، وأما الحالة الثقافية والمعرفية غير المؤدلجة، فقد حكمتها الشللية في الظهور والعبور عير الشاشات وفي صفحات وأعمدة وسائل الإعلام ـ اللهم إلاّ القليل ـ .

لذا نرى أن ضرورة الوعي في المجتمع تنطلق من نضج مدارك العقل ، وهذا لا يؤمنه سوى الكتاب من خلال حديثه الصامت مع العقل، فيستفزّه للتحرك، وإذا تحرك العقل بدأ بناء الشخصية الحوارية البينية بين الناس.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* رئيس تحرير “مدارك ثقافية” (مجلة الكترونية). [email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here