علي أبو مريحيل: عن المطبخ السياسي السري في الصين.. ونوعية الطبخة العالمية المقبلة؟

علي أبو مريحيل

“بي داي خه” أو العاصمة الصيفية للصين، هي منطقة ساحلية تقع على بعد 280 كلم شرق بكين، تضم مجموعة من المنتجعات السياحية والفنادق والفيلات الخاصة، وقد استحوذت بفضل طقسها المعتدل طوال العام، على اهتمام كبار المسؤولين الصينيين ابتداء من أواخر القرن التاسع عشر، فكانت ملاذاً لهم للهروب من حرارة العاصمة الإدارية، وقضاء أوقات ممتعة على الساحل بعيداً عن وحل السياسة.

في خمسينيات القرن الماضي، وبعد إحكام الحزب الشيوعي الصيني سيطرته على مقاليد الحكم في البلاد، قررت اللجنة المركزية في الحزب، أن تصبح  “بي داي خه” مقصداً سياحياً خاصا بالقيادة العليا، لقضاء الإجازة الصيفية ومناقشة بعض القضايا والشؤون السياسية، قبل أن يتطور الأمر ليصبح تقليداً سنوياً يجتمع فيه القادة الصينيون للتحضير لمؤتمر الحزب الوطني الذي يعقد في الخريف، وسرعان ما لعب هذا المنتجع السياحي الصغير دوراً كبيراً في تشكيل ورسم ملامح السياسة الصينية.

غرف مغلقة

ما أن تغيب أخبار وصور المسؤولين عن وسائل الإعلام الحكومية، حتى يدرك الصينيون بأن قادتهم بدأوا اجتماعاتهم السرية، أما سكان “بي داي خه”، فيستدلون على ذلك بالانتشار الكثيف لعناصر الأمن، والسيارات السوداء الفارهة، عند ذلك يدرك السكان المحليون أن الشخصيات الأكثر قوة بمن فيهم رئيس البلاد، حلوا ضيوفاً على منطقتهم.

وتعتبر السباحة النشاط الأساسي لمعظم القادة أثناء الإجازة، وعلى مدار العقود الماضية انتشرت صور للزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ، وعدد من القادة وهم يسبحون رفقة عائلاتهم، وسط حراسة مشددة، لكن ما يغيب عن عدسات الكاميرات، الاجتماعات المكثفة التي تعقد في غرف مغلقة، حيث تتم مناقشة اتجاه السياسات الرئيسية والتغييرات القيادية، مثل طرح أسماء المرشحين لشغل الوظائف العليا قبل انعقاد المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي، بالإضافة إلى وضع الاستراتيجيات القصيرة والطويلة المدى فيما يتعلق ببعض الملفات والقضايا الداخلية والخارجية.

أبرز القرارات

تعتبر “بي داي خه” مهد السياسات الحكومية الرئيسية في البلاد منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، حيث شهدت المنطقة اتخاذ العديد من القرارات التاريخية التي لا تزال آثارها حية حتى يومنا هذا.

ومن بين القرارت الهامة التي اتخذت في المنتجع السياحي، قرار الزعيم الصيني ماو تسي تونغ عام 1958 قصف جزيرة “كن من” التي كانت تتحصن فيها مجموعة من قوات من الحزب الوطني (كومينتانغ)  قبل انسحابهم إلى تايوان. كما شهد نفس الاجتماع إقرار المكتب السياسي للحزب، الخطة الخماسية الثانية للبلاد (1958-1962).

ويبقى القرار الأبرز في ذلك العام، إطلاق ما يعرف بـ “القفزة العظيمة للأمام” والتي كانت بمثابة إصدار قرارات تخطيطية تستهدف تحويل المجتمع الصيني من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي، وهو الأمر الذي انتهى بكارثة إنسانية (مجاعة) أودت بحياة ملايين الصينيين.

أيضاً من ضمن القرارات التي لا يمكن أن ينساها الصينيون، والتي اتخذت أيضاً في منتجع “بي داي خه”، إطلاق شرارة الثورة الثقافية عام 1966 والتي استمرت عشرة أعوام، ولم تنته إلا بموت ماو عام 1976، مخلفة وراءها رماداً لا يزال متقداً في الذاكرة الصينية.

ماذ يطبخ الآن

بدأ الرئيس الصيني شي جين بينغ، إجازته الصيفية في “بي داي خه”، وسط غياب تام لأخباره وأنشطته في وسائل الإعلام الرسمية، وقد تزامنت الإجازة مع إعلان المكتب الإعلامي التابع لوزارة الخارجية تعليق العمل في الوزارة حتى التاسع عشر من أغسطس المقبل، ما يشير إلى أن القيادة العليا مجتمعة الآن في المنتجع الشهير.

لا شك أنه بالإضافة إلى الملفات الخاصة بالمؤتمر الوطني الذي سيعقد في مارس/آذار المقبل، سيكون حاضرا على طاولة النقاش، ملف الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، والاضطرابات في مضيق تايوان، وبحر جنوب الصين.

لكن بالنظر للتطورات الأخيرة، سيبقى ملف هونغ كونغ الأكثر إلحاحاً، خصوصاُ بعد تراجع ملف الحرب التجارية في أولويات السياسة الخارجية الصينية نظراً لتعويل بكين على الانتخابات الرئاسية المقبلة في الولايات المتحدة، على أمل أن تفرز قيادة جديدة تعيد النظر في سياستها التجارية مع الصين.

وحسب المعطيات الأولية، يبدو أن بكين لا تستبعد اللجوء إلى الخيار العسكري لفرض الأمن في المستعمرة البريطانية السابقة، حسب ما صرح المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية، وربما يشير إلى ذلك قيام حوالي مئتي ألف شرطي صيني بتدريبات عسكرية قبل أيام بمحاذاة الجزيرة، فيما يبدو رسالة تحذرية للمحتجين.

أيضاً حديث الصين عن مؤشرات أولية على الإرهاب بعد قيام محتجين برمي زجاجات حارقة على عناصر الشرطة، ووصفهم بالمتطرفين.

مما لا شك فيه أن الأيام القادمة ستكون حبلى بالأحداث والتطورات المتسارعة، وربما الحاسمة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار استعداد الصين للاحتفال بالذكرى السبعين لتأسيسها في أكتوبر المقبل، وهو الأمر الذي يستدعي الحسم المبكر لضمان مرور المناسبة دون منغصات.

– صحفي فلسطيني يقيم في الصين

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here