عليان عليان: في مواجهة خطار التهويد الثقافي للقدس  بغطاء من صفقة القرن: الحدائق التوراتية أنموذجاً

عليان عليان

بعد أن أعلن الكيان الصهيوني عن  ضم القدس في التاسع والعشرين من حزيران 1967، وبعد أن أعلن عن قانون لتوحيدها عام 1980 كعاصمة موحدة مزعومة له متحدياً كافة قرارات مجلس الأمن ،التي تؤكد بطلان الضم، باشر  العدو  الصهيوني بتهويد المدينة على الصعيدين الديمغرافي والاستيطاني، بدعم غير محدود من الإدارات الأميركية ، مستثمرا اتفاقات أوسلو (1993) والمفاوضات التي تلتها  لاستكمال عملية التهويد، خاصةً وأن  هذه الاتفاقات،  وفرت الغطاء للتهويد والاستيطان، حين رحلت موضوع القدس لمفاوضات الحل النهائي، دون إسنادها بأي من قرارات مجلس الأمن ذات الصلة ، التي تؤكد بطلان الضم وعدم شرعية الاستيطان،  ما جعل (القدس) في السياق التفاوضي  مدينة متنازع عليها.

وجاءت خطة ” صفقة القرن ” التي اعترفت من خلالها الإدارة الأمريكية بالقدس عاصمة موحدة وأبدية للكيان  الصهيوني، لتزيد من نهم العدو ، على صعيد توسيع الرقعة الاستيطانية في المدينة وحولها، في إطار ما يسميه العدو الصهيوني ” القدس الكبرى- القدس مترو بوليتان”، التي تمتد وفق مخططات بلدية الاحتلال من قرية “سنجل” قضاء را م الله في الشمال، وحتى ضواحي بلدة بيت فجار قضاء الخليل في الجنوب،  ومن مستوطنة معاليه أدوميم في الشرق وحتى قرية عرتوف” بيت شيمس” في الغرب.

التهويد الثقافي

لكن البعد الأهم ، الذي بات يركز عليه العدو ، أكثر من قبل هو البعد الثقافي ، لأن تحقيق هذا البعد ، يسهل مهمته في الحصول على الشرعية التاريخية لدولته الاحتلالية – وفق الأساطير التوراتية الزائفة والخرافية – على  القدس وعموم أرض فلسطين التاريخية.

وفي سياق التركيز على البعد الثقافي اليهودي المزعوم  في القدس،  كحلقة مركزية في الصراع ، سبق أن قال رئيس المؤتمر الصهيوني الأول وصاحب كتاب الدولة اليهودية ” ثيودور هرتزل ” : ” إذا حصلنا يوماً على القدس ، وكنت لا أزال حياً قادراً على القيام بأي شيء ، فسوف أزيل كل ما ليس مقدساً لدى اليهود ، وسوف أحرق الآثار التي مرت عليها عبر قرون “.

 كما أن ” صفقة القرن ” في  صيغتها النهائية ( القسم الثاني)   لم تكتف بتثبيت نص يؤكد  أن ” القدس”  عاصمة موحدة  للكيان الصهيوني ،بل  انطوت  على تأصيل تاريخي ثقافي مزعوم لليهود في القدس ، على حساب التأصيل التاريخي العربي والاسلامي للمدينة على مدى آلاف السنين  ، إذ  راحت الصفقة تؤكد  بإسهاب، على الرواية الدينية اليهودية في القدس، وعلى التفسيرات اللاهوتية، ارتباطاً بالانبياء ابراهيم، وداوود الذي وحد القبائل الإثني عشر ، وسلمان الذي بنى الهيكل ..ألخ من أجل البرهنة على أحقية إسرائيل في أن تكون القدس عاصمة لها ، متجاهلةً حقائق التاريخ  المتعلقة بوجود الكنعانيين العرب فيها قبل اليهود بمئات السنين ، وأن الحضور اليهودي في القدس لا يشكل نسبة تذكر قياساَ بالحضور  العربي الاسلامي  فيها   على امتداد عدة قرون.

الحدائق التوراتية

وجاءت خطة إنجاز “الحدائق التوراتية السبع”  المحيطة بالبلدة القديمة ،  لتشكل قفزة نوعية وخطيرة -خاصةً بعد طرح ” صفقة القرن ” –  سواء على الصعيد الاستيطاني أو على صعيد  تزوير التاريخ ، إذ تعد هذه الحدائق من أخطر مشاريع التهويد والتهويد الثقافي، ولا تقل خطورتها عن التهويد الديمغرافي والجغرافي ، بحكم أنها  تستهدف طمس حضارة القدس العربية والإسلامية، ومحو  الآثار الفلسطينية، وتغيير طابعها التاريخي  ، بهدف  تحويل  المشهد المقدسي على الصعيد المكاني والتاريخي ، من عربي إسلامي إلى تلمودي توراتي   ومن ثم  شطب الرواية العربية الاسلامية في القدس ، وتزوير التاريخ والجغرافيا  من أجل إحكام السيطرة على أهم المناطق الإستراتيجية بالمدينة.

ويعمل الاحتلال الإسرائيلي، على إقامة الحدائق السبع ، حول البلدة القديمة بالقدس المحتلة ومحيط المسجد الأقصى المبارك، ضمن مخطط شامل وخطير، يستهدف تطويق وخنق المسجد المبارك من جميع الجهات، حتى يبدو المشهد “تلمودياً توراتياً” وليس عربياً إسلامياً.

والحلقة الرئيسية في  هذا المخطط التي تتركز فيها الحدائق ، هي بلدة سلوان ، ، كونها محاذية للمسجد الأقصى من الجهة الجنوبية، وتشكل خط الدفاع الأول عنه، فهي تحظى بنصيب الأسد من المخطط.

وحسب الباحث المختص بشؤون القدس “فخري أبو دياب” فإن مخطط الحدائق يأتي ضمن مشروع “أورشليم حسب الوصف التوراتي”، لجعل محيط البلدة القديمة والأقصى محاطاً ومحاصراً بسلسلة من الحدائق والمسارات التلمودية، بعد أن يتم تغيير معالم المنطقة بسبب أعمال الحفريات والتجريف، وبناء مسارات وأرصفة وممرات ومواقف لحافلات السياحة، كما يتم زراعة الأشجار والورود ،

وأشار  ” أبو دياب ” إلى أن “سلطات الاحتلال قطعت شوطاً كبيراً في تنفيذها، فيما لا يزال العمل بتنفيذ المخطط متواصلاً في مناطق وادي الربابة والشيخ جراح وحي وادي الجوز”، موضحاً أنه “لإقامة هذه الحدائق، صادرت سلطات الاحتلال نحو 5000 دونم من الأراضي، بعضها كانت أملاكاً خاصة، وأخرى تعود لدائرة الأوقاف الإسلامية،وجرى تخصيص ميزانية مليار شيكل لأجل إقامتها”.

الإجراءات الإسرائيلية المتصلة للتهويد الثقافي للمدينة

 لقد  قطع العدو الصهيوني شوطاً بعد حرب عام 1967 في توفير ركائز   لبعد التهويد الثقافي  للقدس ،من خلال  العديد من الخطوات والإجراءات  أبرزها ما يلي:

أولاً: تغيير الأسماء العربية والإسلامية ، للأماكن المقدسة والآثار والأماكن العربية واستبدالها بأسماء عبرية : على نحو هيكل سليمان بدل المسجد الأقصى ، ومدينة داود بدل القدس الشريف ، وجبل الهيكل بدل قبة الصخرة ، وجبل موريا بدل جبل بيت المقدس وهو البقعة التي يوجد عليها المسجد الأقصى ، وإسطبلات سليمان بدل المسجد المرواني  وشاعرهاريوت محل باب الأسباط ، حائط المبكى بدل حائط البراق ، والحي اليهودي بدل حارة الشرف، وعير عتيكا بدل البلدة القديمة وهيوراتسوفيم بدل جبل المشارف  وشعار شحيم بدل باب العمود ،  وهيراخيم بدل باب الساهرة ، ومدينة داود بدل سلوان وفيت برغ محل منزل أبو سنينة ، وحيسير جليتسيا بدل حاكورة نسيبة  ، وهارحوما بدل جبل أبو غنيم ، وعطروت بدل حي قلنديا ألخ.

ثانياً : تغيير معالم البلدة القديمة من خلال تزوير الشواهد التاريخية والحضارية للمدينة  ومن خلال خطة ما يسمونه زوراً وبهتاناً ” بالحوض المقدس ” في حي سلوان التي قطعوا شوطاً كبيراً في تنفيذها، ومن خلال الزج ببعض القطع الأثرية المزيفة  في بعض الأماكن التاريخية ، لإضفاء طابع يهودي على المدينة، وللتأكيد على روايتهم المفبركة خاصةً وأن الصهاينة – وباعتراف علماء آثار يهود – لم يعثروا عبر الحفريات المتصلة أسفل البلدة القديمة منذ عام 1967  ، على أي أثر يهودي فيها ، وأن كل ما اكتشفوه يعود للحضارة العربية والإسلامية.

ثالثاً: الحفريات المتعمدة أسفل المسجد الأقصى مباشرةً ، وتفريغ الصخور والتربة من تحته حيث بات مهدداً بالانهيار، علماً أن العدو الصهيوني أنجز منذ زمن المخططات اللازمة لبناء الهيكل.

رابعاً: تعديل المنهج الدراسي الفلسطيني  – الذي هو امتداد للمنهاج الأردني – من قبل بلدية الاحتلال، عبر حذف كل ما يتصل بالجهاد والمقاومة في كتب الدين والتاريخ  وتضمين مصطلحات إسرائيلية، في الكتب المدرسية الخاصة بالتاريخ والجغرافيا بالإضافة إلى شطب بعض المواد التدريسية، في كتب اللغة العربية مثل الانتفاضة وغيرها من المواضيع ، التي تتحدث عن تاريخ القدس وموقعها في التاريخ العربي والإسلامي ، وأنها عاصمة للدولة الفلسطينية المنتظرة.

لكن هذه التعديلات، فشلت إلى حد كبير جراء رفض المدرسين والطلبة لها ، وجراء الدور المقاوم للحملة الأهلية للحفاظ على المناهج الفلسطينية ، التي رفضت أي مساس إسرائيلي بالمناهج ، ودعت المدارس إلى عدم الالتزام بهذا التوجه ومقاطعته، وتنفيذ إضرابات جزئية احتجاجاً على سياسة تعديل المناهج كمقدمة لتهويدها.

لقد جاءت المقاومة العربية المقدسية، لتعديل المنهاج الدراسي إدراكاً من أبناء الشعب العربي الفلسطيني ، بان تحريف المنهاج الفلسطيني، يستهدف الهوية العربية والإسلامية والذاكرة والتاريخ والجغرافيا ،بقصد تهميش ثقافة الشعب الفلسطيني وطمس ذاكرته بهدف تمرير الرواية الصهيونية الزائفة.

 لقد وفر الكيان الصهيوني، بدعم وتمويل من الحركة الصهيونية ووكالاتها الفرعية  والجمعيات الاستيطانية ، وبدعم من الصهيونية المسيحية ، ومن الامبريالية الأمريكية كل الإمكانات المادية والمعنوية ،من أجل استكمال تهويد المدينة المقدسة على كافة الصعد  وبخاصة التهويد الثقافي.

وبالمقابل  لم يقدم النظام العربي الرسمي للقدس ولصمود أهلها سوى الفتات،  ومجموع ما قدمه هذا النظام رغم ملياراته، لا يكاد يذكر ، قياساً بما قدمه شخص يهودي واحد هو الملياردير موسكوفيتش ، ولم تقف الأمور عند  التخلي عن دعم القدس وصمود أهلها، بل أن العديد من الدول المطبعة، والتي اندغمت في صفقة القرن مؤخراً  وأقامت علاقات تطبيعية كاملة مع العدو ، تخلت نهائياً عن القدس ، وباتت تقر ضمنياً وعملياً بأنها عاصمة للكيان الصهيوني.

وحدهم أبناء فلسطين ، وأبناء المدينة المقدسة، بدعم من الجماهير العربية، يخوضون الصراع بأبعاده المادية والثقافية، متسلحين بإرادة صلبة، وبقضية عادلة، وباستعداد هائل للتضحية ، وبرواية تاريخية حضارية واقعية ، وليس بروايات أسطورية زائفة ، لكن هذه الرواية، تحتاج باستمرار إلى عوامل إسناد مادية وكفاحية ، تحتاج لمن يفضح الرواية الصهيونية في المحافل الدولية وعلى رأسها منظمة ” الأونسكو “.

elayyan_e48 @yahoo.com

باحث مختص بالقضية الفلسطينية وبالصراع العربي- الصهيوني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here