عليان عليان: في الذكرى  ألـ (50) لرحيل جمال عبد الناصر: أوضاع الأمة ومصر البائسة بعد رحيله تكشف مدى أهمية ومركزية مشروعه الوطني القومي النهضوي

عليان عليان

(المشروع القومي النهضوي الناصري لا يزال  راسخاً في ثوابته الأساسية ، ويمكن البناء عليه في ضوء المتغيرات الراهنة ، للتصدي للتحديات التي تعصف بالأمة العربية وقضاياها المركزية)

في الثامن وعشرين من سبتمبر أيلول 1970 ، فقدت الأمة العربية القائد والمعلم ، والضمير المعبر عن طموحاتها في محاربة التخلف والتبعية والتجزئة ، وفي التخلص من مخلفات سايكس بيكو ، و في الوصول إلى الحرية والاشتراكية والوحدة.

في مثل هذا اليوم الذي كان حالكاً في سواده ، وقاسياً في معاناته ، يوم بلغت فيه القلوب الحناجر، والأمة لا تكاد تصدق الخبر ، الذي نزل عليها نزول الصاعقة، رحل خالد الذكر جمال عبد الناصر، قائد الأمة العربية، وقائد حركتها التحررية ضد الاستعمار والصهيونية وأعوانهما من الأدوات المحلية والرجعية .

 وهذه الذكرى مناسبة لقراءة أولية -على صعيد العناوين- للفرق بين المرحلة التي قادها ناصر منذ عام 1952 وحتى رحيله في سبتمبر –أيلول 1970 ، ومرحلة ما بعد عبد الناصر  على الصعيدين القومي العربي والوطني المصري.

أولاً :  مرحلة عبد الناصرعلى الصعيد القومي والإقليمي والأممي

1-في مرحلة عبد الناصر (1952-1970) كان المد القومي العربي والتقدمي هو السائد إن على صعيد شعارات الحرية والاشتراكية والوحدة، والعمل الجاد لنقلها إلى حيز التطبيق، وإن على صعيد إسقاط الأحلاف الاستعمارية وعلى رأسها حلف بغداد ، وعلى صعيد إنجاز أول تجربة عربية وحدوية في التاريخ المعاصر بين مصر وسورية حملت اسم  “الجمهورية العربية المتحدة” بين عام 1958-1961 ، والتي لم تستمر جراء عوامل ذاتية  سهلت مهمة الامبريالية والقوى الرجعية في إجهاضها.

2- في مرحلة عبد الناصر شهدنا ممارسة عملية في دعم حركات التحرر الوطني العربية سواء في الجزائر أو اليمن والعراق وغيرها ،  وفي محاربة التبعية والتجزئة على الصعيدين الوطني والقومي، وعلى صعيد إبقاء فلسطين قضية مركزية للأمة العربية ودعم المقاومة الفلسطينية.

3-في مرحلة عبد الناصر شهدنا بصماته، في تحويل مصر كإقليم قاعدة  لحركة التحرر العربية، ولحركات التحرر في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ، وشهدنا دوره  المركزي في إنشاء  “منظومة الحياد الإيجابي ” ،في مؤتمر باندونغ إلى جانب قامات قومية وأممية كبيرة مثل جواهر لال نهرو وأحمد سوكارنو وجوزيف بروز تيتو ،  وشهدنا حضور مصر الفاعل في المحافل العربية والدولية.

4-وفي مرحلة عبد الناصر تحددت خارطة  تحالفات مصر ،مع القوى الدولية والإقليمية في ضوء موقفها من قضايا الأمة كالتنمية المستقلة ، والاستقلال الاقتصادي والسياسي ، وفي ضوء موقفها من الصراع العربي الصهيوني ، فكان تحالفها الرئيسي مع الاتحاد السوفياتي دون أن تقطع مع جمهورية الصين الشعبية، رغم الخلاف بينهما في قضايا ذات طابع أيديولوجي.

5-في مرحلة عبد الناصر ، شهدنا  استراتيجية وتكتيكات  فاعلة في إدارة الصراع مع الإمبريالية والصهيونية والرجعية ، عبر التحرك في الدوائر  الثلاث، التي رأى عبد الناصر أن مصر تنتمي إليها ،وأن دورها الخارجي يجب أن يتوزع بينها ، والتي سبق وأن  حددها في كتابه ” فلسفة الثورة ” ،وهي الدائرة العربية والدائرة الاسلامية ( الدول الاسلامية) والدائرة الإفريقية.

6-في مرحلة عبد الناصر ورغم هزيمة 1967 ،لم يحدث أي تغيير في طبيعة الصراع مع العدو الصهيوني بأنه صراع وجود وليس صراع حدود ، فكان الشعار الناظم  لخالد الذكر ” لا صلح ولا مفاوضات ولا اعتراف” ،  “وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة” ناهيك أن موقفه من قرار 242  ومشروع روجرز جاء في سياق تكتيكي لإدارة الصراع ، وفي إطار  عمله الدؤوب لإعادة بناء القوات المسلحة،  استعداداً للحرب القادمة التي كان يعد لها بكل كفاءة واقتدار.

ثانياً : مرحلة ما بعد عبد الناصر على الصعيد القومي والاقليمي والأممي

1-في مرحلة ما بعد عبد الناصر شهدنا الردة في مصر والوطن العربي عن معطيات مرحلة عبد الناصر – مع بعض الاستثناءات لبعض الدول العربية- فشعار ” هذه الدولة أو تلك “أولاً ” غدا هو السائد كبديل للشعار القومي الوحدوي، والدول الرجعية وظفت شعار القومية العربية خدمةً للتحالف مع أميركا والكيان الصهيوني ضد إيران ودول محور المقاومة.

2-في مرحلة ما بعد عبد الناصر ساد النهج النيوليبرالي ، نهج التبعية الاقتصادية والسياسية  وغياب وتغيب نهج التنمية المستقلة، والخضوع الذليل لمؤسسات العولمة ” صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية والشركات متعدية الجنسية ” الذي هو في التحليل النهائي خضوعاً ذليلاً وكاملاً للإمبريالية الأمريكية والغربية عموماً.

3-في مرحلة  ما بعد عبد الناصر ، جرى توقيع اتفاقات كامب ديفيد  عام 1978، والتي كانت محصلة لارتداد السادات عن نهج ثورة 23 يوليو ، والتي أخرجت مصر بما تمثله من ثقل استراتيجي وديمغرافي وجيوسياسي من معادلة الصراع مع العدو الصهيوني، ما أدى إلى انكشاف ظهر الأمة العربية والقوى التقدمية فيها ، فكان قصف (إسرائيل) للمفاعل النووي في العراق  وقرار العدو الصهيوني بضم الجولان 1981 ، والغزو  الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت عام 1982 وخروج المقاومة الفلسطيني من لبنان ،  وكانت الحرب العراقية الإيرانية ، والعدوان الثلاثيني على العراق عام 1991، وحصاره ثم احتلاله عام 2003 ، والأخطر من ذلك كله كان توقيع اتفاق أوسلو  ومعاهدة وادي عربة مع الكيان الصهيوني عامي 1993 وعام 1994. .

4- في مرحلة  ما بعد عبد الناصر ، أصبحت مصر مجرد تابع للحكم السعودي ولبقية دول الخليج، وفقدت دورها القيادي في الوطن العربي ، وباتت مرتهنة في سياساتها للإدارة الأمريكية.

5-في مرحلة ما بعد عبد الناصر كان الخريف العربي، الذي كرس التبعية للأمريكان ، وجرى ولا زال يجري العدوان الصهيو أميركي الرجعي التكفيري على سورية ” قلب العروبة النابض” ، وباتت عواصم الردة  الهامشية  والقزمية، تتربع على عرش المشهد العربي بدلاً من القاهرة ودمشق وبغداد ،وتتسابق لإقامة علاقات مع الكيان الصهيوني من موقع التبعية والدونية، وغدت  الرجعيات العربية تتسابق على تقديم المبادرات والمشاريع لتصفية القضية الفلسطينية ، وتوقع الاتفاقات والمعاهدات مع الكيان الصهيوني وتتسابق على كسب وده والتحالف معه ، وتعلن جهاراً نهاراً قبولها بصفقة القرن الصهيو أميركية السعودية لتصفية القضية الفلسطينية.

ثالثاً: مرحلة عبد الناصر على الصعيد المصري

1-في مرحلة عبد الناصر وقيادته، قضت ثورة 23 يوليو  على الرأسمالية والإقطاع  من خلال سن  قانون الإصلاح الزراعي، الذي هو من أهم مكتسبات الثورة، والذي صدر بعد شهرين فقط منها في سبتمبر (أيلول) 1952 ،وبموجبه تم توزيع الأراضي على الفلاحين وحولتهم من أقنان إلى مالكين .

2-في مرحلة عبد الناصر كانت اتفاقية جلاء القوات البريطانية عن مصر عام 1955، وكانت ” ضربة المعلم ” بتأميم قناة السويس” ام 1956 ، التي انهت  السيطرة الأنجلو فرنسية على القناة وتوظيف عائداتها لبناء السد العالي ، وكان قرار عبد الناصر الشجاع بالتصدي للعدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على مصر ، ومن ثم إنهاء الحضوري الامبراطوري لبريطانيا كإمبراطورية لا تغيب عنها الشمس.

3- وفي مرحلة عبد الناصر ، كانت قرارات التأميم، وبناء القطاع العام الاشتراكي الذي عمل على توفير الاحتياجات الأساسية للشعب المصري بأسعار زهيدة ، وكان الانحياز للعمال والفلاحين ، وكان بناء السد  العالي بدعم من الاتحاد السوفياتي ،الذي وفر الذي وفر الطاقة الكهربائية لمصر  ، وإقامة أكبر بحيرة صناعية في العالم ” بحيرة ناصر، ما مكن من استصلاح ما يزيد عن مليون  وسبعمائة ألف فدان للزراعة ، وساهم بشكل كبير في توفير الأساس المادي للاشتراكية.

4-في مرحلة عبد الناصر تم سن قوانين يوليو الاشتراكية عام 1961 ، التي ضمنت العدالة الاجتماعية والحد من الفوارق الطبقية ، وكانت الخطط الخمسية للتصنيع والتصنيع الثقيل، ( الخطة الخمسية الأولى 1960- 1965 ، التي تم في ضوئها إنجاز  1200 مصنع بكلفة 1500 مليون جنيه ، والخطة الخمسية الثانية لإقامة 300 مصنع بكلفة 3000مليون جنيه – التي شكلت ضمانة للتنمية المستقلة وللاستقلال الاقتصادي ).

5- في مرحلة عبد الناصر تم توفير التعليم المجاني لأبناء الشعب المصري من العمال والفلاحين ، في كل مراحله ولم يعد محصوراً على أبناء الطبقة البرجوازية وأبناء ” الذوات”

6-في مرحلة عبد الناصر شهدنا ازدهاراً غير مسبوق للثقافة الوطنية والقومية من آداب وفنون وغناء ومسرح ، وشهدنا بروزاً وتكريماً لأعلام في الثقافة والأدب والفن ، ودعماً غير محدود للثقافة والمثقفين.

رابعاً: مرحلة ما بعد عبد الناصر على الصعيد المصري

1-جرى تدمير وضرب كل المكتسبات التي حققتها ثورة 23 يوليو  بقيادة عبد الناصر من خلال التراجع عن الاصلاح الزراعي والتأميم ، ومن خلال ضرب القطاع العام وتصفية معظم أركانه ومرتكزاته.

2- جرى تسويق وتطبيق النهج النيوليبرالي واقتصاد السوق والتراجع عن الاشتراكية ، وتغيير المعادلة الطبقية لمصلحة الفئات الطفيلية  من الكومبرادور ” والقطط السمان” “وسماسرة الانفتاح” ، على حساب قوى الإنتاج من عمال وفلاحين وبرجوازية وطنية .

3- جرت عملية خصخصة طالت معظم أسس الاقتصاد المصري ، وارتهن الاقتصاد المصري بشكل شبه كامل  لصندوق النقد والبنك الدوليين ، وباتت مصر ترزح تحت مديونية  وصلت وفق بيانات البنك المركزي المصري حتى نهاية ديسمبر ( كانون أول ) الماضي   112.6 مليار دولار،  ناهيك عما ترتب على الارتداد الاقتصادي من بطالة وفقر  وتضخم ، إذ أن معدلات البطالة في اضطراد منذ انقلاب 15 مايو (أيار ) 1971 وحتى اللحظة الراهنة ، إذ صعد معدل البطالة في سوق العمل المصرية، إلى 9.6 بالمائة من إجمالي قوة العمل خلال الربع الثاني من عام  2020.

أما على صعيد نسبة الفقر ، فهي في تزايد منذ ارتداد السادات عن النهج الناصري ،  إذ ارتفع معدل الفقر في مصر ليصل إلى 32.5 في المئة من عدد السكان البالغ (101) مليون نسمة، وذلك وفق إحصاءات سابقة للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء ، وكان البنك الدولي قد أصدر بيانا فى شهر مايو/ أيار الماضي، قال فيه “إن نحو 60 في المئة من سكان مصر إما فقراء أو عرضة للفقر،  وبلغ التضخم معدلات قياسية في مصر خلال السنوات الأخيرة، وصلت إلى 33 في المئة بعد التعويم، لكنه تراجع مؤخرا إلى أقل من 10 في المئة، وفق الأرقام الرسمية.

4- تراجع دور مصر على الصعد الثقافية والفنية ، إن على صعيد المسرح والأغاني والسينما ناهيك أن المبدعين لم يحظوا بالدعم المطلوب جراء موقفهم النقدي من السلطة ونهجها..

ما تقدم يشكل بعضاً من فيض، في المقارنة بين مرحلة ما قبل عبد الناصر والمرحلة اللاحقة والممتدة حتى اللحظة الراهنة ، وما تقدم لا يعني أن تجربة عبد الناصر لم تكتنفها هنات وثغرات ، التي اعترف بها بعد هزيمة 1967 ، لكنه عمل على معالجتها باقتدار بعد الهزيمة من خلال بيان (30) مارس 1968،  الذي تضمن معالجات جذرية على مختلف الصعد الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية.

لكن الخلاصة الرئيسية التي يجب التأكيد عليها في ذكرى رحيل قائد الأمة ، أن مشروعه القومي النهضوي لا زال صالحاً في ثوابته الأساسية ، ويمكن البناء عليها في ضوء المتغيرات الراهنة

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here