عليان عليان: حي الشيخ جراح المقدسي عنوان بارز في التصدي لسياسة التطهير العرقي الصهيونية

 

 

عليان عليان

(المقدسيون لا يعولون على السلطة لإنقاذ حي الشيخ جراح من سطو المستوطنين على  منازلهم ، بل يعولون على أنفسهم ، وعلى الأهل في عموم فلسطين التاريخية ، وعلى الدور الميداني  لكوادر المقاومة في إفشال مخطط التهجير والتطهير العرقي)

أثبت المقدسيون أنهم ليسوا بحاجة، لمن  يقترح عليهم سبل الحفاظ على عروبة القدس وهويتها وبرهنوا أنهم الأقدر على رسم خطوط المواجهة مع الاحتلال، من واقع الخبرة التي اكتسبوها  على مدى 54 عاماً ، فهم من فجر انتفاضة الأقصى عام 2000 ، وهم من أشعلوا هبة النفق عام 1996 ، وهم من ساهموا بجدارة في هبة 2015 ، وهم من أشعلوا انتفاضة 2017 لإسقاط  البوابات الالكترونية ، وهم من أفشلوا في هبتهم الشعبية مشروع العدو في باب الرحمة.

وهم اليوم في انتفاضتهم العارمة، لا يحصرون حراكهم الانتفاضي في باب العامود والمسجد الأقصى ،  بل ينقلونه جزءاً منه  إلى مواقع مقدسية أخرى تتعرض لخطر الإجلاء والتهويد  إذ أنه منذ  الثاني من شهر مايو (أيار) الجاري، توجهت جموع المنتفضين لنجدة أهالي الشيخ جراح،  وللتصدي لمشروع العدو القاضي بطرد 500 عائلة مقدسية من الحي لصالح إسكان المستوطنين فيها، إدراكاً منهم أن كل شبر في فلسطين هو أقصى، وكل شبر في فلسطين هو كنيسة قيامة.

وبتنا نشهد مسيرات غاضبة ومواجهات نهارية وليلية  حادة مع قوات الاحتلال في حي الشيخ جراح ،  يشارك فيها  مئات المقدسيين ، الذين يؤكدون رفضهم لإخلاء أي فلسطيني من منزله  ولسياسة التهجير القسري والتطهير العرقي ، ولأي قرار يصدر عن ما يسمى بالمحكمة العليا الإسرائيلية، التي  كان من المقرر أن  تبت  في السادس من شهر أيار الجاري  في قرار إخلاء عائلات فلسطينية لصالح جمعيات استيطانية.

وقد تطورت المواجهات ، حين دخل المستوطنون إلى منازل الفلسطينيين في الحي ليل الثلاثاء بدعم وتغطية من قوات الاحتلال ، لإجبار الأسر الفلسطينية للخروج من منازلهم ، حيث خاض أهالي الحي والمنتفضون معارك قاسية مع المستوطنين وقوات  الاحتلال  الذي عمل على تفريقهم باستخدام غاز الفلفل وغاز الأعصاب والهراوات، ما أدى إلى إصابة العشرات من الفلسطينيين، ناهيك عن اعتقال العديد منهم.

المحكمة الإسرائيلية تؤجل اتخاذ قرار الإخلاء جراء تصدي المقدسيين له

 وأمام صمود أهالي الحي والمتضامنين معهم من الشباب المقدسيين، الذين رفعوا شعارات “لن يمروا” “ولن يمر مخطط تهجير أهل الحي من العائلات المقدسية إلا على أجسادنا” اضطرت ما تسمى بالمحكمة  العليا الإسرائيلية الاثنين الماضي (3-4-2021)، إلى تأجيل إصدار الحكم الذي كان مقررا إصداره  في السادس من شهر  أيار (مايو) الجاري  إلى الثالث من شهر حزيران، المقبل  والذي كان سيقضي   بأن تقوم سلطات الاحتلال بإخلاء 4 منازل فوراً ،  وإخلاء ثلاث عائلات أخرى مطلع شهر آب/اغسطس القادم.

وفي التقدير الموضوعي، أن قرار المحكمة الإسرائيلية  بتأجيل إصدار حكم إخلاء المنازل المذكورة إلى مطلع شهر حزيران القادم  أو إلى إشعار آخر، هو قرار سياسي إسرائيلي جرى تغليفه بقرار قضائي ، بحكم إدراك العدو أن تصعيد المواجهات في حي الشيخ جراح في هذه اللحظة السياسية، يقدم خدمة ًجليلة للانتفاضة المشتعلة في القدس وعموم الأراضي المحتلة، ويصب الزيت على نارها المشتعلة ، لا سيما وأن سلطات الاحتلال تجري اتصالات مع قيادة السلطة بشأن تهدئة الموقف في القدس  وفي بقية الأراضي الفلسطينية  المحتلة.

ويتهدد خطر التهجير 500 مقدسي يقطنون في 28 منزلاً بالحي على أيدي جمعيات استيطانيّة بعد سنوات من التواطؤ مع محاكم الاحتلال، والتي أصدرت مؤخراً  قراراً  بحق (7) عائلات فلسطينية رغم أن سكان الحي هم  المالكين الفعلين والقانونين للأرض.

تجدر الإشارة هنا إلى أنه صدر في أيلول 2020 قرار بإخلاء أربع عائلات من الحي، وهي: (اسكافي، الكرد، الجاعوني والقاسم)، وتبعه قرار آخر في الشهر الذي يليه يقضي بإخلاء ثلاثة عائلات أخرى، وهي: (حماد، الدجاني، وداوودي).

وقدمت العائلات طلب استئناف للمحكمة العليا، التي رفضت طلب الاستئناف، وأصدرت قرارا في شباط 2021 بإخلاء المجموعة الأولى من عائلات الحي من منازلهم بتاريخ 2/5/2021 والمجموعة الثانية بتاريخ 1/8/2021

 والمقدسيون في تصديهم  لقرارات  الإخلاء  والتهجير القسري  يدركون جيداً بأن مخطط الإخلاء في الشيخ جراح ما هو إلا بروفة  لمخططات أخرى لاحقة ، وأنه إذا ما نجح مخطط إخلاء الشيخ جراح من سكانه العرب ، فإن المخطط ذاته سينتقل إلى أحياء القدس الأخرى خراج السور في الطور ووادي الجوز  وسلوان وجبل المكبر وغيرها ، وذلك في إطار استراتيجية العدو  منذ عام 1967  ، الخاصة بإحداث خلل في المعادلة الديمغرافية في  عموم  القدس وفي  الجزء الشرقي منها لصالح اليهود. .

المخطط الديمغرافي الصهيوني في القدس

وللتذكير  أنه منذ أن  جرى احتلال  الجزء الشرقي من المدينة عام 1967 ، وصدور  قرار إسرائيلي بضمها ،  اتخذت حكومة العدو آنذاك  قراراً بأن أن تصبح نسبة اليهود في  عموم القدس 76 في المائة مقابل 24 مائة من العرب ، لكن هذه النسبة لم تتحقق لغاية الآن بسبب صمود المقدسيين  في مدينتهم، وعدم الهجرة منها رغم كافة الإجراءات التضييقية الإسرائيلية ورغم هذا الكم من الكتل الاستيطانية في محيط المدينة ، ورغم جدار الضم والتهجير العنصري الذي أخرج بعض الضواحي والأحياء من حدود  بلدية المدينة.

وللتذكير أيضاً أن هذا الحي المقدسي  أنشيء عام 1956 في إطار اتفاقية بين  وزارة الإنشاء والتعمير الأردنية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا) بهدف توطين 28 عائلة فلسطينية لجأت إلى القدس بعد نكبة 1948 ،  مقابل تخليهم  عن بطاقة الإغاثة الصادرة عن الوكالة .

وتضمنت تلك الاتفاقية عدة بنود من بينها البند رقم (11) ، الذي يقضي  بأنه بعد مرور ثلاثة سنين على سكن هذه العائلات في الحي تصبح ملكية البيوت التي سكنوها ملكاً لهم  على أن تدفع العائلات أجرة رمزية لحين إتمام البناء وتسجيل الملكية بأسمائهم ، لكن بعد احتلال الجزء الشرقي من القدس بدأت هذه العائلات تدخل في صراع مع الجمعيات الاستيطانية في محاكم الاحتلال  التي تصر على الاستيلاء على منازلهم وطردهم منها.

يذكر أن الجمعيات الاستيطانية اليهودية ، وبعد مرور خمس سنوات على حرب 1967 وعلى احتلال الجزء الشرقي من القدس ، بدأت محاولاتها للسيطرة على حي الشيخ جراح  -بزعم ملكيتها للحي- وطرد سكانه العرب بدعم من قوات الاحتلال، ومن القضاء الإسرائيلي المزعوم حيث تم  إخلاء العائلات الثلاث  الأولى من الحي في عامي 2008- 2008 ، وفي حال نفذت سلطات الاحتلال الإخلاءات الجديدة، فإنها تكون قد طردت 15 عائلة من أصل 28 في حي كرم الجاعوني.

المقدسيون أخذوا زمان المبادرة بأيديهم

وأبناء القدس في انتفاضتهم الراهنة ، أخذوا بأيديهم زمام المبادرة للحفاظ عل عروبة القدس وهويتها ، مدركين أن الحفاظ على الهوية كهدف استراتيجي يقتضي التصدي بقوة لسياسة ترحيل السكان من أحيائهم وبيوتهم ، والتصدي لسياسة هدم المنازل بحجة عدم الترخيص والتصدي لمصادرة الأراضي بذريعة المناطق الخضراء أو للأسباب الأمنية .

وهم بمرابطتهم اليوم في حي الشيخ جراح ، يدركون جيداً أن عامل الوقت ليس في صالح أهالي  الحي ، ويخشون من  فرض الأمر الواقع الإسرائيلي بشأن تهجيرهم وإحلال المستوطنين محلهم في منازلهم ،  وبالتالي قرروا أن يخوضوا معركة مزدوجة ، الأولى على الأرض بالمواجهة المباشرة مع الاحتلال والمستوطنين، مهما كانت كلفتها من دمائهم والمعركة الأخرى في المحافل الدولية ( محكمة الجنايات الدولية ، مجلس الأمن ، مفوضية حقوق الإنسان ألخ)

وبخصوص  المعركة التالية نشهد تحرك الجانب الفلسطيني لطرح موضوع الحي على محكمة الجنايات الدولية، ونشهد توقيع عدة  منظمات حقوقية ومنظمات  مجتمع مدني ، على مذكرة بهذا الخصوص تطالب محكمة الجنايات الدولية بأن   تأخذ دورها في  إنقاذ أهالي الحي  من سياسة التطهير العرقي ،  ونشهد   مناشدات ومراسلات أهل الحي مدعومة من جمعيات فلسطينية وغيرها للحكومة الأردنية ،لأن تأخذ دورها في حماية سكان الحي العرب  ومجابهة مساعي إسرائيل لتهجير أهالي الحي  ، بحكم أنها طرف في الاتفاقية الموقعة مع وكالة الغوث ( الأونروا) بشأن توطين عائلات فلسطينية فيه بعد نكبة 1948.

ورغم أهمية المعركة  الثانية ، إلا أن المعركة الأولى هي الأهم ، خاصةً وأن العدو الصهيوني دخل في سباق مع الزمن لاستكمال تهويد المدينة المقدسة ،  غير آبه بقرارات مجلس الأمن  والجمعية العامة للأمم المتحدة الرافضة لقرارات الضم والاستيطان والتهويد ، ومن ثم فإن التصدي لقرارات الإخلاء عبر المواجهات  اليومية ، في خضم الانتفاضة المقدسية الواعدة هو الذي سيلعب الدور الحاسم في الحفاظ على عروبة الحي وتمكين سكانه من البقاء فيه.

لكن معركة الحفاظ على عروبة الحي، كجزء من الحفاظ على عروبة القدس بأكملها تقتضي من قيادة المنظمة  والسلطة – رغم عدم المراهنة عليهما – أن توفرا سبل الدعم المادي والمعنوي لأهل الحي للصمود في منازلهم، في مواجهة المستوطنين وقوات الاحتلال الإسرائيلة ، وتقتضي من فصائل المقاومة أن تترجم أقوالها وبياناتها  إلى أفعال ملموسة ، عبر   الدفع بكوادرها لأن تلعب الدور الميداني  المطلوب، لحماية الحي من هجمات المستوطنين  وتشكيل لجان حراسة مهمتها رصد تحركات قطعان المستوطنين والتصدي لها.

 وأخيراً  فإن أهالي حير الشيخ جراح والقدس عموماً، لا يعولون على محاكم الاحتلال  التي  تنحاز بالمطلق  لصالح  المستوطنين ، ولا يعولون على السلطة صاحبة الدور المعروف في إجهاض الانتفاضات والهبات الشعبية ،من خلال تفانيها في الإخلاص لنهج التنسيق الأمنيإنما يعولون على أنفسهم، وعلى  الوعد الذي قطعته فصائل المقاومة لدعم صمود القدس والمقدسيين  وعلى دعم الأهل في عموم فلسطين التاريخية ، وعلى قوى الحرية والتقدم في الوطن العربي وفي العالم أجمع  .

انتهى

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here