عليان عليان: إلى متى يستمر الكيان الصهيوني في مسلسل الاغتيالات للعلماء ولقيادات المقاومة الوطنية  والإسلامية دونما رد يذكر ؟!

 

 

عليان عليان

لم نفاجأ باغتيال العالم النووي الإيراني ” محسن فخر زادة” في السابع والعشرين من شهر تشرين ثاني (نوفمبر) 2020 ، في ضوء أنه موضوع بشكل رئيسي على قائمة الاغتيالات لجهاز المخابرات الإسرائيلية “الموساد” منذ زمن ، خاصةً وأن نتنياهو سبق وأن صرح بذلك في مؤتمره الصحفي الشهير عام 2018 ، لكن المراقبين فوجئوا بالخلل الاستخباري لدى أجهزة الأمن الإيرانية ، إذ كيف  لهذه الأجهزة أن تسمح بانتقال هذه القامة العلمية الكبيرة بالسير في طريق خلاء في محيط العاصمة طهران حتى بوجود مرافقين للحماية  هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أين قدرة هذه الأجهزة في اكتشاف خلايا الموساد وأدواتها في إيران مبكراً قبل أن تقدم على مثل هذه الجريمة.

والخطورة هنا أن هذا هو الاغتيال الخامس للعلماء الإيرانيين ، والاغتيال الثاني بعد  اغتيال قائد فيلق القدس  الفريق ” قاسم سليماني ” ” وأبو محمد المهندس”  نائب رئيس  قوات الحشد الشعبي، في مطلع  العام الحالي قرب مطار بغداد  ،  دون الاستفادة من التجربة ، ما قد يحقق هدف العدو الصهيوني،  في خلق حالة من القلق والتذمر لدى الشعب الإيراني ، كما  أن هذا  الاغتيال الخطير يطرح سؤالاً كبيراً مفاده : ما قيمة أن تمتلك إيران ترسانة صاروخية وتقدم علمي لا يضاهى في الشرق الأوسط ، وفي ذات الوقت  لا تمتلك القدرة على حماية صانعي هذه القدرات العلمية الهائلة.

نعلم أن إيران ولادة للكفاءات العلمية ، وأن اغتيال  هذا العالم لن يفت في عضد إيران وبرامجها النووية  السلمية والصاروخية ، وأن جيشاً من المختصين تدرب بكفاءة على أيدي ” محسن فخر زادة” ورفاقه ، ونعلم أن إيران في ضوء هذا التقدم العلمي والعسكري باتت قوة إقليمية رئيسية ، لكن حادثة الاغتيال  إذا لم يتم الرد عليها بحكمة وبفعالية وبشكل موجع ضد الكيان  الصهيوني، وضد الأدوات الاستخبارية الصهيونية والأمريكية ، فإن ذلك سيضعضع ثقة الشعب الإيراني  بقدرات القيادة في المجال الأمني، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن إيران تتبوأ موقع قياديا بارزاً في محور المقاومة .

صحيح أن الكيان الصهيوني، قد يسجل نقاطاً هنا وهناك في مجال  الإنجازات التكتيكية عبر اغتيال هذا العالم أو ذاك، أو اغتيال هذا القائد المقاوم أو ذاك ، سواءً كان في فلسطين أو لبنان أو سورية ، وأنها ترفع أسهم نتنياهو في مواجهة خصومه داخل الكيان الصهيوني، وتؤجل تقديمه للمحاكمة بتهم الفساد والرشا المتعددة، لكن هذه الإنجازات التكتيكية ، لن تغير من واقع صورة  الانتصارات ذات البعدين التكتيكي والاستراتيجي التي حققتها  وتحققها إيران وسورية والمقاومتين اللبنانية والفلسطينية.

لكن تقتضي المصارحة  أن نقول :  أن مسلسل  الاغتيالات الإسرائيلية المتوالية للكفاءات العلمية ولقيادات أساسية في  المقاومة،  التي تمت وتتم  بدون  رد ، تشكل معارك بين الحروب، تربك معادلات وخطط المواجهة لدى محور المقاومة ، وتؤثر بطريقة سلبية على الحاضنة الشعبية للمقاومة ، ما يتطلب من  قوى محور المقاومة، أن تطور من قدراتها الأمنية لإفشال عمليات ” الموساد” والاستخبارات الأمريكية قبل وقوعها ، وللرد على عمليات الاغتيال  بعمليات من ذات النوع في الوزن والقيمة ، لتعزيز  ثقة جماهير المقاومة بها ، ولشل يد أجهزة العدو الأمنية  ولمنعها من تكرار مثل هذه العمليات الجبانة ، فمعظم عمليات الاغتيال الإسرائيلية ظلت حتى اللحظة بدون رد  ، يرقى لمستوى جرائم الاغتيال التي اقترفها العدو الصهيوني ، وفي الذاكرة قامات كبيرة جداً تم اغتيالها: نذكر منها  على سبيل المثال لا الحصر :  الشهداء كمال ناصر ، أبو يوسف النجار ، كمال عدوان ، غسان كنفاني ، زهير محسن، أبو حسن سلامة ، أبو جهاد ( خليل الوزير )   ، و صلاح خلف ( أبو إياد) ،  وديع حداد ، وخالد نزال ،  الشيخ أحمد يسن ، عبد العزيز الرنتيسي، يحي عياش،  ، فتحي الشقاقي ، الشيخ عباس الموسوي ،عماد مغنية …والقائمة تطول وتطول .

ولم  تشمل عمليات الاغتيال قادة المقاومة فحسب ، بل شملت الكفاءات العلمية العربية والإسلامية وفي الذاكرة اغتيال كل من العالم النووي المصري ” يحي المشد ” و ” محمد الزواري” و ” يحي فليفل” و ” سعيد نجيب ” والقائمة تطول وتطول أيضاً.

وحادثة الاغتيال الوحيدة ، التي لقيت الرد المناسب في الوقت المناسب ، والتي يجب تأريخها  والبناء عليها، هي حادثة اغتيال الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ( أبو علي مصطفى) في مدينة البيرة  بتاريخ 27-8- 2001 ، حين ردت كوادر الجبهة باغتيال الوزير الصهيوني المتطرف “رحبعام زئيفي”  في فندق ”  ريجنسي” في القدس بتاريخ 17-1-2001 ، أي في غضون أقل من شهرين على اغتيال ” أبو علي مصطفى ، ما أربك حكومة العدو ، وأفقد جهاز الشاباك الإسرائيلي ثقة الجمهور الإسرائيلي به في تلك الفترة.

لقد شكل اغتيال زئيفي، الجنرال السابق في جيش الاحتلال، والوزير الصهيوني الذي دعا إلى سياسة “الترانسفير” ضد الفلسطينيين ، وأحد  أبرز مؤسسي دولة الاحتلال ضربة كبيرة  للكيان الصهيوني وأجهزته الاستخبارية، التي لم تتخيل يوماً أن فصيلاً فلسطينياً سيتجاوز التهديد إلى الرد المباشر  ، واغتيال أبرز جنرالاتها رداً على اغتيال أبو علي مصطفى.

عودة  لأبعاد عملية اغتيال كبير العلماء النوويين الإيرانيين ” محسن فخر زادة”، فإن نتنياهو عمل على استثمار الفترة الانتقالية الفاصلة ، بين  بقاء ” ترامب في الحكم  ، وبين تسلم الرئيس الأمريكي المنتخب ” جو بايدن” مقاليد الحكم ، بتاريخ  20 يناير ( كانون ثاني) 2021 ، وضرب ضربته  باغتيال العالم النووي الإيراني، بالتنسيق مع  وزير الخارجية الأمريكية ” بومبيو ” ومع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان،  ومع بقية أطراف حلف الحرب في دول الخليج المطبعة ، بهدف تحقيق ما يلي :

أولاً : خلق حالة كبيرة من عدم الاستقرار والتوتر وخلط الأوراق  في المنطقة، تحول دون إقدام الرئيس الأمريكي الجديد ” جو بايدن” على إعادة  الالتزام  بالاتفاق النووي مع إيران  ورفع العقوبات عنها ، إذ أن نتنياهو وبدعم من ترامب ، توقع أن تقدم إيران على ضربات شاملة أو محدودة ضد الكيان الصهيوني، أو ضد القواعد والسفن الحربية الأمريكية في الخليج  ومن ثم حصول رد مضاد من  البحرية الأمريكية، الأمر الذي يشل يد إدارة  “جو بايدن ” لاحقاً في العودة إلى اتفاق (5+1) النووي مع إيران .

ثانياً : أن  تدفع هذه التطورات المتخيلة والمتوقعة ، في ضوء خلط الأوراق في المنطقة الإدارة  الأمريكية  الجديدة ، للتخلي عن وعودها بوقف الدعم التسليحي للسعودية في حربها ضد اليمن ، والتراجع عن محاسبتها على جرائم حقوق الأنسان ، وخاصةً إعادة  فتح ملف جريمة  القتل الشنيعة للمعارض السعودي جمال خاشقجي ، التي تستر عليها  الرئيس  دونالد ترامب .

لكن فات على حلف الحرب الصهيو سعودي الأمريكي ، إدراك حقيقة أن القيادة  الإيرانية الحالية قيادة غير متهورة ، وتحسب خطواتها بدقة متناهية ، قبل الإقدام على خطوة حرب شاملة أو محدودة ، وهي معنية بانتظار تسلم “بايدن” مقاليد الحكم ليترجم وعوده بالعودة للاتفاق النووي ورفع العقوبات عن إيران ، وتدرك جيداً الاستهداف التكتيكي  الصهيو أمريكي السعودي من عملية الاغتيال ، وبالتالي فإن ردها المتوقع هذه المرة بالتحالف مع بقية أطراف محور المقاومة ، قد يكون من جنس العمل الذي أقدم عليه الكيان الصهيوني ، وهذا ما  صرح به القائد الجديد لفيلق  القدس اللواء “إسماعيل قاني”.

وما يؤكد على عدم تهور الإدارة الإيرانية في هذه المرحلة ، أنها لم توافق على القرار الصادر عن البرلمان الإيراني- الذي يسيطر عليه المحافظون  ، والذي يدعو إلى أمرين رئيسيين هما:

أولاً : المواجهة المباشرة مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة للحفاظ على مكانة وهيبة الدولة، دون أن يأخذ بعين الاعتبار  المتغير الجديد ،ممثلاً بوصول ” جو بايدن” لسدة الحكم  وما يحمله من وعود بشأن العودة لاتفاق (5+1) النووي مع إيران.

ثانياً : أن تعمل هيئة الطاقة النووية على إنتاج 200 كيلو غرام من اليورانيوم المخصب وفق رفع نسبة التخصيب إلى (20) درجة.

وقد تركت الإدارة الإيرانية- التي تنتمي للجناح الإصلاحي، بقيادة الرئيس حسن  روحاني- البت في قرار البرلمان للدولة العميقة، ممثلةً ” بمجلس صيانة الدستور ومجلس تشخيص مصلحة النظام ،إذ ترى إدارة  روحاني أن تنفيذ قرار البرلمان على هذا النحو يسهل مهمة التكتيك الكيان الصهيوني والحزب الجمهوري وحلفائهم من دول التطبيع، في منع   “جو بايدن” من تنفيذ وعده بالعودة للاتفاق النووي ، ناهيك أنه  يضعف موقف إيران في علاقتها مع كل من روسيا والصين ، اللتان  وقفتا إلى جانب إيران في الدفاع عن مشروعها النووي السلمي، في مواجهة إدارة ترامب التي تخلت عن  اتفاق (5+1) النووي.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. كتبت فأبدعت ووضعت إصبعك على الجرح يا أخي الحبيب سيما وأن الأبواق الرجعية كانت ولا زالت تغمز وتلمزعلى موضوع الردود الوهمية المزلزلة التي كانت ولا تزال تعد بها فصائل المقاومة عند إغتيال قادتها دون أن نرى أي عملذ انتقامي بإستثناء الرد على اغتيال ابو علي مصطفى كما ذكرت ولعل السبب في ذلك قدرة الموساد في تجنيد الخونة والتي للأسف جعلتهم ينجحون في معظم عملياتهم …. تحياتي دائماً لك وبالتوفيق

  2. كتبت فأبدعت ووضعت إصبعك على الجرح يا أخي الحبيب سيما وأن الأبواق الرجعية كانت ولا زالت تغمز وتلمزعلى موضوع الردود الوهمية المزلزلة التي كانت ولا تزال تعد بها فصائل المقاومة عند إغتيال قادتها دون أن نرى أي عمل انتقامي بإستثناء الرد على اغتيال ابو علي مصطفى كما ذكرت ولعل السبب في ذلك قدرة الموساد في تجنيد الخونة والتي للأسف جعلتهم ينجحون في معظم عملياتهم …. تحياتي دائماً لك وبالتوفيق

  3. اغلب اغتيالات القاده الفلسطينين تمت بالتعاون مع كوادر فلسطينيه مقربه من المسؤلين المغدورين. لم ؟؟؟ لان الفساد والرشاوي تلعب دور ولا يجب أن نلوم احد ولا أن نطلب المساعده فجميع المنظمات الدوليه ولا حتى الدول الكبرى باستطاعتها وأن تفعل شيء. فكم من قرار صدر من مجلس الأمن والامم المتحده لمعاقبة إسرائيل ولكن من دون أن يطبق قرار واحد. ولكن على الدول الفقيرة فقط.

  4. الأستاذ عليان : شكراً لحرصك وتعاطفك معنا …أريد أن أشير الى نقطة ربما غابت عن كثير من الإخوة والكتاب العرب وهي ان المسؤولين عندنا لايتجاوز عدد الحماية معهم (2 الى 5 ) ، وقد شاهدت بنفسي الشيخ محمدي گلبایگانی مسؤول مكتب قائد الثورة وهو في مشهد يتحدث مع أحد الأشخاص وحارسه الشخصي قد تنحى جانبا، أو الدكتور ولايتي ينتقل الى مستشفى مسيح دانشوري وهو في أقصى نقطة في شمال تهران ومعه سيارة واحدة ، ونائب قائد الحرس يركب سيارة بيجو ومعه سيارة أخرى للحماية ! هذه نقطة ضعف في إجراءات الحماية مع ان بلدنا ذاق مرارة الإغتيالات وخسارة الطاقات العلمية وقد خسرنا (17) ألف شخصية في فترة(41) سنة من عمر الثورة ولازال بلدنا ينجب العلماء ويقدم الشهداء . تحياتي القلبية لك

  5. مقال شمولي معبر ومعرفي وقيم في الصميم وأفخر بأني ربما كنت المهندس العربي الفلسطيني الوحيد ربما الذي اكتشف ببداهة عبقرية التقنيين الايرانيين الأفذاذ عندما ادرت أحد جلسات ندوة تقنية عن صناعة الاسمنت عقدت في دبي او أبو ظبي لا أذكر في العام 1996 حيث دعمت المهندسين الايرانيين على استكمال ورقة بحثهم التقنية المميزة وتجاوز الوقت المخصص فيما اعترض مشارك الماني حينها فبررت ذلك بقيمة مضمون هذه الورقة البحثية وفرادتها نسبيا ومقارنة مع الوراق المقدمة في المؤتمر الكبير الذي جمع خبراء صناعة الاسمنت العرب مع ألمانيا وسويسرا وايران بصفتها دول مقدمة للتكنواوجيا المتخصصة!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here