على وهج الصفيح الملتهب: من ادلب الى الاهواز

د. هشام أحمد فرارجة

  وكأن أيلول يأبى اّلا أن يكون شهر الشدائد والازمات الجسام. فأسبوعه الثالث شهد ثلاثة أحداث من العيار الثقيل. كان لكل منها، بطريقته، أن يشعل نار حرب اقليمية دولية متشابكة التعقيدات والاطراف.

  فالاتفاق الروسي-التركي بخصوص ادلب جاء مخالفا لمعظم التوقعات التي كانت ترى أن حرب الحكومة السورية وحلفائها على الجماعات الارهابية في تلك المدينة باتت حتمية. وعلى ما يبدو، فان هذا الاتفاق لم يرق للدول الغربية، لا سيما الولايات المتحدة، التي كانت تجهّز آلتها الاعلامية المضللة لتعبئة الرأي العام الدولي تجاه الحكومة السورية، بحجة استخدامها السلاح الكيماوي ضد المدنيين، خاصة عشية انعقاد الاجتماع السنوي للامم المتحدة بوجود غالبية زعماء العالم. فالترويج الاعلامي الغربي الذي سبق هذا الاتفاق كان مذهلا، بالفعل، خلافا للتحذيرات السورية والروسية الرسمية باستعداد بعض الجماعات الارهابية نفسها لاستخدام مواد كيماوية بالتعاون مع منظمة الخوذ البيض، بهدف الصاق التهمة بالنظام السوري، وذلك من أجل تشويهه، وربما تمهيد الطريق لشن ضربات غربية ضده في العمق.

  فمن الواضح أن الاتفاق الروسي-التركي قد أجهض هذا المخطط الغربي، وسحب البساط من تحت أقدام من كانوا يعدّون العدة لاستثمار الهجوم المحتمل على ادلب لخدمة أغراض اعلامية على مستوى الرأي العام العالمي. وفي الغالب، فان المخططين لاستغلال الهجوم على ادلب لم يكونوا يتوقعون أن تتمكن موسكو من ابرام اتفاق مع أنقرة بهذا الخصوص، نظرا لتباعد وجهات النظر بين الجانبين، خاصة كما بدا في مؤتمر القمة الثلاثي الذي عقد في طهران لهذا الغرض من قبل.

  وهذا ما يرجّح ارتفاع وتيرة التنسيق بين كافة الاطراف الغاضبة من هذا الاتفاق بهدف، امّا احراج روسيا، أو معاقبتها، أو ربما تعكير صفو العلاقات بينها وبين سوريا. وفي هذا السياق، جاء اسقاط طائرة الاستطلاع أيل 20 الروسية فوق مدينة اللاذقية السورية من قبل الطيران الحربي الاسرائيلي بعد قرابة أربع وعشرين ساعة من الاعلان عن التوصل للاتفاق آنف الذكر. ووفقا لابسط قواعد الملاحة الجوية الحربية، ما كان للطيران الاسرائيلي أن يحلق في تلك الاجواء المتلبدة باحتمالات تحليق الطيران لاطراف متعددة دون أن يتم اعلام الحلفاء الغربيين المتواجدين بقواتهم في المنطقة، في الجو والبر والبحر. وبالتأكيد، فان هذا يعزّز من امكانية أن يكون الطيران الحربي الاسرائيلي قد نسّق مهامه، ميدانيا واستخباراتيا، خاصة مع الولايات المتحدة. وما تصريح الرئيس الامريكي، دونالد ترامب قبيل اسقاط الطائرة الروسية بأن الولايات المتحدة سوف تنسحب من سوريا بعد الانتهاء من القضاء على داعش سوى خطوة للتمويه على احتمال ضلوع الولايات المتحدة في حادثة اسقاط الطائرة الروسية، والذي أدى الى مقتل ال15 عسكريا ممن كانوا على متنها، خاصة بعد أن بات الاتفاق غير المتوقع بخصوص ادلب حقيقة واقعة.

  فمن كافة المعطيات، خاصة بعد أن قامت وزارة الدفاع الروسية بنشر معلومات عن احداثيات دقيقة للاجواء في تلك المنطقة، يتضح أن الطيران الحربي الاسرائيلي كان يسعى الى تحقيق مجموعة من الاهداف: اسقاط طائرة الاستطلاع الروسية التي كانت تجمع معلومات عن تحركات الجماعات الارهابية في ادلب، كون اسرائيل تدعم العديد من تلك الجماعات بالعدة والعتاد، احراج القوة الروسية ، خاصة بعد أضخم المناورات التي أجرتها في شرق البحر المتوسط منذ انتهاء الحرب الباردة، وبعد نشوة الاتفاق المتعلق بادلب مع تركيا، البرهنة للغرب بأن اسرائيل ما زالت هي القوة التي يمكن التعويل عليها لتنفيذ المهام الصعبة، كالتحرش العسكري بروسيا، وتوريط سوريا وايران باسقاط الطائرة الروسية من أجل ضرب العلاقة الوثيقة والمتنامية بين هذه الاطراف. وما مسارعة قائد سلاح الجو الاسرائيلي لتحميل سوريا وايران المسؤولية عن اسقاط الطائرة الروسية، ومحاولة تلفيق المشهد بهذا الخصوص اّلا دليل على هذه الرغبة الاسرائيلية الجامحة.

  ولم تكد غيوم هذا التطاول على الكبرياء الروسي تنحسر بعض الشيء، حتى تعرضت كرامة ايران وكبرياؤها الوطني لضربة عنيفة في الصميم، حيث قامت الجماعة الاهوازية في نهاية ذات الاسبوع بشن هجوم دموي على عرض عسكري ايراني في مدينة الاهواز، الذي يتوقع أن يكون محاطا بأعلى درجات الحماية واليقظة، مما أدى الى مقتل 25 شخصا، على الاقل، وجرح العشرات، بينهم مدنيون. ورغم اختلاف عناصر الزمان والمكان بين هذه الاحداث الثلاثة، اّلا أن العلاقة بينها غاية في الترابط، بحيث شكّلت الضربات الموجهة لروسيا وايران تحديا صارخا لهيبة كلتا الدولتين، ذلك التطور الذي من المستبعد أن يمر دونما رد من قبل كل منهما. فبدورها، سارعت روسيا لاستعراض عضلاتها بقيام طائراتها الحربية باختراق حاجز الصوت فوق تل أبيب من خلال التحليق فوق الساحل الفلسطيني للبحر الابيض المتوسط. وفي ذات الوقت، أعلنت روسيا عن خطتها لتسليم سوريا منظومة صواريخ أس 300 للدفاع الجوي والقادرة على مواجهة الطيران الاسرائيلي الذي طالما اعتاد الاعتداء على الاجواء السورية واللبنانية وتوجيه الضربات داخل العمق السوري. وبالاضافة الى ذلك، فان روسيا أيضا قد أوضحت بأنها ستغلق المجال الجوي السوري الحربي أمام أية طائرات اخرى، وستنشر موجات تشويش كهرومغناطيسية على اتصالات الاقمار الاصطناعية الموجهة فوق الاجواء السورية.

  وايران أيضا، وعلى أعلى المستويات، عبر رئيس الجمهورية، حسن روحاني، والمرشد الاعلى، علي خامينئي توعدت بالرد على المتورطين في الهجوم ومموليهم والمخططين لهم. ولكن الملفت في الامر كان ما أدلى به وزير الخارجية الامريكي، مايك بومبايو من تصريحات يوما واحدا فقط قبل الهجوم على العرض العسكري الايراني، حيث توعد هو الآخر ايران بالحرب اذا ما قامت بدفع جماعات تابعة لها لشن هجمات على المصالح الامريكية. هذه التصريحات لبموبايو، والتي أدلى بها لقناة السي ان ان جاءت مفاجئة وخارجة عن السياق، مما لفت الانتباه في حينه الى ما كان يهدف اليه الوزير من ورائها. ولكن بوقوع الهجمات على العرض العسكري الايراني يبدو أن بومبايو أراد أن يتخذ خطوات استباقية تحذيرية لايران، اعتمادا على ما هو متوافر لديه من معلومات، خاصة بعد تشكيل خلية الازمة بخصوص ايران. وما تصريح وزارة الخارجية الامريكية تعليقا على الهجوم بأنها تتعاطف وتضامن مع الشعب الايراني سوى ذر للرماد في العيون، حيث وزارة الخارجية الامريكية أرادت أن تمتص غضب الشعب الايراني، من ناحية، وأن تحرّض ضد الحكومة، من ناحية اخرى.

  هذه الاحداث الثلاثة مجتمعة، ومن يدري ما هو الحدث الرابع الذي سيتبعها، تنذر بوقوع تطورات ومعضلات اقليمية ودولية ذات وزن غير مسبوق. فمن غير المستبعد أن تقبل روسيا وايران بالتطاول على هيبتهما وكبريائهما، خاصة بعد ما حققته الدولتان من انجازات كبيرة في الحرب السورية. واذا ما كان الهجوم على ادلب قد تم تعليقه لاعتبارات تكتيكية، فانه الآن أصبح مؤكدا أكثر من أي وقت مضى، بهدف قطع الطريق على أي من الجماعات الارهابية للتمتع بالسكينة والاستقرار اللازمين للتخطيط لهجمات مستقبلية اخرى على أي من الاطراف المحاربة ضدها.

  وفي الغالب، فان الاطراف المعنية تتحفز للتصرف، وبحدة غير مسبوقة، لحظة أن ينتهي الاحتفاء الدولي بالاجتماعات السنوية للامم المتحدة، ذلك الموسم الذي عادة تتفادى الدول فيه التكشير عن أنيابها والظهور بمظهر القوة، تفاديا للاحراج والانتقادات.

د. هشام أحمد فرارجة – استاذ العلوم السياسية في جامعة سانت ماري في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية

www.hishamahmed.com

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. اكد ويوكد العديد من العقلاء بأن امريكا وحلفائها يقفون وراء اغلب ازمات العالم ، وأبرز حلفائها في منطقتنا اسرائيل والدول الرجعية ، وقد قام كل منهما بالمهمة التي انيطت به ، فأسرائيل تسببت بأسقاط الطائرة الروسية والرجعية العربية نفذت الهجوم الارهابي في الاهواز

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here