على هامش قمة العشرين: ولادة نسخة جديدة من الحرب الباردة

Mahjoub-Lotfi-Belhedi.jpg-n

محجوب لطفى بلهادى

عندما شهر الزعيم السوفياتى السابق “خروتشيف” حذائه في وجه الجميع اثر انعقاد الدورة الخامسة عشرة للأمم المتحدة سنة 1960 بقى العالم حابسا لأنفاسه لأجيال متعاقبة لتداعيات هذه الحركة الخارجة عن العرف الدبلوماسي الدولى …

بعد مضى أكثر من نصف قرن، السيناريو “الخروتشوفى” يتكرّر بنسخة وإخراج جديد في قمة العشرين الأخيرة باستراليا حين علّل “بوتين” “مقاطعته” لأعمال القمة قبل اختتامها متهكما بحاجته الماسة ” بالعودة للوطن للحصول على قسط من النوم قبل العودة إلى العمل ” …

“بوتين” القادم من ضفاف البلطيق.. المستبطن للرمزية المثقلة لمدينة ليننغراد – سانت بطرسبرغ حاليا- ..ابن “الكي- جى- بى” وشاهد العيان من شرفة مكتبه في “درسدن” بألمانيا الشرقية سابقا على تهاوى الإمبراطورية السوفيتية…

بعد أن تمكّن من فرض سياسة الأمر الواقع في المعادلتين السورية والأوكرانية ، عبّر “بوتين” في القمة الأخيرة عن نواياه دون مواربة مذكرا الجميع بأنّ فصول قصة “الحذاء الخروتشوفى” لم تنتهي بعد، وانه على أتم الاستعداد للتلويح بالحذاء مرة ثانية في وجه خصومه، معيدا للأذهان قصة العشق القديمة القائمة بين السياسة و”الجزمة”…

خلف الوجه الخجول لبوتين وما يختزله من هدوء روسي سابق للعاصفة تتوالى المساحات الاستفهامية الواحدة تلو الأخرى تحوم جميعها حول سؤال مركزي لا غير : ما الذي تغير بين “كرملين” الأمس واليوم ؟

الموقع هو ذاته بقصوره الفاخرة وكاتدرائياته المبنية بالحجارة البيضاء وقلاعه الحصينة منذ أن قرر القيصر الروسي “ايفان الثالث” تجديد الكرملين في القرن الخامس عشر ..

الروح أيضا هي ذاتها ..عبق قيصري/سوفياتى يسود كامل أرجاء هذه الرائعة المعمارية في إشارة واضحة على أنّ لا شيء تغير داخل أقبية القرار الخفية للكرملين سوى بداية انطلاق الشوط الثاني من الحرب الباردة مع تعديل اضطراري طفيف في اسم احد اللاعبين ..فاللاعب السوفياتى تمّ تعويضه بلاعب روسيا الاتحادية : وريث السوفيت الجديد…

داخل مكاتب الكرملين المغلقة تعدّ بإحكام الخلطة النهائية للقرارات السياسية ..وعلى الحكومة الروسية و”مجلس الدوما” القيام بإعداد بطاقات الاستدعاء للنزلاء الجدد وفق الوصفة البوتينية الخالصة ..فلا وجود لمراكز قرار موازية عن الكرملين، وسيّد الكرملين يتصرف في المكان بصفة المالك لا المتسوغ خلافا لمفردات “الكوسموس السياسي الأمريكي” التي تدار فيه السياسة منذ عقود بين رباعي يتوزّع بين قوى الضغط المتعددة والبيت الأبيض والخارجية ومقر البنتاغون…

عشية انعقاد قمة العشرين قبل الأخيرة التي التأمت “بسان بطرسبرغ” الروسية نجحت روسيا بل قل “فلاديمير بوتين” ومن ورائه ثعلب الدبلوماسية السوفياتية سابقا وروسيا الاتحادية اليوم “سيرغى لافرورف” في وضع الشراكة الروسية مع حلف الناتو في مهب الريح من خلال خلق حالة غير مسبوقة من الفوضى والانقسام في جسم القوى الأكثر نفوذا في العالم… تشخيص أكده الوفد الياباني عند توصيفه لنتائج القمة بأنها جسّمت لأول مرة “حالة من الانقسام المتساو بين الأعضاء المشاركين…”.

ما لم يستسغه الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص بالقدر الكافي كيف يمكن للمتسوّل الاقتصادي بالأمس القريب أن يصبح سريعا ماردا سياسيا بأقدام خرسانية؟…

بالفعل روسيا تختزل واقعا مجتمعيا مختلفا تماما عن الغرب ..فهي تتحرك ضمن سياقات ثقافية وصيرورة تاريخية متفردة.. فتوسطها الجغرافي للشرق والغرب.. وشعبها المنحدر من أصول سلافية شرقية..ودرايتها الجيدة والواسعة بالمزاج المشرقى-الاسلامى من خلال منظومة الاتحاد السوفياتى القديمة صيّرتها إلى ذات مجتمعية مختلفة جذريا عن الرسم المؤسساتي للدولة بالمنظور الغربي حيث يتصدر الفرد في الثقافة السياسية الروسية محور العمل المؤسساتي وروحه المتجددة ..

فمن “ايفان الرهيب” إلى “لينين” “فستالين” وغيرهم سجّل العالم منذ مطلع الألفية الثالثة ظهور مفاجئ لقيصر روسي بمواصفات جديدة  : ليبرالي التوجه.. سوفياتى القرار..قيصري السلوك .

وريث إمبراطوريتين من الحجم الثقيل، إمبراطورية روسية قيصرية امتدت إلى حدود 1866 من أوروبا الشرقية عبر آسيا بلوغا إلى أمريكا الشمالية وإمبراطورية سوفياتية بنفوذ عالمي واسع ضمت بلدان أوربا الشرقية.. في كليهما لعب الفرد دورا محوريا أفضى تدريجيا إلى بروز نموذج من الحوكمة السياسية شديد التفرّد يستند على ظاهرة اقتران الزعيم بالأمة إلى حدود تماهى الأمة بالزعيم، شكلا من أشكال كتابة للتاريخ بأبجدية الفرد/المؤسسة  لا المؤسسة التي تدار بالأفراد…

من كان يتصور أن تنجح روسيا السوفياتية الغارقة في وحل المجاعة والفقر المدقع سنة 1917 في التحول إلى قوة ضاربة في حيز زمني قياسي لم يتجاوز الثلاث عقود لو لم يقتفى لينين وستالين وغيرهما أثار أسلافهم..بوتين فهم الرسالة جيدا وهو الآن يعمل على تنفيذ وصية الأجداد بعد أن استوعب جيدا الدرس السوفياتى… فبتمثلّهما لنفس الحلم الكبير في إعادة الاعتبار للدب الروسي في حلبة التزلج السياسي الدولي، ألا يجمع “فلاديمير اليتش اليانوف” الشهير بلينين و”فلاديمير بوتين” حبلا سريا واحد ؟

في اتجاهات أخرى من التحليل يتساءل عددا من المتخصصين في الشأن الروسي عن  صدقية ما جرى في قمة العشرين السابقة والحالية من حيث مدى مطابقته “للمقاس الخروتشوفى” أم أن المسالة لا تتعدى مجرد “سبوتنيك” تسويقي/اعلامى روسي لا غير …

جميع القرائن والمؤشرات تشير أن المواطن الروسي يعيش من الداخل قدرا كبيرا من الانتشاء لا يدرك ذبذباته العالية إلا الروس أنفسهم وأننا اليوم في حضرة “سبوتنيك” روسي حقيقى ينتمي إلى جيل جديد من الأقمار الصناعية يسبح عاليا وفق إحداثيات المدار السوفياتى السابق.

باحث تونسي متخصص في التفكير الاستراتيجي

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. سيدي الكاتب ان نظرتك لروسيا اليوم والامس هو واقع . لان رغم كل الهزات التي مرت بها والمراوغات من الغرب دائما متماسكه ودلك بفضل شعبها الدكي وقادتها المحنكين .
    ونتمنا لشعبنا في تونس وكل الشعوب العربيه ان تتماسك مع حكامها لكي لاتنزلق الي طريق لانهاية له.
    لقد كتبة وابدعه وشكرا لك .

  2. كان للتحولات الكبرى التي شهدها العالم في مطلع التسعينات والتي تمثّلت في انهيار وتفكّك الإتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي اقتصاديا وعسكريا (حلف وارسو) وايديولوجيا (الخيار الليبرالي بدل العقيدة الشيوعية) وتوحّد ألمانيا، عميق الأثر في ولادة تقسيم جيو – سياسي جديد تجلّت ملامحه في انفراط عقد الثنائية القطبية وسيطرة العالم الأحادي في شكله الرأسمالي الساعي إلى اخضاع بقية العالم وفق مخطّط مدروس للسيطرة الشاملة عليه.
    هذا النظام الكوني الجديد ومنذ ولادته ما فتئ يرفع شعارات خلاّبة يسعى من خلاله، حسب ما يدعيه، لتحقيق السلم العالمي وإقرار سيادة القانون في العلاقات الدولية ومبدأ المساواة بين الدول، إضافة إلى تقوية دور المؤسسات العالمية للأمم المتحدة ومجلس الأمن. إلا ان هذه الشعارات البرّاقة سرعان ما هوت حين اصطدمت بوقائع شهدها، ومازال يشهدها، العالم وتعرّت تبعا لذلك الحقائق لتحيل في مضمونها إلى ممارسات وسلوكات تتعارض بشدّة مع الخطاب- الجميل- لمؤسسي النظام الدولي الجديد، ذلك ان هذا النظام انبثق من خلف دخان الجنون وجلبة القوّة. ومن هنا -وكما أشار الباحث التونسي المتخصص في التفكير الإستراتيجي-محجوب لطفي بلهادي،فإنّ روسيا السوفياتية تحوّلت اليوم-بقدرة قادر- إلى قوّة ضاربة في حيز زمني قصير ،بفضل حنكة -بوتين-الذي يسير على هدي خطى لينين..ستالين..بما من شأنه أن يخلق حالة توازن مع الولايات المتحدة الأمريكية التي -كما أسلفت- انبثق نظامها العالمي الجديد من دخان الجنون وجلبة القوة..معتمدا على القوّة من أجل فرض المشروعية والقانون، و متذرّعا بالمشروعية والقانون بهدف ممارسة القوّةّ..شكرا لهذا الباحث التونسي الشاب محجوب لطفى بلهادى،الذي أبهرنا بمقارباته الدقيقة للعديد من المسائل الإستراتيجية التي تشغل بال العديد من المفكرين العرب (محمد المحسن-كاتب صحفي وعضو بإتحاد الكتاب التونسيين)

  3. لقد قلت وافضت سيدي، نعم روسيا اليوم تعيد لملمت جراحها بعد اندثار الاتحاد السوفياتي تحت ضربا ت البريسترويكا التي خطط لها الغرب ونفذتها ايادي روسية لكن سريعا ما تم قطعها وتدارك ماخلفته الهزات السياسية والحربية التي شتت كيانا كان يمثل أحد قطبي الحرب الباردة.
    من حذاء خروتششوف الى رغبة بوتين في النوم لاستقبال يوم روسي جديد قد يكون فيصلا بين روسيا ذات الجذور القيصرية والامبراطورية وبين الغرب الذي يسعى بكل وسائل الظاهرية والباطنية الى وخز سفود فتنة داخل الجسم الروسي المنيع، لقد فهم بوتين المعادلة جيدا وحضر لها وسائلها المادية والبشرية، فالشعب الروسي يتماهى بالزعيم والزعيم ملاصق لشعبه ساعيا لاعادة مجد تليد عصفت به رياح ما يمسى بالديمقراطية الغربية التي تسللت جسم الدب الاحمر وفجرته اشلاء لكن الانفجار الاعظم للاتحاد السوفياتي ولّد كوكبا وهاجا يدعى روسيا واعاد الحياة لدب اصغر كان نائما بين ثنايا الدب الاكبر لكنه ترعرع بسرعة المكوك “سيوز” وهاهو يحلق في سماء الغرب موذنا بقرب بانتهاء عهود وميلاد عهد عالمي جدديد لا يؤمن بالقطبية الاحادية.
    د.حميد بن عطية الجزائر
    كاتب واعلامي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here