علجية حسيني: تونس 2011-2018  دكتاتورية تنقصها عصا البوليس

علجية حسيني

  كانت    تونس قبل 14   جانفي   2011    تحت حكم دكتاتورية الحزب الواحد و الفرد الواحد      وهو الرئيس السابق زين العابدين بن علي. و من سمات الدكتاتورية في عهد بن علي هي    احكام قبضته على الشعب التونسي بهيمنة سلطة  الحزب الواحد .و استحوذ بن علي مفاصل الاقتصاد التونسي و انتشر الفساد في عهده مع افراد مقربين من القصر و بعض من  رجال الاعمال. و قام بقمع كل صوت انتقد الفساد  الذي كان ينخر كل المؤسسات العمومية. و لتغطية الحقائق قام بالسيطرة على الاعلام لنشر الاكاذيب و الايهام بان تونس بلد  يطيب فيها العيش . هذا بالإضافة  الى  اهماله التعليم  . فتدهور مستوى التعليم و قيمة الشهائد العلمية . و حماية الدكتاتورية ، لجأ بن علي دائما  للبوليس للقمع وتعذيب كل من يكشف حقائق القمع والفساد.

 رحل بن علي بداية  2011   بعد قيام ثورة أهم شعاراتها الحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية و محاربة الفساد و الاصلاح الاقتصادي و الاجتماعي. لكن برحيله  لم يشهد الشعب التونسي تغييرا ملموسا في تونس. وبقيت الشعارات التي رفعت في وجه الدكتاتورية مجرد أحلام تلاشت مع السنوات التي عقبت بن علي. اذ تواصلت  ممارسات بن علي ولكن دون قمع  و عنف  عصا البوليس.

ما حصل  تقريبا هو مجرد تغير الحكم في تونس من الدكتاتورية الفردية الى دكتاتورية المجموعة  .بعد الثورة   ظهرت مجموعات جديدة تتحكم في المشهد السياسي و الاقتصادي بتونس. و عمقوا الازمة الاقتصادية التي أثرت مباشرة في حياة التونسيين. الديموقراطية في تونس تقتصر فقط على  حرية التعبير والانتخاب و انشاء الجمعيات. رغم ان الثورة نادت  بحكم الشعب و العدالة الاجتماعية و الحرية والكرامة والشغل .   لكن ما نراه على ارض الواقع يتناقض مع أسس الديمقراطية التي نادت بها الثورة. يتحكم في المشهد السياسي مجموعة من الاشخاص يخدمون مصالحهم الخاصة و مصالح  الاحزاب  الحاكمة و رجال اعمال فاسدين. فالشعب التونسي أبعد من الوصول الى تحقيق احلام الثورة. حرية الانتخاب التي تمثل اهم عنصر في الديمقراطية ساعدت على تواصل الدكتاتورية . جعلت من الاحزاب الفائزة في الانتخابات و من يمولها والمقربين منها  تسيطر على الاقتصاد التونسي و تتحكم في المشهد السياسي.

 و من بين هذه المجموعات التي تمارس الدكتاتورية هي الاحزاب الحاكمة و تترأس السلطة السياسية .    لم يقع التصدي للفساد كما نادوا به في حملاتهم الانتخابية رغم تأكيد تقارير الهيئة الوطنية  لمقاومة الفساد و هيئة  الخبراء المحاسبين أن الفساد استفحل  بشكل فضيع في كل مفاصل الدولة. و تقدر الخسائر الناجمة عن الفساد بٍآلاف المليارات التي تثقل كاهل الميزانية العمومية.  فالمجموعة الحاكمة لا تتقدم بإجراءات ناجعة لمحاسبة المتورطين. بل يحمون كل الفاسدين الموالين لهم.  محاربة الفساد انتقائية. غالبا  لا يقع تتبع قضائيا الا من يزعج أو يشكل خطرا على الطبقة الحاكمة.   يمكن اعتبار تونس الآن دولة تحكمها  عصابات الفساد المتواصل. و يساند أغلبية  نواب الشعب الطبقة السياسية الحاكمة في تثبيت سيطرة مجموعة على الدولة التونسية و اهمال مشاكل الشعب. اذ نجد عدد من نواب الشعب الذين انتخبوا لمقاومة الفساد والاهتمام بمشاغل المواطنين ، هم انفسهم مورطين في قضايا فساد او رشوة . كما انهم يدافعون عن اشخاص متورطين في الفساد.  مجلس نواب الشعب مرر عدة قوانين لا تخدم مصالح التونسيين.فكل ميزانيات الدولة المصادقة عليها في البرلمان بعد بن علي عمقت  عام بعد عام تفقير الشعب .و عوضا عن محاسبة المعتدين على المال العام من السرقات ترغم الميزانيات المتعاقبة المواطن التونسي على دفع الضرائب  و المساهمات الاجتماعية التي  تقطع من المرتبات لتغطية  سرقات  حصلت في مؤسسات عمومية مثل الصيدلية المركزية و الصناديق الاجتماعية و غيرها.

إضافة الى التفشي الرهيب للفساد و الاستحواذ على الاقتصاد التونسي ، يتواصل اهمال التعليم و عدم اصلاحه. فلا يخفى عن أي ملاحظ ان مستوى التعليم انهار و معه فقدت الشهائد العلمية  قيمتها. و الحكومات المتعاقبة لم تقم باي خطوة جدية لإصلاح التعليم. ازدادت  بالألاف نسبة التلاميذ المنقطعين عن الدراسة. وأغلب المؤسسات التربوية في حاجة  عاجلة للصيانة و الترميم .في المقابل تتلكأ كل الحكومات عن اصلاح التعليم و تحسين ظروف المدرسين. و قد وصلت الازمة حدتها هذه السنة بين الاساتذة ووزارة التربية التي تتعامل مع القضية باستهتار و تستعمل التهديد والتمويه و التضليل لتغطي على عدم رغبتها في ايجاد حل.

     و مثل أي حكم دكتاتوري تلتجا دائما الاحزاب الحاكمة الى  الاعلام الفاسد لتمرير الاكاذيب و محاولة ايهام الشعب بوجود تحسن و انتعاشه اقتصادية. وتستند كل مجموعة الى جرائد أو اذاعات أو قنوات  معينة لتمرير خطابات التضليل. و قد نبه ناجي البغوري , نقيب الصحافيين  التونسيين, لوجود مال فاسد يمول قنوات خاصة لتمرير أجندات سياسية  معينة .كما أكد سيطرة الحكومة  على مؤسسات الاعلام العمومي  الذي تحرر فترة وجيزة ليعود في خدمة مصلحة المجموعة الحاكمة مثلما كان مع بن علي.

    تواصل الدكتاتورية في تونس بعد ثورة نادت بالحرية و العدالة الاجتماعية و مقاومة الفساد يدل فقط ان الدكتاتورية لا تنحصر في فئة سياسية معينة . وكأن الفرد لتونسي يمتلك نسبة من سمات الدكتاتورية  يضل ينتقدها الى ان يمتلك السلطة. كل الذين حكموا تونس بعد الثورة هم أنفسهم انتقدوا ممارسات من في السلطة عندما كانوا في المعارضة بوصولهم للسلطة يتقمصون صفات و ممارسات من كانوا يعارضونهم. الفرد التونسي عنده استعداد لممارسة الدكتاتورية متى خدمت مصلحته . و نأخذ مثال آخرا ،الاتحاد العام التونسي للشغل   قارع الدكتاتورية و انتصر لقضايا  للشعب  في عديد المناسبات .لكن المكتب التنفيذي  أصبح بدوره يمارس دكتاتورية داخلية . كشف تعامله  ، مع ملف التعليم و الازمة مع وزارة التربة ، امتلاكه للممارسة الدكتاتورية .اذ سحب الملف من النقابة العامة دون ان يقدم شيئا يذكر للأساتذة. و في الوقت نفسه يمنع النقابة من اتخاذ اجراءات  تمكن الاساتذة من حقوقها و يستعمل سلاح عدم الامضاء على لوائح النقابة العامة و التهديد بتجميد اعضاء النقابة العامة اذا اتخذت قرارات مستقلة عن المركزية النقابية. ربما نحتاج لمئات السنين ليتغير السياسي التونسي و يؤمن أن  تحمل مسؤولية الحكم هدفها الأسمى خدمة الوطن و ليس وسيلة لسرقة أحلام شعب و خيانة ثقة الناخبين.

 (أستاذة تعليم ثانوي و ناقدة أدبية / تونس)

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. يا أختاه
    انهم هم المفسدون بل الفساد بعينه
    وكل من يصفق إلى مساواة المراءة في الميراث هو مفسد

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here