علاء زريفة: العلمانية لا تزال حلما بعيدا

علاء زريفة

( في هذا البلد يجب علينا اختراع كل شيء ابتداء من النار حتى المواطنة).

   يبدو هذا الاقتباس من صفحة الكاتب السوري باسم سليمان عادلا جدا تعقيبا منه على الظاهرة الصوتية العلمانية التي ملئت أرجاء العالم الفيسبوكي” في وقت سابق تنديدا بالقانون الجديد الناظم لعمل وزارة الأوقاف في سورية. و الذي منحها( قبل التعديل) هيمنة واضحة على عمل مؤسسات الدولة، و سلطات واسعة في ظل غياب مطلق لأي فهم تعريفي بالعلمانية و معناها الحقيقي.

    العلمانية (Secularism)  مفاهيميا وفقا لمؤسسها البريطاني “جورج هوليوك” هي( رفض وضع الدين كمرجع أساسي للحياة السياسية و الاقتصادية و القانونية، و الاتجاه نحو الأمور الحياتية للبشر بدلا من الأخروية)

  فالعلمانية ليست إباحية، أو زندقة، أو كفرا كما يحلو لمروجي التضليل و الدعاية السياسية-الدينية اليوم وصمها به. و ليست مجرد توسط أو قناع دعائي لممارسات دوغمائية تحول الناس لمجرد قطعان أنسية محكومة بالتفكير بحاجاتها الأساسية التي هي حقوقها الطبيعية. كما أنها ليست اعتدالا تزيفيا لواقع تعايشي سلبي بين مكونات عرقية و طائفية يحفظ جمر الصراع تحت رماد منظومة فكرية تتسم بالذرائعية الاستهلاكية لمفهوم العدو”، و تتكأ على موروث قبلي تاريخي لا تلبث أن تحرق كل شيء لمجرد تهديد مصالحها الرأسمالية الضيقة كونها رهينة الخارج المتصارع على النفوذ السياسي و الاقتصادي.

   و انطلاقا من كون العلمانية( مبدأ حرية الضمير الأخلاقي) مستورد أخر من مخرجات الحداثة الغربية الاوروبية بعد أن أكملت انجاز مشروعها الوطني و عصر تنويرها الخاص انسجامها بين عزل الكنيسة( فصل الدين عن الدولة) بحكم أن العلمانية ليست مناهضة للدين بل هي مستقلة عنه، و لا تفرض مبادئها و قيودها على من لا يود أن يلتزم بها. و المعرفة الصادرة عنها تسعى للتطور و الرفاه.

  وفقا لذلك يمكن اعتبار العلمانية حلما بعيدا و مشروعا وطنيا مستحيلا في ظل استبعاد مقدماتها الموضوعية، فسورية المنقسمة على نفسها و التي دمرها الصراع الدموي منذ اذار عام ٢٠١١م. لم تستطع المؤتمرات الدولية لحل الصراع و لم الشمل الوطني كونها خارجة عن مزاج الشارع داخليا. و لم تفرز لبنة لحياة سياسية جديدة عن طريق احزاب و هيئات مجتمع مدني حقيقي يدخل عبرها المواطنون في نسيج البلد كأفراد أحرار فلا يلغي المجموع الفردية ثقافيا و العكس صحيح كشرط أساسي لعصر التنوير المجهض بسبب قصور المثقفين عن دورهم بحيث بقيت تنظيراتهم داخل الصالونات و المقاهي على مدار عقود من الزمن مجرد غناء في طاحون من الضجيج العقائدي و ظلوا ذوات معرفية مشتتة لايجمعها سوى الانتماء لفضاء سرمدي من اليسارية الفارغة.

     فكيف لنا أن تحلم بتطبيق العلمانية في ظل فشل  مستوى المؤسسة بانعدام الأوكسجين عن أليات عملها و دونية مكانة الفرد بنظرها كمجرد معطى وظيفي ملحق بايديولوجيا عقيمة. و امتهان المرأة، و تبيعات الفقر و البيئة الجاهلة الريفية قصور التواصل  البناء المنتج بين ابنائها   ما يدفعنا للقول أن الحوار حتى عن العلمانية و أننا مازلنا نأخذ موقفا مناهضا لها كقيمة إلى جانب قيم أخرى مثل العقلانية و الحريات و حقوق الانسان فمن يمثل التيار العلماني اليوم هم أنفسهم منبطحو التيار السلفي

الاسلاموي و منافقوه على مدار ثماني سنوات. أو ممن يستخدمون الدين و كهانه لتسويق الحداثة بينما تجاهد جماعات الأرهاب لتروج لأقوى أسلحتها التكفير و الحكم بالجاهلية على المجتمع و الخروج عن الدين نفسه بافتراض مجتمع كامل من الملائكة أو الشياطين لا فرق.  فخير ما يترجم المرحلة السورية اليوم قول فرج فودة ( إنكار العلمانية هو جهل بالحضارة المدنية، و اطلاق الكفر عليها هو جهل بها، و الدعوة لدولة دينية جهل بحقوق الانسان، و المناداة بالخلافة الاسلامية جهل بالتاريخ).

   و في الختام لابد لنا استخلاص العبر من ازمتنا الراهنة بالاعتراف جميعا بأننا مذنبون بجاه الوطن ،  و أننا نعبش حالة من الصراع العبثي لن تخدم أحدا سوى أعداء سورية، و أن بداية الخيط تتم بتوافق القوى الوطنية في سبيل النهوض بها عن طريق ورقة عمل بعيدا عن المحاصصات الطائفية و العشائرية، كما أنا إعادة الله إلى البيت أي الايمان التوحيدي المتمظهر في سلوكيات و طقوس يمارسها الافراد كحق نهائي في حرية المعتقد و الفكر كشرط للعلمانية عبر دستور جديد. فالحل يكمن في تجذير عقلاني للمشكلة الوطنية ، و الاصلاح  الشكلي الجزئي ليس بمثابة عملية تجميل لن تزيد وجهنا القبيح إلا قبحا.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. السيد زريقة
    أنت تعترف بأن العلمانية هي آخر مستخرجات الحداثة الغربية ، ونحن نأخذ تعريفك هذا بحسن ظن ، لكنكم أيها العلمانيون العرب عندما استوردتم واستلمتم هذا المستخرج لونتموه بطابع الصدام العنيف مع الإسلام عقيدة وشريعة ، فراح بعضكم يسخر من الإسلام وانبرى العض الآخر يفسر آيات قرآنه وفقهه على نحو ساذج حتى أصبحتم نموذجا للدواعش في الجهة المقابلة ، من يدري لو تيسر لكم الاستحواذ على زمام الأمور في بلداننا لربما استأصلتم شأفة من يجري كلمة دين على لسانه والدليل أنك في بضعة أسطر نفث صدرك بما يحمله من غل تجاه الدين حتى لهجت ألسنتنا بالدعاء يا لطيف، وقانا الله شر العلمانيين العرب .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here