علاء الخطيب: ماركسيون ويساريون في حوزة النجف الدينية 

علاء الخطيب

أُنشأت النجف لتكون مركزاً دينياً يستقطب رجال الدين والمهتمين بالدراسات الدينية منذ ان سكنها الشيخ الطوسي ( 995- 1067) عام 1055 ، وقد توافد عليها الاف الطلبة والمتعلمين من كل دول العالم ، كانت الأفكار والتوجهات تتصارع داخل حوزتها ، ورغم الاحداث التي وقعت بين الإخباريين والأصوليين إلا انها لم تصل حد التقاطع ونقض الفكرة ، وذلك لسبب واحد وهو ان الأفكار كانت من جنس واحد ، ولكن هناك اختلافات في التفسير أي أنهم لم يختلفوا عليها بل اختلفوا فيها . بقي الحال كذلك حتى ظهور الصحف وانتشارها، وانفتاح النجف على بيروت والقاهرة ، فقد طرأ على هذه المدينة المغلقة تغييرات فكرية من نوع اخر لم تألفها من قبل ، وطرحت مصطلحات لم تطرق اذان طلبة الحوزة الدينية فيها سابقاً ، فمنهم من اعتبرها رجس من عمل الشيطان فـ إجتَنَبوه واخرون اعتبروها طفرة وعصف في التفكير فأخذوها بلهفة .

لقد كانت كتب فرح أنطون وشبلي شميل وسلامة موسى وغيرهم تلقى روجاً لدى البعض في تلك المدينة التي تعودت ان تسمع في مجالسها اسم العلامة الحلي والمجلسي وابن بابويه، فقد كسرت هذه الكتب المألوف ، وتحدت المحذور ، وادخلت مصطلحات وأسماء جديدة ماركس… لينين… الاشتراكية ، الطبقة العاملة ، الحركة التقدمية … الخ

وكانت مكتبة الشيخ عبد الحميد زاهد طالب العلوم الدينية وابن رجل الدين الوطني الورع الشيخ علي زاهد المياحي توزع الكتب العصرية من داخل الصحن الحيدري وفِي احد اواوينه ، ويذكر ان الشيخ عبد الحميد زاهد كانت له توجهات وطنية يسارية وهو مناصر قوي لجمعية العهد السرية ذات التوجهات القومية والتي تأسست في دمشق عام 1913.

كما كانت مكتبة الشيخ عبد الحميد زاهد ملتقى المثقفين والشعراء كالجواهري والشبيبي والشرقي وكذلك الطبقة المثقفة وقد أدخلت الكثير من الكتب العصرية وادخلت معها المصطلحات آنفة الذكر .

فمثلما دخلت هذه المصطلحات الى أروقة الحوزة الدينية في النجف فقد دخلت عقول وأفكار طلبتها ، فقد بدت ملاح الثقافة الدينية واللغة وطريقة التفكير تتغير ، فقد تغيرت الحوزة الدينية في المدينة ، وظهر صراع فكري مختلف ، لكنه حمل سمات جديدة متناقضة هو صراع بين الإسلام والاشتراكية أو الأفكار اليسارية .

فقد رَفَع لواء هذا الصراع رجال دين كانوا في النجف أو جاؤوا لها يحملون احلامهم كي يصبحوا قادة دينيون في بلدانهم ومدنهم ، لكنهم أصبحوا ماركسيون او يساريون .

أمثال الشيخ حسين مروَّه الذي توسم فيه والده ان يكون خليفته وحاملا ارث العائلة الدينية ،فأرسله الى النجف وارتدى العمة وبقيَّ فيها 14 عاما وتعرف على رموز اليسار فيها أمثال حسين محمد حسين الشبيبي ومحمد مهدي الجواهري وتعرف كذلك على شاعر شعبي نجفي بارز هو الشاعر حسين قسام الذي امتاز بالسخرية والسريالية العالية في شعره متأثراً باليسار ، ثم رجع مروه الى لبنان ليصبح منظراً ماركسياً وقائداً شيوعياً كبيراً.

الشيخ كريم مروَّة هو ابن عم حسين مروة وابن احد رحال الدين البارزين وهو شاب لبناني في الربيع السابع عشر من عمره ، حين جاء الى النجف عام 1947 مندفعاً لدراسة العلوم الدينية لكنه تأثر بابن عمه وترك العمة وأصبح كابن عمه ماركسياً مشهورا واحد رموز الحزب الشيوعي اللبناني.

محمد شرارة هو شاب لبناني وصل الى النجف وهو في الرابعة عشر من عمره عام 1920 بناءاً على رغبة والده تنقل بين جوامعها ومدارسها الدينية وتعرف على شبابها وكتب في صحفها ، تعلم اللغة الإنكليزية واطلع على الفكر الأوربي ورجاله ، ومن خلال رحلته تعرف على ماركس وانجلز ورحل معهم في رحلة طويلة خلع خلالها عمامته ليصبح ماركسياً هو الاخر .

محمد مهدي الجواهري شاعر العرب الأكبر الصحفي والناشط السياسي وابن العائلة الدينية العريقة ذات الجذور العميقة في النجف ارتدى العمة وهو ابن العاشرة من عمره وانخرط في دراسة العلوم الدينبة أسوة بإخوته وابن خالته الشاعر الشيخ علي الشرقي و محمد رضا الشبيبي ومحمد باقر الشبيبي ، لكنه تمرد على تقاليد المدينة الدينية ليصبح يسارياً شهيراً بعد ان خلع عمامته وأرخها في قصيدة شهيرة يقول فيها:

قال لي صاحبي الظريف وفي الكفّ

ارتعاشٌ وفي اللسان انحبــاسه :

�أين غــــادرتَ “عمّة ً” وأحتفاظــــاً

قلت : إنّي طرحتها في الكناسه

مهدي المخزومي عالم العربية والمتبحر بها درس العلوم الدينية وارتدى العمة وذكر الخاقاني في شعراء الغري الجزء ١٢ انه من الذين تأثروا بالفكر الاشتراكي ، محمد صالح بحر العلوم الشاعر العراقي الشهير صاحب القصيدة التي رددها العراقيون والعرب ( أين حقي ) التي نقد فيها المؤسسة الدينية والعمائم ، هذا الشاب درس العلوم الدينية وارتدى العمامة ليخلعها ويتحول الى الماركسية ، وهو احد اركان اليسار العراقي المعروفين .

احمد الصافي النجفي شاعر عراقي ورجل دين ولد في النجف ونشأ في مدارسها الدينية وارتدى عمامتها لكنه تمرد عليها وخلع عمامته وارتدى العقال والكوفية ، ونفي من النجف وكتب قصيدة ينتقد فيها المدينة التي يقول فيها

ان الغري بلدة حري ان يسكنها الشيوخ والعجائز

فصادرات بلدتي عمائم وواردات بلدتي جنائز .

عبد الرزاق محي الدين نجفي من عائلة معروفة في المدينة ولد عام 1910 شاعر ورئيس جامعة بغداد ووزير للمعارف ، درس العلوم الدينية في الحوزة كان يرتدي العمة لكنه انخرط في اليسار وتأثر بالفكر الماركسي وكان ومن مؤيدي العاصفة الحمراء.

لم تكن هذه الأسماء آنفة الذكر هي الوحيدة التي كانت في حوزة النجف الدينية بل هناك الكثير سنستعرضها في مقال اخر عن حوزة النجف والفكر اليساري .

وللحديث بقية ….

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. أود أن اذكرك بحوزوي آخر او بالحقيقة مرجع رجعي وهو محسن الحكيم الذي اصدر فتوى بتاريخ 20/02/1961 قائلة (لا يجوز الإنتماء إلى الحزب الشيوعى فإن ذلك كفر وإلحاد) وما أدت إليه من جرائم وقتل وسجون ومآسى وكوارث وويلات كما إستعملها سياسيون لأطياف مختلفة بأبشع وسيلة حتى قال محمد بحر العلوم (المرجعية الحكيمية إنتصرت على قاسم والشيوعيين، ولكن القوميين إستفادوا من ذلك وصعدوا على أكتافنا ونحن الإسلاميين لم نلتفت إلا بعد فوات الأوان) و الغريب أن الحكيم لم يصدر فتوى ضد البعث أبدا ولا غيره رغم الممارسات الظالمة (عن مصادر)

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here