عكاب سالم الطاهر.. الكتابة عنده أستذكار وبحث في المعرفة التاريخية في “شواطئ الذاكرة”

بغداد ـ حمدي العطار:

يقودنا الكاتب من (ضفاف الكتابة والحياة) – وهو الكتاب قبل الاخير للمؤلف – لينزل بنا الى (شواطئ الذاكرة) في سرد السيرة الذاتية (المستقرة) في وعي ومخيلة السارد ، في الكتابين كان السارد محدد ومعروف سلفا وهو المؤلف لا يقدم الا ما تعلمه وما تدركه شخصيته بمعنى من المعاني .

قدم كتاب (شواطئ الذاكرة) الدكتور “إبراهيم العلاف” والكتاب  الصادر من مكتبة الدار العربية- بغداد سنة الاصدار 2019 والذي يقع في 179 صفحة من الحجم الكبير يقول العلاف شهادته بحق الكاتب وقد احسن القول ” الاخ المؤلف الكريم،  يتمتع بقدرات متميزة في الكتابة، فهو يمتلك قلما نظيفا، واسلوبا ساحرا، ومقدرة كبيرة في الوصول ليس الى قلب القارئ وانما الى عقله ايضا” ص6 نعم هذا ما احسست به وانا اقرا الكتاب بمواضيعه المتنوعة انه (السحر) ومن المعروف اننا عندما نقرأ كتابا ونريد ان نؤشر على بعض العبارات والجمل المهمة لغرض الاستفادة منها عند كتابة العرض او النقد فلم أجد نفسي مع كتاب عكاب الا ان اضع الخطوط المهمة على كل ما اطلع عليه لأهمية ما يكتب وجمال اللغة والاسلوب! يسعى عكاب السارد الى رفع الالتباس فتحضر الهوية الصريحة وطبيعته بلا رتوش “أنه كاتب صريح ، وشجاع لا يعجبه اللف ولا الدوران، فهو يكتب ما يجيش به فؤاده. ومن عادته انه يجهر بالحقيقة حتى ولو كانت مرة “ص6 الكتابة عند عكاب تعني الهوية وهو يمارس (أدب الاعتراف) يمزج بين الاحداث الخارجية في المجتمع وبين ما كان يحس ويشعر به تجاه الشخصيات والاحداث ، ويفسر العلاف الاعتراف من ناحية توقيته” ان اعترافه لم يأت متاخرا، بل جاء في وقته، فالانسان ، وبخاصة الكاتب لكي يعترف بدقائق مسيرته، وخباياها، وخفاياها، وملابساته، وعقدها، يحتاج الى وقت شأنه في ذلك شأن المؤرخ. فأنا لا أستطيع أن اكتب عن حدث تاريخي، ما لم تكون اركان ومفاصل هذا الحدث قد استقرت، واصبحت في ذمة التاريخ” ص7 ونحن نضيف ان عكاب الكاتب وليس المؤرخ فالاسلوب والسرد يختلف بين الاثنين، هو في كتابته عن الاحداث التاريخية السياسية والثقافية لا تحس بأنه يكتب عن الماضي (الميت) بل يتعامل مع الشخصيات والاحداث وكأنها (معاصرة) وموجودة في المجتمع بسلبياتها وايجابياتها! هو في الغالب يكتب عن تجربته في العمل الثقافي المغلف بالسياسة وتجده في احيانا يتحدث عن الاتجاهات والاحداث العامة التي لم يمر بها المؤلف فعلا لكنه يملك ذكريات ومعلومات عن تفاصيل دقيقة عنها ” كلما اقرأ في كتاب شواطئ الذاكرة أحس وكأنني اعيش احداث العراق لحظة بلحظة، ودقيقة بدقيقة. واذهب وانا اقرأ فقرات الكتاب وفصوله الى ان التاريخ كما يقول المؤرخ الايطالي بنديتو كرجه “كله تاريخ معاصر” ، بمعنى اننا لا بد وان نقرأ التاريخ بعيون الحاضر، وهذا ما يساعدنا على ان نربط بين الاحداث ونستخرج احكام قوانين التاريخ بكل دقة وموضوعية”ص7

من يقرأ كتاب عكاب (على شواطئ الذاكرة) كأنه قد قرأ مجموعة من الكتب والمؤلفات التي تتحدث عن 70 سنة من تاريخ العراق ، الكتابة عنده هوية لا يحصل عليها من دون الوصول الى ساحلها ، حوارات واعترافات ، هي شواطئ الذاكرة ،بعد ان تمتعنا بجمال الضفاف واستقر بنا المطاف على تلك الشواطئ الرائعة لم يبق لعكاب الا  الابحار العميق لتكملة مشوار الاستذكار، في الكتاب توجد نكهة المدن خاصة الناصرية وبغداد وتلك المدن الاوربية والعربية التي كانت محطات للمؤلف في عمله الثقافي والمهني فهل من الغريب ان نقول ان الكتابة عند عكاب عقدة فعل استذكاري” وهذا ما سوف نستعرضه بالجزء الثاني من الدراسة وعرض الكتاب.

*المعرفة وتفاصيل تاريخية

الكتاب الذي نناقشه في هذه الوقفة النقدية لمؤلف ليس مؤرخا ولا متخصص في التاريخ ولكنه يبحث في المعرفة التاريخية، والبحث في هذا المجال ليس مقصورا على من يحملون لقبا أكاديميا في التخصص من ناحية كما أن البحث التاريخي لا يحتاج الى تدريب كثير من ناحية أخرى، وانما يحتاج الى التساؤل والرغبة في المعرفة ” هي محطات انتقيتها من رحلتي الطويلة. والكتابة عن تلك المحطات، في تقديري تجمعها وحدة الموضوع الى حد كبير”ص9 اذن عكاب يقرأ التاريخ قراءة سياسية تحمل المفاهيم المعاصرة،وهذا يعده (وحدة الموضوع) الذي جعلت الكتاب متماسك في السرد ومتكامل في الضمون.

  • مواقف محرجة

يقدم المؤلف في عناوين متفرقة في  ذكرياته عندما كان مديرا عاما للدار الوطنية للتوزيع والاعلان، وكان يعمل بمعية (طارق عزيز) وهو الذي رشحه ليكون مديرا عاما لدار الثورة للصحافة والنشر، وتحت عنوان (يوميات الثورة الايرانية) كادت ان يتورط الكاتب بتهمة (الطائفية) وحدث ذلك عندما اعطى موافقته لأستيراد كتاب توثيقي يعتقد عكاب بأن الكتاب مفيد لصانع القرار العراقي، والموافقة حصلت بإن يستورد الكتاب بصيغة (التداول المحدود) ويحدث هذا بعد ان يكون رأي الخبير ليس ايجابيا! ووجه اتهام للسيد عكاب وكذلك الى مدير الاستيراد “علي العبادي” فجاء كتاب موجه من سكرتارية الامن القومي رئاسة ديوان الرئاسة جاء في مضمونه “إن الدار الوطنية للتوزيع والاعلان استوردت ووزعت كتاب (يوميات الثورة الايرانية) . وهذا العمل طائفي ومن قام به غير مخلص للحزب والثورة”ص12 وكانت مثل هذه التهم الخطيرة في ذلك الوقت قد تؤدي بالشخص الى مواقع لا يمكن التنبؤ بها لذلك استنجد المؤلف بطارق عزيز “وطرحت الوقائع امامه معززة بالكتب الرسمية ذات العلاقة إطلع عليها.عندها إبتسم إبتسامة خفيفة قائلا: بسيطة . رفع الهاتف واتصل بطارق حمد العبد الله رئيس الديوان قائلا ما مضمونه : مدير عام الدار الوطنية قام بما هو واجب عليه حين أستورد الكتب والمطبوعات الاخرى لغرض (الاطلاع المحدود) وهو لا يحاسب على عمل قام به ومن صلب واجبه.

  • أسرار وخفايا

لا يخلو كتاب (شواطئ  الذاكرة) من معلومات تعد اسرارا لم نطلع عليها من قبل، وردت بالكتاب بعناوين مثيرة مثل ( صدم حسين والشاه وجها لوجه)  فهو يتحدث عن اتفاقية الجزائر  بين العراق وايران 1975  وكثيرا ما كتب عن هذه الاتفاقية وما جرى فيها من تنازل صدام لشاه ايران بوساطة بومدين ، وعن العنجهية التي تصرف فيها الشاه تجاه صدام ! لكن عكاب يذكر في الكتاب ما قاله صدام في الاجتماع الاعلامي الموسع (بعد إعلان الرئيس الجزائري عن توقيع الاتفاقية، دعانا للقاء العلني ومصافحة بعضنا. كنت اراقب تصرفات الشاه جيدا، لم انهض من مكاني الا عندما نهض الشاه من مكانه. وتوجهنا نحو بعضنا. كنت اعد خطوات الشاه وهو يتجه نحوي. حرصت بكل دقة على الا تزيد خطواتي وانا اتجه نحوه، على عدد خطواته وهو يتجه نحوي، وفي منتصف المسافة بيننا التقينا وتصافحنا) ص16  وبينما كان صدام يوقع الاتفاقية والتي تشير في احد بنودها (عدم انتقاد اي طرف للاخر اعلاميا) كان عكاب وهاني وهيب بيدهم اوراق عمل لتقديمها لندوة في جامعة البصرة حول (الاطماع الايرانية في العراق) ولم يتم الغاء الندوة ويصف الكاتب الحيرة والاحراج الذي اصابهما في المحاضرة “ولم نكن (زميلي وانا) متحمسين لاداء دور صعب يتمثل بالحديث عن (امور مضت) وأخرى استجدت. وعندما لا يتفاعل المحاضر مع موضوع محاضرته، فانه لا يبدع، ان لم نقل : انه يفشل . وهو ما حصل”ص16

ويسرد عكاب ذكرياته عن علاقة الملك حسين بالزعيم عبد الكريم قاسم وعن حرب اكتوبر 1973 وبانتقال غير متسلسل زمنيا نرحل مع عكاب عندما يتكلم عن نظرة السوفيت لرجل الاعلام،  من خلال عنوان (سعد قاسم حمودي و.. البروتوكول السوفيتي) عندما سافر سعد قاسم الى موسكو كان بمنصب وزير الاعلام ، وهو في موسكو ولم يدر حدثت تغييرات ومنها اعادة دمج الثقافة والاعلام بوزارة واحدة، سميت (وزارة الثقافة والاعلام) ،  وسمي لطيف نصيف جاسم وزيرا لها, وتم تعين سعد قاسم رئيسا لتحرير جريدة الثورة.

“فجأة تم تغيير البروتوكول بما يتضمنه من اقامة ومرافقين وموكب ومستقبلين.. كانت الاجراءات الجديدة، تختلف عن سابقتها، بما يعكس اهتماما أكثر بالوفد الضيف العراقي .. عندها اتصل سعد قاسم بالسفارة العراقية بموسكو، التي اخبرته بأنه تمت تسميته رئيسا لتحرير جريدة الثورة. وهكذا كان: من وجهة نظر الجهات السوفيتية، فان رئاسة تحرير الجريدة الناطقة بأسم الحزب الحاكم، أهم من مسؤولية وزير في الحكومة”ص 26

  • شيوعي كتب خطاب صدام

ومن المفارقات الطريفة وهي كثيرة في هذا الكتاب نتوقف عند اثنتين منها ، الاولى سنة 1974 أوفد الرئيس العراقي احمد حسن البكر الوزير  مكرم الطلباني (الشيوعي الكردي)  حاملا رسالة منه الى الرئيس التركي، وكانت الجبهة بين البعث والحزب الشيوعي قد قامت،واشترك الحزب الشيوعي في الحكومة بوزرين عامر عبد الله وزيرا للدولة ومكرم الطلباني وزيرا للري، “التقى المسؤولان في أنقرة، ودار نقاش بينهما. وخلاله، قال الرئيس التركي: نحذركم من الأكراد والشيوعيين. فورا رد عليه الوزير العراقي : سيادة الرئيس أنني كردي وشيوعي ووزير في الحكومة العراقية” ص31، الثانية : عن الشيوعي الذي كتب خطاب لصدام حسين فيتحدث المؤلف عن الباحث (عزيز السباهي) وهو شيوعي يصفه الكاتب بأنه”كان وديعا.. اليفا، بعيدا عن العدوانية ،كان مندائيا، ولعل تلك لطائفة تشعر بمحاولات التهميش. لذلك وجدت في الالتجاء نحو الاحزاب العلمانية (وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي) والاحتماء بها، بمثابة (طوق نجاة) من الغرق…عام 1970 عمل السباهي في قسم الدراسات والتقارير بجريدة الثورة .. عام 1974 ، صدر عن دار الثورة كتاب حمل عنوان (التطور الاقتصادي في العراق بعد السابع عشر من تموز) ووضع توقيع أسم (قسم الدراسات) على الكتاب. والمعلومة المؤكدة تقول : ان مؤلف الكتاب هو : الباحث عزيز السباهي، وان لم يحمل إسمه! وان طلبات ،أو أوامر، تصدر من (جهات عليا) الى جريدة الثورة لكتابة خطاب لهذا المسؤول أو ذاك. عادة اسم المسؤول لا يذكر، ولكن تذكر الفعالية أو المناسبة. يقوم رئيس تحرير الجريدة بتكليف هذا المحرر أو ذاك بكتابة الخطاب. ويراعى في التكليف : الاختصاص والاهتمامات. وذات مرة، كلف الباحث الشيوعي عزيز السباهي بكتابة خطاب بشأن الاستثمار الوطني للنفط ونفذ عزيز ما طلب منه

وهنا كانت المفاجأة : يوم 8\ نيسان 1972 كان احتفال يقام في حقول النفط شمالي البصرة، لمناسبة تدفق النفط المستثمر وطنيا من حقل الرميلة الشمالي.ألقى الضيف، وهو رئيس الوزراء السوفيتي ألكسي كوسيجين خطابة، وجاء الدور للمسؤول العراقي ، ( نائب الرئيس في حينها : صدام حسين) ، والقى خطابه عندها عرف عزيز سباهي من التلفزيون ، ان ما كتبه بتكليف كان خطابا لنائب الرئيس. عرف وصمت. ومن الخطورة جدا عليه، او على غيره من ذوي العلاقة، أن يتحدث عن علاقته بذلك الخطاب، أو غيره من خطابات تكتب.” ص59

الخاتمة

الكتاب لا يخلو من التشويق بما يملك الكاتب من تجارب غنية بالمعرفة والاسرار وسوف يطلع القارئ على مجموعة من الدول التي سافر اليها الكاتب في مهام ثقافية ومهنية تخص النشر والتوزيع والمطابع فهناك مقالات عن (قبرص والقاهرة والسويد وفنلندا وسوريا وبيروت والاردن ومالطا) وعشرات الشخصيات والملامح والمواقف الطريفة المشوقة، لقد نجح عكاب سالم الطاهر في ان يذكر ما لم تذكره الكتابات التاريخية من التفاصيل الدقيقة .

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here