عقوبة الحب

مروة متولي

كان الحب هو المسألة حينما اجتمعت صفوة العقول من الأثينيين حول مائدة أفلاطون في إحدى محاوراته الشهيرة المعروفة باسم “سيمبوزيوم” التي هي حكاية تنتقل من راو إلى راو إلى راو آخر، وتسرد الحوار الذي دار في “السيمبوزيوم” ذلك التقليد اليوناني القديم الذي كان يقتصر على الرجال من دون النساء حيث يجتمعون حول وليمة من الطعام والشراب وما إلى هنالك من ملذات ومتع على رأسها لذة الفكر ومتعة الفلسفة.

 وأمام الحب ذلك الشعور الغامض الذي يثير الرغبة في التطلع والكشف والاقتراب من شخص لا نعرفه وما يصحب ذلك من عجائب وأخطار ومشاعر تعجز اللغة عن تصويرها وسعادة تفوق الاحتمال وأقصى درجات الشعور بالحياة، حاول هؤلاء الكبار من “سقراط” وصولاً إلى “أريستوفانيس” معرفة ذلك الشيء الذي يمنح تلك الكلمة مغزاها والوصول إلى الأغوار التي ينبع منها الحب صافياً، ولم تكن المهمة سهلة يسيرة فليس في الإنسان شيء أكثر تعقيداً من تلك العاطفة، لكن كانت كلمة “أريستوفانيس” على طرافتها الأقدر على الاقتراب من الإجابة على مثل هذه الأسئلة: ما هو أصل الحب ومصدره؟ وما هي طبيعته وماذا يحملنا إليه من دون أن نسعى، وذلك من خلال حكايته الأسطورية التي قصها على أسماع الحاضرين والتي تقول بأن البشر كانوا على هيئة أخرى غير التي نعرفها حيث كان الفرد منهم عبارة عن كائن ثماني الأطراف ذو وجهين في رأس واحدة، وكانت أنواعه ثلاثة، “أبناء الشمس” النوع الذي ينقسم إلى رجلين، “أبناء الأرض” النوع الذي ينقسم إلى امرأتين، “أبناء القمر” النوع الذي ينقسم إلى رجل وامرأة.

وفي يوم من الأيام غضبت الآلهة من قوة هذه الكائنات التي كادت تطاول السماء وتزحزح الجبال، فقسمتها بصواعقها إلى نصفين وحاصرتها بالعواصف والأعاصير والفيضانات التي جرفتها بأمواجها بعيداً وضيعتها، مع التهديد الدائم بتعرضها للانقسام مرة أخرى، فهي إن لم تتأدب فسيقسم النصف إلى نصفين ليرى بعين واحدة ويقفز على ساق واحدة، وتقول الحكاية بأننا قبل الانقسام لم نكن نشعر بالحاجة إلى الحب ولم نكن نعرف عنه شيئا، فالحب لم يكن قد وجد بعد، فقد كنا واحداً مكتملاً ولم يوجد الحب إلا بعد أن انقسمنا إلى نصفين، يومذاك غُرست فينا الرغبة في بعضنا البعض وصار كل نصف يبحث عن نصفه الآخر حتى لحظة اللقاء والاتحاد، ويتعرف كل منهما على الآخر من خلال الشعور بنفس الألم الذي شعر به في لحظة الانقسام، وتبدو شاحبة تلك الذكرى البعيدة حين رأى كل منهما الآخر لأول مرة وهو مغطى بالدماء في يوم الانقسام، وهنا تنتفي فكرة مخاطرة اقتراب الفرد من شخص لا يعرفه لأنه في حقيقة الأمر يعرفه منذ الأزل.

تطرح الحكاية الحب باعتباره غريزة أكثر عمقاً من الغريزة الجسدية وكأنها غريزة الاكتمال أو الحنين إلى طبيعة أخرى ووجود آخر مغاير كما تطرح الحب باعتباره ذلك العرض الذي يدل على أن الجنس البشري قد تم تدميره وأنه بعد أن انقسم إلى نصفين صار يسعى لإعادة المعنى إلى وجوده وأن الحب هو لعنة الضعف لأننا منذ أن انقسمنا وصرنا ضعفاء نسعى إلى استعادة القوة التي بلغناها يوماً، ولا تكون الرغبة في الاتحاد هي رغبة في الاكتمال والالتئام فحسب بل تكون رغبة في العودة إلى طبيعة أصلية فُقدت وحال تستحيل العودة إليها، ويرى “أريستوفانيس” أن السعادة لن تتحقق إلا بعودتنا إلى طبيعتنا الأصلية ولا يكفي أن يرتمي أحدهم في أحضان نصفه الآخر ما يعني أن السعادة مستحيلة، وكما أن هناك من يرى وجود الإنسان على الأرض كان عقاباً له على خطيئته، يرى ذلك التصور الفلسفي أن الحب كان عقاباً لنا على قوتنا وأفكارنا العظيمة، فالحب هو ألم الانقسام وحسرة الضياع والبحث الأبدي ونشدان المستحيل.

كاتبة مصرية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here