عقبات أمام تشكيل الحكومة اللبنانية.. والحريري المتفائل الوحيد في الخروج من الأزمة سريعا والعبور إلى ضفة الاستقرار السياسي

إسطنبول/الأناضول

ثمة إجماع في الأوساط اللبنانية ودول إقليمية على أن لبنان يمر بأزمة سياسية، منذ إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية، التي أجريت في 6 مايو/ أيار 2018، وتكليف سعد الحريري بتشكيل حكومة جديدة.

هذه الأزمة السياسية تنذر بمخاطر تهدد الدولة اللبنانية، لكن الحريري “وحده” يبدي قدرا من التفاؤل في الخروج من الأزمة سريعا، والعبور إلى ضفة الاستقرار السياسي.

مطلع نوفمبر/ تشرين ثان 2016 تم انتخاب الجنرال ميشال عون، القائد الأسبق للجيش، رئيسا للجمهورية، بعد شغور في المنصب لأكثر من عامين.

وتسببت في هذا الشغور خلافات سياسية بين الأطراف الفاعلة في البلاد، على خلفية توزيع الحصص بين مكونات طائفية سنية وشيعية، ودينية إسلامية ودرزية ومسيحية، منقسمة على بعضها هي الأخرى.

ويُنتخب رئيس الجمهورية، وفق المادة 49 من الدستور، بـ”الاقتراع السري بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الأولى، ويكتفي بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي”.

أجرت الحكومة الانتخابات البرلمانية الأخيرة لاختيار أعضاء مجلس النواب، المكون من 128 نائبا مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، كإحدى نتائج اتفاق الطائف، في 30 سبتمبر/ أيلول 1989.

وتم التوصل إلى هذا الاتفاق برعاية سعودية، بعد أن كانت حصة المسيحيين البرلمانية أكبر من حصة المسلمين، وبحضور 62 نائبا لبنانيا تم الإعلان عن انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية (1975: 1990).

وتماشيا مع اللوائح المعمول بها بعد اتفاق الطائف، الذي أسس للمحاصصة الطائفية، يكون رئيس الجمهورية مسيحيا مارونيا، ورئيس مجلس النوب شيعيا، فيما يكون رئيس مجلس الوزراء سنيا.

** انقسامات داخل المكونات اللبنانية:

تعاني معظم المكونات الطائفية اللبنانية من انقسامات بينية داخل المكون نفسه، وخلافات مع الطوائف الأخرى حول توزيع الحقائب الوزارية.

المكون المسيحي:

داخل المكون المسيحي ثمة خلافات حول التمثيل الفرعي للمسيحيين في الحكومة المقبلة، حتى بعد توقيع مذكرة تفاهم “اتفاق معراب” للمناصفة على أساس الشراكة بين “التيار الوطني الحر”، بزعامة الرئيس عون، وحزب “القوات اللبنانية”، برئاسة سمير جعجع.

في الانتخابات الأخيرة حصل “القوات اللبنانية”، المسيحي الماروني، على ما يكفي من الأصوات لمقاعد نيابية بلغت 15 مقعدا.

ويطالب الحزب بأربع حقائب وزارية على الأقل، وهو ما يرفضه “التيار الحر”، وهو أيضا حزب مسيحي ماروني، وحصل على 24 مقعدا، ولا يمانع منح “القوات” ثلاث حقائب وزارية فقط.

رفع “القوات اللبنانية” سقف مطالبه بالحصول على تمثيل موازي لتمثيل “التيار الوطني الحر”، الذي حاز بالتحالف الكتلوي مع آخرين على 29 مقعدا، مقابل 15 مقعدا لـ”القوات”.

ويتمسك حزب “القوات” بتفاهمات “اتفاق معراب”، كما يطالب بإحدى الحقائب السيادية، التي يتم توزيعها مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وهي: الخارجية، الدفاع، الداخلية والمالية.

ويسعى “التيار الوطني” لزيادة حصته من الحقائب الوزارية، تحت سقف التمثيل المسيحي في الحكومة المقبلة، عبر الحصول على وزارات توازي حجمه النيابي، المتمثل بـ 15 نائبا، لتحجيم دور “القوات اللبنانية”، والحيلولة دون ظهوره شريكا فاعلا في الأوساط المسيحية.

إذن يطالب “القوات” بوزارة سيادية بجانب أربع وزارات خدمية، على خلفية الاتفاق مع “التيار الوطني” بتقاسم الحصص الوزارية للمسيحيين مناصفة بين الطرفين؛ لكن “التيار الوطني” لا يرى إمكانية ذلك في ظل حكومة من 30 وزيرا.

حتى الآن يسعى “التيار الحر” لتقليل حصة “القوات”، التي يتوافق الحريري مع مطالبه.

كما أن “حزب الله” و”حركة أمل” الشيعيان لا يبديان أي اعتراض على الحصة الوزارية التي يطالب بها “القوات”.

لذلك، وللإسراع بتشكيل الحكومة، سيكون على قيادة “التيار”، الذي كان يترأسه عون، التراجع عن مطالبتها بتقليل حصة “القوات”.

ويدور حديث في الأوساط السياسية عن إمكانية الخروج بحل وسط مع “القوات”، بمنحه أربع حقائب وزارية، ثلاث منها خدمية وواحدة سيادية.

ويمكن ذلك في حال تراجع “حزب الله” و”حركة أمل” عن الخط الأحمر أمام تولي “القوات” وزارة سيادية، في مقابل تنازل “القوات” عن منصب نائب رئيس الوزراء لصالح رئيس الجمهورية.

المكون الشيعي:

حصل “حزب الله” على 13 مقعدا وحليفته “حركة أمل” على 16، بجانب حلفاء آخرين، بواقع ثلاثة مقاعد لـ”الحزب القومي الاجتماعي السوري” ومثلها لـ”حزب المردة”.

يتمسك الثنائي الشيعي، “حزب الله” و”حركة أمل”، بالحصول على ست حقائب وزارية يتم اقتسامها مناصفة بينهما.

ويهتم “حزب الله” بالانخراط في العمل السياسي ضمن سقف الحكومة المقبلة بوتيرة متصاعدة عن اهتماماته سابقا، لتحقيق وجود أقوى داخل مؤسسات الدولة كفيلة بتحصينه من الضغوط الدولية والإقليمية بعد سلسلة عقوبات غربية بحق بعض قياداته ومنظمات تابعة له.

إعلان نتائج الانتخابات وتقدم “حزب الله”، استدعى تصريحات أدلى بها قائد فيلق القدس الإيراني، اللواء قاسم سليماني، قال فيها إن “حزب الله” (حليف طهران) حصل لأول مرة على 74 مقعدا من أصل 128 مقعدا في مجلس النواب اللبناني، معتبرا ذلك “نصرا كبيرا”.

هذا التصريح أثار رد فعل من عضو تكتل “الجمهورية القوية”، النائب فادي سعد، الذي قال إن ذلك “يدل أكثر فأكثر على التدخل الإيراني بالشؤون اللبنانية”.

المكون السني:

حصل “تيار المستقبل”، برئاسة الحريري، على 21 مقعدا، لتتراجع حصته عن 33 مقعدا في انتخابات 2009.

لكنه التيار ما يزال زعيما للسنة في لبنان، والمكلف برئاسة مجلس الوزراء، الذي هو من حصة السنة.

قد يكون البيت السني متفاهما على توزيع الحقائب الوزارية بعد لقاء جمع الحريري مع رؤوساء الحكومات السابقين، قبل أيام، بحضور نجيب ميقاتي، وإقرارهم بشرعية تمثيل الحريري للسنة في لبنان.

وتحاول أطراف سياسية، مثل “حزب الله”، إيجاد المزيد من العقبات أمام رئيس الوزراء المكلف، للضغط باتجاه توزير شخصية أو أكثر من بين شخصيات سنية فازت في الانتخابات، وترتبط مع الحزب بعلاقات وثيقة.

لكن الحريري يرفض تسمية أي منهم لحقيبة وزارية في حكومته المقبلة.

المكون الدرزي ومكونات أخرى:

كما فازت أحزاب أخرى وشخصيات مستقلة بمقاعد نيابية، مثل الحزب “الاشتراكي التقدمي”، برئاسة وليد جنبلاط، الذي حصل على ثمانية مقاعد، و”تيار العزم” أربعة مقاعد، وحزب “الكتائب” ثلاثة مقاعد.

ومن المتوقع أن تدخل هذه المكونات في تحالفات مع الكتل النيابية الأربع الكبرى داخل مجلس النواب.

يعيش في لبنان ما لا يقل عن 200 ألف شخص ينتمون إلى الطائفة الدرزية (مكون عرقي ديني)، ويتمتع الحزب “التقدمي الاشتراكي” بالقاعدة الجماهيرية الأوسع بين أبناء الطائفة.

ووفقا للدستور اللبناني، وتعديلاته بعد اتفاق الطائف، فإن حصة الطائفة هي ثلاث حقائب وزارية يصر جنبلاط على منحها لأعضاء حزبه.

ويعني ذلك حرمان منافسه من الطائفة نفسها، وزير المهجرين في الحكومة الحالية، طلال أرسلان، رئيس الحزب “الديمقراطي اللبناني”، من الحقيبة الوزارية.

ويزيد ذلك من تعقيد عملية تشكيل الحكومة ما لم يتم الأخذ باقتراحات “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” بزيادة حقيبتين وزاريتين في التشكيلة المقبلة، وهو ما يرفضه رئيس الوزراء المكلف.

ويمكن إيجاد حل وسط للتمثيل الدرزي بإعطاء حقيبتين وزاريتين لـ”الاشتراكي الديمقراطي”، وإعطاء حقيبة ثالثة لشخصية درزية مقبولة من طرفي التنافس جنبلاط وأرسلان.

أساسيات الأزمة السياسية وآفاقها:

تحاول كل الكتل النيابية دون استثناء زيادة حصتها من الحقائب الوزارية، استنادا إلى تمثيلها في مجلس النواب والمتغيرات التي طرأت عليه مقارنة بالانتخابات السابقة.

وتسعى الأحزاب للحصول على أكبر عدد من الحقائب الوزارية لإرضاء جمهورها، الذي في الغالب ينتمي إلى الطائفة ذاتها وليس لطوائف مغايرة إلا على نطاق ضيق.

ومع تكليفه بتشكيل الحكومة المقبلة، وضع الحريري هدفا لمشاوراته مع الكتل النيابية، يتمثل في ضم جميع الأحزاب السياسية الرئيسية إلى الحكومة المقبلة، وفقا لمبدأ اقتسام الوزارات بين الجميع.

وحيث أن الأحزاب السياسية في لبنان تقوم على أساس الانتماء الطائفي، فإن مسألة اقتسام الوزارات ستظل خاضعة لهذا العامل، ما يسهم إلى حد ما في تعقيد مهمة رئيس الوزراء المكلف، الذي يبدو متفائلا رغم كل ذلك.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. لن تتشكل الحكومة اللبنانية الجديدة الا بتكليف شخص اخر غير الحريري بتشكيلها، شرط ان يكون ابعد ما يمكن عن السعودية، التي تريد كل الخير للبنان كما لسائر العالم العربي طبعا.

  2. الوضع السياسي في لبنان ينقصه بعض التضحيات اللازمه من اجل لبنان واللبنانيين والجهات التي اجتازت الانتخابات ونجحت في تمثيل منطقتها ، تتحكم بهم الارادات الخارجيه اكثر من ارادات الشعب اللبناني.
    الحل هو ليس في زيادة الوظائف لهؤلاء النواب ولكن في ايجاد نوع البلد الذين يود الكثيرين تقديم الخدمات اللازمه فيه لمعالجة المشاكل التي يواجهها لبنان والمشاكل الاقتصاديه تاتي بالدرجه الاولى.
    اصبح عدد الوزارات في لبنان اكثر من عددها في الصين وهذا هو قمة الانانيه من طلبات هؤلاء المنتخبين.
    لبنان لايستطيع ان يتحمل دفع مصاريف اكثر من عشرة وزارات اساسيه وبقية المنتخبين يجب ان يقبلوا ان يخدموا لبنان واللبنانيين بقبولهم بوزارات خدميه وتمكينهم من التصويت على كل مشاريع المستقبل وكانهم في وزارات سياديه من اجل الاسراع في تشغيل الحكومه.
    كل السياسيين يجب ان يصارحوا بعضهم عما يدور في اذهانهم من اسباب تحول دون تشكيل الحكومه في اسرع وقت ممكن. يجب توقيع كل الاتفاقات والمعارضات والعمل على حلها في جدول زمني معين.

    ـ ممثلي حزب الله والامل يريدون الخير للبنان ولكن تخوفهم المعروف هو التدخ السعودي في لبنان
    ـ الممثلين السنه لا يريدون التدخل الايراني في لبنان
    ـ بعض الاحزاب تشجع على الابتعاد عن حصول حرب مع اسرائيل ويكون لبنان جزئا منها
    ـ بعض الاحزاب تشجع على التقرب بين سوريا ولبنان وتريد رسم لبنان بالوطن العربي الذي يهتم ويتعاون مع جيرانه العرب

    كل هذه مشاكل ممكن حلها عن طريق التفاهم مع الدول المعنيه وقبول نشاطها الاقتصادي وليس الساسي في لبنان من اجل اعطاء لبنان دوره في معالجة مشاكله الداخليه. كما ذكرت سابقا ان تصويت الناخبين ضد وع اية قرار في المستقبل سوف يجلب راحة البال. تقليص المناصب السياديه السياديه هو طلب مشروع من اجل مساعدة لبنان على النهوظ.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here