عفيف قاووق: قراءة في رواية “الحُب في زمن العولمة” لصبحي فحماوي

عفيف قاووق

رواية الحب في زمن العولمة للروائي العربي صبحي فحماوي الذي استطاع  وهو مهندس حدائق أن يكتب روايته بلُغة العارف والخبير الذي يمتلك من المعرفة وسعة الاطلاع والمهارات الكتابية ما مكنه من تقديم وتشريح العولمة بأبعادها الاقتصادية والسياسية والفكرية  وتأثيرها على المجتمعات التي تقع تحت سطوتها، مقدماً لنا رواية  تلامس وتناقش أزمة المجتمع العربي المعاصر في ظل تغول رأس المال والشركات العملاقة والاحتكارية.

الرواية منذ بداياتها تشير إلى سائد الشواوي  وهو يترهل ويعجز أمام فيروس الإيدز، بينما هو يمثل أحد أعمدة الاقتصاد وحوتاً من حيتان المال في مدينة العولمة، إذ نجده يهذي ويعترف بما ارتكبه من فظائع وموبقات، وكونه يهذي فمن الطبيعي أن تأتي اعترافاته غير متناسقة زمنيا ومكانيا ولذا جاءت فصول الرواية متناثرة لا يحكمها التسلسل الزماني لحدوثها، وأيضا شهدنا توزعاً في الأماكن الشاهدة على الأحداث من مدينة العولمة (البطين)، إلى أيطاليا واوروبا، وافريقيا، وشواطىء الكاريبي وقبرص وهذا التعدد في الأماكن يشير إلى ان العولمة تجعل من العالم قرية صغيرة مُسيطراً عليها.

 تحمل الرواية عنوان “الحُب في زمن العولمة” وإذا حاولنا إيجاد توصيف للحُب ومعناه في زمن العولمة،  نجد أنه  يلغي كل التوصيفات المتعارف عليها في قاموس الحُب او العشق، ويحصرها  في نوع آخر من الحب يتمثل بعشق المال والدولار،عشق أقرب لدرجة الهوس في عبادة المال والسلطة والجمع بينهما..لقد برز حب المال بشكل واضح في سلوك سميرة زوجة مدير البنك التي كانت تسعى لتحقيق أرباح وعمولات سمسرة عقارية بتشجيع صديقاتها على شراء الفلل والقصور لقاء عمولة تحققها، وكان الحُب بدافع المصلحة هو الذي أدى بسائد الشواوي للزواج من أسمهان ابنة صاحب البنك لتكون الجسر الذي يعبر عليه للانضمام إلى نادي المال والأعمال والارتقاء الى صفوف الطبقة المخملية فالبنت حلوة جدا ُّونائمة على بنك،  ورغم ذلك كانت لذه الأرباح عنده تتقدم على لذة النكاح كما أوصاه والده.

 ولا بد من التنويه إننا شهدنا في هذه الرواية بداية حب نقي بين ثريا ابنة الشواوي وأستاذها مهران المنتمي للطبقة الاجتماعية الأدنى، وكانت نظرتها إليه نظرة عشق لأفكاره، ولشخصيته الجادة، والتي لم  تتعرف على مثيلة لها بين الشباب الجامعي، خاصة أولاد الاغنياء من طبقتها ولكن هذا الحب لم يبصر النور، فقد قُضيَ عليه في المهد نتيجة الموانع التي تفرضها العولمة ونتيجة لأن مهران لا يحمل مواصفات اختراق جسد الطبقة الثرية، حسب مفاهيم عائلة ثريا التي لا يمكن أن ترضى بالمصاهرة لأسباب طبقية، دون الالتفات للمشاعر الإنسانية.

يفتتح فحماوي روايته بالإشارة إلى ذاك الموروث الشعبي الذي لا زال حتى يومنا الحاضر مُتحكماً ومعششا في عقول الكثير من أفراد مجتمعاتنا العربية لناحية الإيمان بالحسد أو ما نسميه بصيبة العين، إضافة إلى التصديق بالمرويات المتناقلة عن وجود الجّن وتحكُّمه بمصائر الناس . فمثلا عندما سقط أحد عمال البناء من أعلى قصر الشواوي  بحضور زوجته ام سفيان ووالدته الحاجة صفيّة “ارتعبت المرأتان، وانهارت أم سفيان قائلة إنها العين التي لا تصلي على النبي، لا أفهم لماذا تطاردنا هذه القوى الخفيةّْ في هذا البناء الشقي، وعندما سمعت الحاجّة صفية الخبر، قالت لزوجة ابنها: “الحسود لا يسود اذبحي يا أسمهان خروفا على عتبة كل باب من أبواب القصر فالدم  يُرهب الارواح الشريرة، ويُبعدها عن البيت.(ص13).

وفي موقف آخر وللدلالة على تعشش مثل هذه المفاهيم الموروثة يشير المؤلف إلى ما روته أمه عن الحاجّة فاطمة، “امرأة  مرفوع عنها الحجاب، وكانت روحها متصّلة مع الجنّ! وهذا الجنّ، من سلالة سعد الدين، قالت لي: “عندما يزور المُعوَزون من الناس الحاجّة فاطمة، المرفوع عنها الحجاب، ويسألونها عن حاجاتهم، فإنها تجلس أمامهم متربّعة، ثم تنتفض، ويتغيّر صوتها! وتجحظ عيناها.. يركبها أولاد سعد الدين، ثم يبادرون بالحديث مع الزوار، فينطق سعد الدين من فم الحاجّة فاطمة، وهي لا تدري ماذا يقول.. يبلغها أحد الزوار، أنه فقد محفظته في أرض قرية ٌ جبع، فيقول له سعد الدين:

 ” محفظتك موجودة إلى جانب صخرة، حولها ثلاث شجرات زيتون والآن يقترب منها راعي أغنام، فاذهب إليها بسرعة، فقد أُعذر من أنذر”، ثـم تطلب منها امرأة حيرى معرفة أخبار زوجها الغائب، وما إذا كان قد تزَّوج بامرأة أخرى واختفى، أو أنه مسجون أو مسافر…  فيجيبها سعد الدين قائلاً :

 “زوجك طائر حائر،

 ظافر خاسر،

 يرعى رزقه في بلاد العالم الدائر.”  هكذا هي حال مجتمعاتنا العربية بالأعم الأغلب مكبلة بتقاليد وأعراف تحول دون تقدمها، مجتمعات تقدس الأمثال الشعبية وتعمل بها ومن هذه الأمثال “يجب أن يكون الناس في فمهـم ماء، فلا ينطقون، أو ما كل ما يُعرف يُقال، أو مقتل الرجل بين فكّيه، والمثل الأكثر شيوعا؛ ” إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب”. أما الحاجة صفية والتي كانت في الثمانينات من العمر، عندما  سمعت ان ابنها سائد الشواوي يهذي ويكلم الأشباح قالت :

” ابني سائد عقله كبير، أكبر من قدرة الانسان العادي على التخيُل ومشاهدة الارواح والملائكة والجن، وأشياء لا نفهمها نحن البسطاء من الناس، وهذا جعله يرتقي، من ولد ساقط سادس ابتدائي، إلى ملياردير،(ص11).”

هذا الركون إلى تلك الموروثات دفع  ثُريا ابنة الشواوي للقول:

 ” إن  كل هذه الثقافات، أوصلتنا  إلى ردة عصر العولمة، الذي نحن مهانون  فيه، فلولا هذا الكبت والخرافات لما وصلنا الى كل هذا التخلف”(29).

 … ومثلما يحصل غالبا في البرامج الحوارية حيث يقوم مقدم البرنامج بالإعلان صراحة على ان الاراء الواردة في هذا اللقاء هي على مسؤولية الضيف والإدارة غير مسؤولة عنها ولا تلتزم بها، فهذا ما أقدم عليه صبحي فحماوي حيث تنصل مسبقاً من تبعات هذه الرواية مُلقيا كامل المسؤولية على أحد أولاد الجن سعد الدين كاتباً ؛

 “إن أحد أولاد سعد الدين قد ركب رأسي، وانسل إلى داخل مخيلتي، وبدأ يسرد من فمى حكايات ، ويختلق شخصيات، لرواية لا أفهم عنها شيئا! قال لي: اكتب اسمها (الحب في زمن العولمة) ، وأنا فى الحقيقة خالى الذهن عن مضمون هذه الرواية! ولكن سعد الدين قال لى: أنت تكتب ما أمليه عليك، ولا علاقة لك بالموضوع ، وما على الرسول إلا البلاغ. فأجبته كما تعودت أن أجيب زوجتى بلا مناقشة : حاضر! وهكذا بدأ يأمرنى، وأنا أطيع بالكتابة، فاعذرونى إذا ما بدر من الجن أية تفاهات، أو أخطاء ، أو سهو ، فقد جل من لا يسهو” (ص6).

   بداية لا بد من التطرق الى الشخصية الرئيسة في هذه الرواية وهي سطوة رأس المال والتي يمثلها سائد الشواوي الذي بعد ان أُنهيت خدماته كمسّاح في البلدية ، توجه للتجارة وشراء الاراضي من أصحابها المتعثرة أحوالهم المادية، ثم تزوج من أسمهان ابنة صاحب البنك حمد الله الكفري، وبأساليب انتهازية وملتوية استطاع أن يصبح أحد أعمدة الإقتصاد وحوتا من حيتان المال، وانتخب عضواً إدارياً في البنك المركزي، وعمل على تشريع حرية تحويل العملات المحلية والأجنبية، من الولاية وإليها دون قيود، كما أسس شركة لتمويل المشاريع الزراعية التجارية، وشركة العمارة العولمية، وشركة اللحوم المعولمة. وشركة استراتيجية عابرة للقارات تتاجر بالعقارات والمشاريع السياحية مركزها جزيرة ثابتة في البحر الكاريبي ومهمتها الاستثمار في دول عديدة. وشركة وهمية سمّاها مدينة (دزني لرفاهية شعوب الشرق الأوسط). لقد أصبح سائد الشواوي يشبه القطار الذي يجر خلفه ألف قاطرة وقاطرة، وكل قاطرة فيها ألف نوع ونوع من البضاعة، كمواد البناء، وقطع السيارات، وآلات المصانع، ولوازم المزارع، ومع كل العظمة والجبروت التي حققها ، فإن هذا القطار العابر للقارات لم يستطع أن يمنع عنه معاناته المؤلمة وحياته البائسة وانهزامه أمام فيروس الإيدز.170

     لقد اختار المؤلف مكانا مجهولا ومعلوماً في آن لمدينة العولمة، إنها مدينة البُطين وهي  كما يقول السارد ليست في مصر أو سوريا، أو الاردن أو فلسطين، أو العراق أو المغرب العربي، أو بلاد الجزيرة العربية، أو أي بلد عربي بعينه بل هي واقعة داخل الحدود المشتركة لهذه الدول، في مساحة مستباحة. ونجد أن هذا الاختيار مقصود وليس مصادفة، حيث أن المؤلف يريد الإشارة أو التنبيه الى أن الرأسمالية العالمية المتوحشة بدأت تُداهم هذه البلدان في مناطق وقطاعات منها تمهيدا للانقضاض التام عليها.

– لبنــان- صيدا

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. سرد ثري بأسلوب سهل ممتنع… المشكلة في بلادنا هي عدم تحمُّل مسؤولية أفعالنا واللجوء إلى الديانات والموروثات الشعبية والقاء اللوم على الآخر، وحتى لا نصاب ب”طرطوشة” من أهل الداخل فنلجأ إلى الآخر من أهل الخارج! وخير دليل على ذلك يتجلّى في هذه الرواية بمكان مدينة البطين الوهمي و”تنصُّل صبحي فحماوي من تبعات هذه الرواية” لأنه يتكلم بلسان أحد أولاد الجن!… في بلاد العولمة يتحمل كل شخص مسؤولية أفعاله ويتبنى أقواله ويتحمل تبعات رواياته ويفتخر بالتغيير ويرفض تبعات الجن والملائكة والأديان والموروثات الشعبية!… منير سلمان .

  2. تحليل عميق فريد من ناقد متمرس اكتشف خفايا الرواية الباهرة التي لم يكتشفها احد لروائي عربي فذ يستحق البوكر بجدارة…

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here