عزيز ماحي: جدل العربية والأمازيغية: النقاش العقيم

 

عزيز ماحي

يحكى أن قبيلتين كانتا تعيشان داخل قلعة محصنة ومطوقة يصعب الخروج منها الا لذوي الجاه والسلطان، و رغم قساوة العيش بها كان يعم جو من الحب والمودة بين سكانها لعقود طويلة خلت، ذات يوم جاءهم رجل حكيم ذو بصيرة أخبرهم بأن الطيور التي تولد داخل القفص تعتقد أن الطيران جريمة، فلم لا تخرجون من القلعة التي يوجد خلف حصونها ما لذ وطاب مما تحلو به الحياة، فطلبوا منه بشدة أن يجد لهم سبيلا للفرار وشق طريق السعادة.. فدلهم إلى سر الخروج من ضنكهم بأن يتحدوا ويتعاونوا لأن هناك سُلما واحدا هو السبيل الوحيد لتدارك حصون القلعة، فاحتد النقاش بين القبيلتين بسبب بعض السفهاء وكثر القيل والقال من أين جاء السُّلم ومن سيكون تحت إمرته.. وبعد زمن ليس بالقصير من الجدال وصلوا الى حل وسط بزعمهم، وهو أن يقسم السُّلم إلي نصفين بين القبيلتين، ففعلوا، فما نجى هؤلاء وما صعد هؤلاء.. وبقوا داخل القلعة يُسقَون من مرارة عقولهم وأفئدتهم.

نفس الشأن ينطبق على هذه الأسطوانة العجيبة التي لا يزال بعض منا يلوكها بلسانه ويستمتع بجر الحبل نحوه، هذا الصراع الثقافي العربي الأمازيغي الذي أصبح موضوعا يناقش تكرارا دون مراعات أبجديات أدب وأخلاقيات الحوار الهادف خصوصا داخل مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب والجزائر وغيرهما. فهل سأل أحدنا يوما نفسه بصدق لماذا أتعصب لهذا الرأي دون ذاك؟ وما الهدف من هذا النقاش كله؟ وهل هذه الأسطوانة الكلاسيكية هي التي ستحل جميع المشاكل التي نتخبط فيها أخلاقيا وفكريا واقتصاديا…؟

فالتعصب للعرق واللون والدين من أكبر مشاكل العصر منذ الجاهلية، حيث لازالت وللأسف بعض الدول والتي تعتبر نفسها متحضرة وقوية اقتصاديا تتعصب للون الانسان وعرقه حيث عانى السود من الاضطهاد قبل مالكوم إكس وبعده وذاقوا الويلات بسبب طائفة متحجرة الدماغ قدست عرقا دون آخر، والجريمة الحديثة التي قام بها الشرطي الأمريكي في عز أزمة كورونا بخنق رجل أسود من أصول إفريقية حتى قتله خير دليل على ذلك، الشيء الذي لم يأتي به أي نبي من الانبياء ولا رسول من الرسل ولن تجد أي كتاب من الكتب السماوية الأربعة السليمة يفضل عرقا على آخر، فمن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه. كما قال الشاعر: إذا افتخرتَ بأقوامٍ لهم شرفٌ قُلنا صدقتَ ولكن بئسَ ما وَلَدوا.

فعوض أن تتَّحِد الشعوب على محاربة كل مفسد في الوطن والسعي وراء الازدهار الاقتصادي والبحث العلمي والعيش الكريم وتكافؤ الفرص، تراهم يضيعون جهدهم في محاولة إثبات من هي القبيلة الاولى التي سكنت هنا أو هناك ونسوا أننا مجرد مسافرين كلنا راحلون اليوم أو غدا.

جل الدول العظمى يعيش على أرضها أناس من شتى المشارب والمذاهب من الكرة الأرضية مع ذلك نادرا ما يناقشون مواضيع تافهة كهذه ولا تسمع إلا المنافسة في البحث العلمي والابتكار والذكاء الاصطناعي والمال والأعمال وتوفير الرفاهية للجميع.

البطاقة الوطنية لأحد أقاربي الذي ازداد سنة ١٩٥٠ تحمل سنة ازدياده فقط ولا يعلمون شهر ولا يوم ميلاده قط، وكلما رجعنا من جد إلى جد زادت نسبة الغموض وازدادت الصورة ضبابا، فبالأحرى الحديث عن أمور وقعت قبل آلاف وملايين السنين. كما أن هناك مجموعة من التزاوجات التي جمعت قديما بين عدة قبائل مختلفة تتباعد بينها بآلاف الكيلومترات إما بسبب القوافل التجارية أو الهجرة الناتجة عن الحروب وغيرها مما أدى إلى اختلاط الأنساب، وتبقى التكهنات التاريخية تحمل في طياتها نصيبا من الخطأ والصواب. فغالبية أولئك الذين يجرون وراء الأخبار الجاهزة والكتب القديمة يتناسون أن جل المنشورات تشوبها بعض الشوائب التي تخدم فئة دون أخرى سياسيا واقتصاديا أو بسبب هفوة عن غير قصد، أو قد يأتيك بحقيقة واحدة مغلفة بأمور مزيفة لحاجة في نفس يعقوب، فالمؤرخون والكُتاب ليسوا كلهم صادقون وكتبهم ليست قرآنا منزلا لنصدقه كله، وها هو ذا تاريخ اليوم يُزَوَّر بين أعيننا كل يكتب ويفسر ما يقع حسب هواه إلا من رحم ربك، فإذا كانت كتب مقدسة قد طالها قلم التحريف والتدليس فما بالك بما هو دونها. لذلك وجب البحث عن المعلومة في أكثر من مصدر واحد ليتبين لك الحق من الباطل وأن تتحرى المصادر الموثوقة هنا وهناك ليكون قولك سديدا وقويما.

فمعظم هؤلاء يتكلمون وينشرون تلك الخطابات التي تستدرج ضعاف العقول وتوقظ عروق العنصرية وتسبب التفرقة بين الناس ثم تنغلق القلوب إلى ما يشبه سواد الغربان بعيدا عن شعاع النور، متناسين أننا نركب سفينة واحدة إما ننجو جميعا أو نغرق جميعا، فالجهل والفقر، والتفرقة أخطر المعاول والعواصف التي ستؤدي حتما إلى إغراقها.

كلكم من آدم وآدم من تراب، لا فرق بين عربي ولا عجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى، فلا شريف إلا من شَرفه عِلمه وخُلقه

 ومنهم السذج الذين يتبعون أثر من سبقهم بغير علم نحو المجهول، على غرار التصريح الذي قدمه أحد المتظاهرين لما سأله الصحفي عن الموضوع وسبب تواجده في المظاهرة فلم يجد جوابا واكتفى بقول أن المنظمين وعدوهم بتحمل مصاريف النقل والاكل طيلة مدة الاحتجاج.

أتذكر قصة طريفة وقعت لأحد التلاميذ لما كنا في سلك الباكالوريا في حصة للرياضيات عند أستاذ كيِّس فطن، منحنا مهلة ربع ساعة لحل تمرين دالة لوغاريتمية بعد أن شرح الدرس بتفصيل ووقف خارج القسم يسترجع قواه، فلما رجع رأَى زميلي يحفر الطاولة الخشبية بالبركار أحدث في قلبها ثقبا جائرا، سأله الاستاذ عن التمرين فوجده لم ينجزه بحجة أنه لم يستوعبه، فقال له بحكمة: تلك الطاقة التي ضيعتَها لخرق جسد الطاولة لو ركزتها في التمرين ببصيرة لوجدت الحل ومثله معه.

وكما هو معروف في علم الفيزياء أنه عند اشتغال المحرك يضيع جزء كبير من الطاقة على شكل حرارة، فمن وجهة نظري، لو تركنا تلك النقاشات العقيمة والجهود والأموال الضائعة في الندوات والمظاهرات والمقالات الفارغة واتحدنا وركزنا كل جهدنا وقوانا في اتجاه واحد هو العيش الكريم لكل مواطن أيا كان موقعه ونوعه ومحاربة كل مفسد تسول له نفسه أن يعبث بمصير شعب لكان أقوم وأشد تثبيتا.

فلا أحد له الحق في أن يجبر الآخر على تغيير ثقافته، فجميع قبائل الأمازيغ أحرار ولهم الحق في الاعتزاز بثقافاتهم وهوياتهم، وغير الأمازيغ أحرار ولهم الحق كذلك في الاعتزاز بثقافاتهم وهوياتهم، في ظل الاحترام المتبادل وقيم الحب والتسامح والتعايش، ومن القوانين الكونية المعروفة لدى الجن والإنس الا من جحدها، أن تُعامِل الآخر بالطريقة التي تحب أن تُعامَل بها، فلا تنتظر من شخص آخر أن يحبك ويحترم ثقافتك إن لم تكن أنت بالأساس تحترم ثقافته.

فلا حياة بدون اختلاف، والذي يولد التكامل ويعتبر في جوهره جمالا كألوان الطيف في يوم بهيج أو كجمال الألوان الزاهية في لوحة بديعة، كزهور باهية بين أحضان البساتين المتناثرة هنا وهناك لتبدأ الزقزقات والتغاريد تملأ الشعاب والوديان بتلاحين تترنح لها الأشجار طرباً و ترسم أبدع السمفونيات البشرية، فإذا خربت لن تستطيع المعازف ولا المقامات ترتيبها من جديد.

وبخصوص قضية اللغة، فالكلمة الأولى والأخيرة للعلم والعلماء، وقد جاءت كورونا لتؤكد لنا ذلك،

فإذا كان جزء من الأمازيغ يدافعون بإجماع عن حرف تيفيناغ فمن حقهم أن يفتحوا مراكز ثقافية لذلك أو مدارس خاصة تهتم بالأمازيغية أكثر من اللغات العالمية والأجنبية ومن حق كل مواطن يؤمن بالفكرة أن يسجل أبنائه في تلك المدارس، وألا يكون ذلك اجباريا على الكل؛ مع احترام جميع الآراء والمواقف.     فاذا علمت أن أكثر من 90 بالمئة من المعلومات المتوفرة على شبكة الانترنيت في العالم كله هي باللغة الانجليزية، وأقل من 10 بالمئة تشترك فيها باقي لغات الارض، وأن كل البحوث العلمية والأدبية الرائدة في العالم تنجز باللغة الإنجليزية، فحينئذ حُق لك أن تختار اللغة التي تدافع عنها والتي توقن بأنها ستوصلك الى بر الأمان.

فلكي تبصر النور لابد أن تكون ذو همة وفِراسة.

منتج محتويات سمعية بصرية ورقمية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

8 تعليقات

  1. من لا تعجبه العربية لا يكتب بها فهو غير ملزم ومن يسميها البعيرية فالله سماها *لسان عربي مبين*وهذا يكفينا على أي رد العربية لغة معترف بها في الأمم المتحدة ومعظم الدول تدرسها والعجيب أن من يتطاولون على العربية هم سفهاء قومهم فكل المفكرين الأمازيغ كتبوا بالعربية ولم يجبرهم أحد على ذلك ومن قالو إ رحلو فليأتي ويرحل ٧٠% من سكان المغرب العربي الكبير ومعلومة العرب والسريان والكلدان والفيقيين والعبرانيين كلهم عرق واحد والعراق والشام عرب من قديم الزمان

  2. الجزائر أمازيغية سكانها أبناء أمازيغ بن حام بن نوح.و من رفضوا العيش في كنف الأمازيغية فليرحلوا .
    العرب موطنهم الأصلي هو شبه الجزيرة العربية.
    نشنين قع ديمازيغن.
    و الأمازيغية من أقدم اللغات لها قواعدها ،صرف ،نحو…….،و ليس كما يعتقد البعض ممن لم يتكبدوا عناء السؤال عنها. لا تحكم على ما تجهله.
    وفقنا الله وإياكم لما يحبه و يرضاه،و الحمد لله رب العالمين.
    و السلام.

  3. ارد عليك بنفس منطق عدم الاحترام. لاتوجد لغة اسمها بعيرية. كانت لهجات متفرقة لا حروف ولا أرقام. اخذوا ماكان موجود عند بلاد الرافدين والآرميين والسومريين والسريانيين ثم نسبوه الى العرب زورا

  4. الاعراق الجغرافية ،،

    قم بفحص جينات بتكلفته دولار وستعرف النتيجة
    من خلال رسم جغرافي يشبه خارطة الكره الأرضية

  5. موضوع في القمة لان العربي لا يمكنه إقصاء الامازيغي و لا الامازيغي يمكنه اقصاء الامازيغي

  6. لايوجد شيء إسمه أماسيخية لا حروف لا أرقام لا أعداد لا نحو لاصرف لا إعراب ولا هم يحزنون..
    فرنسا قبل خروجها من مستعمراتخا تركت من يخرب ومن يعمل لصالحها. أوهمتهم بأن لهم لغة وأوهمتهم بأنهم شعب الله المختار وأوهمتهم بأنهم أذكياء جدا حتى إنبطح لهم الحكام كما هو حاصل في الجزائر ومدينة تيزي وزو حكام الجزاءر داءما يزكونها الأولى في جميع الإمتحانات لأن التلاميذ والأساتذة الذين يحرسونهم يعملون معا لإنجاح كافة التلاميذ ولم يقبلو يوما بأساتذة من خارج مدينتهم..
    الأصل والفصل هي لغة القرآن . اللغة التي يفهمها الجميع سواء في المغرب أو المشرق..
    إذا لماذا يحتمون علينا ويفرضون علينا لهجة أعطوها إسم لغة زورا وبهتانا

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here