عزيز أشيبان: يسمو البلد بسمو ثقافته

عزيز أشيبان

ثمة أسئلة مخجلة ، من صلب الواقع العربي، تجيب على نفسها ويتجنب العديد منا تدبر مضامينها بسبب الإحباط الذي تثيره أو الضجر الذي يصيب كل من تجرأ على فعل ذلك. أسئلة تقع في خانة اللامفكر فيه عند صناع القرار مادامت الهوة بينهم وبين خدمة الصالح العام تتعمق مع تغلغل حدة نعرات العناد والتكبر والاعتداد بالنفس و الأنانية لديهم.

على سبيل المثال لا الحصر نذكر ما يلي:

  • كم هي نسبة الأمية الحقيقية داخل البلد؟

  • كم حصة السوق المحلي من مبيعات الكتب على المستوى الجهوي أو العالمي؟

  • ما نوعية أهم المواد التي يتناولها الإعلام المحلي؟

  • ماهي اهتمامات الناس على الإنترنت؟

  • ما هو القدر الزمني اليومي المخصص للقراءة عند كل شخص؟

  • ما مدى تأثير الثقافة العالمة على الثقافة الشعبية؟

أسئلة نوعية تهتم بالمضمون أكثر منه بالعدد ولا تمت للطوباوية بصلة كما يروج لذلك، بل أسئلة ظاهرية تبدي باطن وخفايا الأمور. أسئلة تحيل على نوعية المجتمع المراد صناعته وتعكس بقوة  قدرتنا الحقيقية على الإقلاع واستعدادنا للشروع في بناء مسار التنمية والظفر بالاستقلالية.

غني عن البيان القول بأن مفهوم الثقافة يتحدى معظم محاولات تعريفه إذ يكتنف المعطيات و المظاهر النفسية والسيكولوجية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية والجغرافية  والعقائدية والأخلاقية والأنثروبولوجية واللغوية والفكرية والسياسية ويتطور بشكل مستمر ومركب ومن التضليل حصره في مظاهر سطحية  مبتذلة تخص أساسا المنتوج الفني.

عن السمو الثقافي

تسمو الروح وتنفصل عن الجسد وتعرج إلى السماء وتترفع عن جميع الماديات وتخلد بسمو اللامادي وتلاشي المادي واضمحلاله فوق سطح الأرض. نفس المنحى يتخذه الوطن كلما ارتفع شأن ثقافته، إذ بسموها يسمو ويبلغ المجد ويصون أنفة وكبرياء مواطنيه. تتمثل الثقافة في قلب الروح التي ترتقي إلى العلياء عندما تتهيأ العوامل المحفزة لرقيها وتمرغ في الوحل عندما تحتقر وتحاصر وتصادر و توأد في المهد. من المؤكد أن المعطى الثقافي يشكل أهم قوى الدفع نحو الإقلاع لما له من حسنات جارية حيث يمنح القوة النفسية في تشكل ذلك التمثل المستقبلي المنشود من طرف السواد الأعظم من الناس. من النافل القول  أن البلد يكتسب هيبته ويفرض احترامه بنوعية ما تنتجه ثقافته من إسهام فكري ومادي وتجليات الاستقلالية والاكتفاء الذاتي وممانعة الاختراق الخارجي بالقدر نفسه يفقد البلد احترام الأمم الأخرى عندما تنغمس ثقافته في إنتاج الأوهام والعوائق ومسببات الارتداد و الرداءة والقبح والتفاهات.

باختصار، تعبر الثقافة عن وضعية المجتمع و حركيته  من خلال حركية أفراده في إطار أنساق العلاقات الاجتماعية القائمة.

كيف يرتقي البلد بارتقاء ثقافته؟

في رحم الثقافة تلتقي  الذخائر وتنصهر لصناعة مقومات البناء، وتشكل أنساق الإقلاع التي تكتنز وتوظف المحفزات النفسية والذهنية والاقتصادية والاجتماعية التي تولد طاقة حركية داخلية هدفها التخلص من الجمود والتقوقع والتضعضع والميل إلى المبادرة نحو الإنتاج والإبداع.

حقيقة، تقدم المحفزات النفسية أهم عوامل الإقدام على محاولة التغيير والسعي نحو الإضافة و الإغناء من خلال ما تقدمه من  عناصر الثقة في النفس والعزيمة والصمود المستقاة من تجارب الماضي ودروس الأجداد.

بموازاة مع وظيفة المعطى النفسي، تقدم  العوامل المعرفية  الإرث المعرفي والإنتاج العلمي  عبر مجموع المعارف المكتسبة التي تمكن من تنمية روح النقد والقدرة على الحكم وحسن اختيار السبل لإنتاج القيمة المعرفية المضافة ودب حركة داخلية ذاتية مخرجاتها الثقافة العلمية المترفعة عن ثقافة الأوهام والأساطير الجامدة المحاربة للإثراء والإغناء والتطلع وكسر القيود، فتتهيأ بذلك الأرضية الضرورية  لعملية الانطلاق والهم بصناعة مجتمع معرفي حداثي تواق إلى النهضة ولا يرضى بذل التأخر ومهانة التخلف عن ركب الشعوب المتقدمة.

على نفس النحو يقدم العامل التاريخي الدروس والقوانين المتولدة عن التجارب الماضية لتجنب تكرار نفس الأخطاء ومراعاة حركية الزمان وخصوصية المكان ونوعية التفاعل مع الخارج تفاديا  للضياع  و التيهان.

ما تم ذكره من عوامل محفزة يمنح المناعة الداخلية لمواجهة الرداءة والقبح  ويعبد الطريق نحو العمق والعقلانية عوض الانكماش في هوس الأوهام ويساهم في بناء الرؤية نحو تشييد وطن المؤسسات والحقوق وحرية المبادرات البناءة.

مما لاشك فيه أن السمو الثقافي لا يبنى  بعمليات النقل أو الشراء لما هو جاهز، بل هو نتاج حركية مجتمع يوحده حب الوطن ورفض الخنوع والانكماش.

(كاتب مغربي)

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. شكرا لكاتبنا وأستاذنا و أخينا العزيز سي عزيز أشيبان على موضوع الثقافة ودورها في الرقي بالمجتمعات وهل هي نعمة أو نقمة على الشعوب ،ومن هنا أريد أن أتطرق لشيء مهم او تساؤل حاضر في ذهني كلما ذكرت مسألة الثقافة :وهي مصادر هذه الثقافة و منابعها المتنوعة في عصرنا الحالي ومدى خطورة هذا التنوع المصدري للثقافة الحديثة على كسب الثقة او عدمها من المصدر او الناقل للخبر فأرى ان المنقب عن مصدر لثقافته لا يمكن ان يستغني عن الكتاب لان لا ثقافة بدون كتاب ولا يمكن ان تكون القنوات الفضائية المتنوعة و كذا مصادر الانترنت بكل ما تنشره من برامج استفزازية و سطحية مفتوحة على مدار الساعة، ان تكون مصدرا للثقافة التي هي غذاء للروح النقية الباحثة عن الحقيقة،لدى أقول أن كل من يريد ان يحصل على ثقافته السليمة عليهان ينوع من جميع الوسائل المقروءة و المرئية والمسموعة و ان لا يتوقف عند وسيلة بعينها .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here