عزيز أشيبان: هل نعي حقا عمق أبعاد ثورة الذكاء الاصطناعي؟

عزيز أشيبان

من الواضح أن الحديث عن الذكاء الاصطناعي في وطننا العربي لايزال في كنف اللامفكر فيه أو نوعا من الترف الفكري الممكن تأجيله إلى أجل غير معلوم باعتبار أن هناك أولويات من هموم اقتصادية واجتماعية وسياسية يجب الانكباب عليها لضمان استقرار البلاد والعباد. في الواقع نحن خارج سيرورة الأحداث وعالة على العالم ومفعولا به تحت مظلة أجندة قيادة قوى أخرى مادمنا غير مؤهلين لقيادة أنفسنا.

يشكل الذكاء الاصطناعي حاليا أم الثورات التي تحمل في رحمها سلسلة لامتناهية من الثورات البيولوجية، الاقتصادية، المعرفية، والاجتماعية التي ستأتي على الأخضر واليابس وتعيد تحديد المواقع وتشكيل التصورات وصناعة المستقبل. من المفارقة ان يبدي الذكاء الاصطناعي طابع النعومة والليونة ويحظى بالترحيب  وثقة  السواد الأعظم من الناس، لكنه في الوقت نفسه يبطن طابعا ثوريا قد يميل إلى الفوضوية والعنف إذا تمعنا جيدا في أبعاد تموقعه في قلب نمط عيش المواطن العالمي.

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقوم بأداء وظائف معينة بل أصبح محددا مفصليا في نمط العيش الحالي والمستقبلي. كيف ذلك؟

غني عن البيان القول أن ظهور الذكاء الاصطناعي شكل ثورة غير مسبوقة  تختلف جذريا عما سبقها من ثورات تحمل في طياتها مجموعة تغيرات جذرية نجهل عمق مخرجاتها، حيث  تتميز ثورة الذكاء الاصطناعي ب:

  • تساقط جميع الأرقام ، وانهيار مجمل التوقعات، اندثار المستحيل وتسيد الممكن (على سبيل المثال ما نشاهده في أفلام علم الخيال منذ عقود ينحو نحو التحقق)

  • خلخلة البنيات الفكرية والاجتماعية والسياسية واستهداف العمق.

  • سرعة خيالية في تسارع الأحداث وإنتاج الجديد.

  • غياب الرؤية والضبابية والتقدم نحو المجهول.

حقيقة يصعب الإحاطة بمخرجات الذكاء الاصطناعي لصعوبة حصر محاورها وتصنيف عناصرها وفق  أنساق محددة، لكن مع ذلك يمكن التركيز على تجليات بعض المخرجات والغور في خباياها.

على المستوى المفاهيمي، أحدث قدوم الذكاء الاصطناعي ثورة في مجموعة من المفاهيم وعجل بضرورة إعادة بنائها.

من زاوية سياسية، هناك أسئلة تطرح بخصوص معنى الدولة وآليات اشتغالها وماهية الديمقراطية والسيادة  بعد بروز شركات التكنولوجيا الضخمة وتوغلها في العملية السياسية والانتخابية إذ لم تكن المحدد الرئيسي في ذلك حاليا. هناك أسئلة محورية أخرى تخص مفاهيم القوة، العلاقات الدولية، الشرعية الدولية، الحدود القطرية والاستقلالية.

من زاوية اقتصادية، يعاد النظر في حزمة من المفاهيم من قبيل الإنتاج، المردودية، هياكل الاقتصاد المحلي، التنافسية والمنافسة.

من زاوية أخلاقية وعقائدية، ربما هي الزاوية الأكثر حساسية عند العامة وتهم الأسئلة المرتبطة بالوجود، الإله، الدين، الأخلاق ومجال اشتغالها، الخصوصية، الوصاية، الرقابة،  الحياة ، الموت، الطبيعة…

على المستوى البيولوجي والمجتمعي،  نعيش عهد قيام مجتمع  جديد قائم على المعرفة  يتشكل كنتيجة لمرحلة المرور من الرأسمالية الصناعية إلى الرأسمالية المعرفية ويتميز بسمو المعلومة وقيمة الرأسمال اللامادي في إطار تصور جديد لنماذج التنمية عند مجتمعات ما بعد الحداثة.

بيولوجيا، هناك ثورة في عملية إعادة بناء الإنسان تهدف إلى  سحب صفة الإنسانية عن الإنسان وتحويله إلى أداة إنتاج تشكل أهم دواليب حركة الإنتاج يرجى دائما تحسين نوعية ادائها وتصنيفها بمثابة الأفضلية المقارنة في قلب المنافسة الشرسة بين الشركات الضخمة. يتم الحديث حاليا عن عملية الانتقال من الإنسان البيولوجي إلى الإنسان الرقمي بمعية عملية الانتقال من الذكاء البيولوجي الى الذكاء الصناعي. تشتغل التصورات المستقبلية على تحدي الموت بالرفع من معدل الحياة عبر بوابة البيولوجيا الجينية وتحسين نوعية المواليد حسب معايير محددة مسبقا، تفادي الأمراض المزمنة، إيجاد حل  للعقم، تجنب إنجاب أطفال بإعاقة،  علاج اختلالات جينية مسؤولة عن عدة أمراض، والرفع من القدرات الدماغية للأشخاص استعدادا  للمنافسة وضمان البقاء في إطار صناعة مجتمعات المعرفة.

ليس من الغريب أن تتنافس الشركات الأمريكية والصينية حاليا على الظفر بخدمات أحسن الكفاءات العلمية ومحاولة احتكارها سواء بالاستمالة أو الإغراء المادي لأنها تشكل أصل عملية خلق الثروة ومعيار احداث الفارق بين الوحدات الاقتصادية.

على المستوى الاقتصادي، يسجل قيام ثورة في بنية الاقتصاد العالمي تهم النموذج والهياكل والفاعلين.

حقيقة يقوم الاقتصاد المعرفي على المعرفة والبحث العلمي وخلق الثروة من خلال مردودية الشركات العملاقة في الميدان التكنولوجي التي تعلو سلطتها فوق باقي السلط ويحدد أداؤها نوعية القوي والضعيف وتعمق الفجوة بينهما.

من النافل القول أن الولايات المتحدة الأمريكية والصين يتنافسان على الريادة الاقتصادية العالمية ويحتكران عملية استشراف المستقبل في ظل عجز أوربا عن مجاراتهما وإقصاء البقية العاجزة والمغلوب على أمرها.

على المستوى السياسي، صارت شركات الذكاء الاصطناعي من أهم المحددين للعملية السياسية والمؤثرين في صناعة القرار. إذ أنه باعتبار خزان المعلومات التي تمتلكه وتحتكره أضحت تلك الشركات تهدد أبجديات الديمقراطية وحرية الاختيار والتمثيلية السياسية. حيث قامت بسحب البساط من تحت أقدام السياسيين لأنها تفهم الواقع جيدا وتستشرف المستقبل بطريقة أفضل وأنجع. كما أنها بفضل قدرتها على فهم هواجس المواطن العادي ونفسيته وطموحاته تستطيع السيطرة على إدراكه والتأثير في أفكاره وتوجهاته.

قد نكون بصدد تشكل فاشية جديدة تفرض مزيدا من الرقابة والحكم المطلق وتحظى بالثقة المطلقة من طرف العامة التي كفت عن التساؤل حول: كيف و لماذا ولا تكترث إلا بتلقي الحلول السهلة والسريعة. إنها الفاشية الرقمية أيها الفاضلات والأفاضل.

على مستوى الحياة الخاصة، كما أشرنا لذلك تحظى شركات الذكاء الاصطناعي بالثقة المطلقة من طرف السواد الأعظم من الناس وغدت تخترق التفاصيل  الدقيقة من حياتنا الخاصة وتقتحم الخصوصية. تقدم الحلول لكل المشاكل وتستشار في جميع المسائل وتوجه عملية اتخاذ القرارات الشخصية وارتقت إلى مقام اليقينيات المطلقة في حياتنا اليومية إذ أنها تتدخل حتى في العلاقات العاطفية والزوجية التي تدار من طرف شركات مواقع التواصل الاجتماعي.

 هل هناك إذن من حديث عن الاستمتاع بحرية التفكير والتعبير وبناء التصورات والقناعات في ظل وضع يميل إلى العبودية الرقمية ومصادرة جميع الحقوق الفردية؟

تظل معظم الأسئلة قائمة وجميع التصورات ممكنة مادام المجهول ممتدا في الزمان رغم محاولة مصادرته وتشكيله من طرف الجبابرة الاقوياء.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. مقال عظيم وفيه تحذير للبشرية الرعناء. ثم ان عمق الذكاء الاصطناعي يكمن ياسادة في عمق غباء الشعوب التي تستقبل هذه التكنولوجيا. وشاهت وجوه المتظاهرين الذين يقودهم الفيس بوك وتحية من عراق المقاومة لكل ام فلسطينية قادمون يا امي رغم الذكاء الاصطناعي الفاشي

  2. مقال متميز كما العادة لاستاذنا القدير عزيز أشيبان .واصل ثم واصل.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here