عزيز أشيبان: من المدينة النكرة إلى المدينة الفاضلة: حكم الإقلاع من تجربة “سنغافورة”

عزيز أشيبان

رغم تميز الفكر الديمقراطي الليبرالي الغربي من خلال نجاح تجربته الحداثية وسموها إلى درجة النموذج المرجع في التنمية، إلا أنه هناك بعض التجارب  التي شقت طريقها نحو التقدم وفرضت إرادتها وانتزعت حقها في فرض كيانها وشخصيتها بين دول العالم، مستفيدة من تجارب  الآخر لكن محافظة على خصوصية الذات والتجربة و فندت بذلك أطروحة الغربنة كسبيل أوحد لبلوغ النهضة.

كلما ذُكر اسم سنغافورة إلا وأبدى المستمع الانبهار والإعجاب والاحترام لتجربة متميزة ينهال منها المستعمر القديم نفسه قبل باقي الدول. عند دراسة التجربة التنموية لهذا البلد، يستشف تحقيق التجربة لمنجزات خيالية خلال مدة قصيرة أهلتها لانتزاع صفة “المدينة الفاضلة”.

من خلال عملية الإقدام على إجراء مقارنة بسيطة بين وضع البلد عند الاستقلال والعهد الحالي تتبين وبجلاء هذه الطفرة و تنحو بنا إلى تدبر عدة تساؤلات.

 تم انفصال سنغافورة عن ماليزيا سنة 1965 وكان البلد حينئذ  يئن تحت وطأة سلسة مفرغة من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. يمكن سرد بعض المظاهر على سبيل المثال لا الحصر:

  • افتقاد البلد للمؤسسات وثقافة قيم المجتمع المدني

  • دولة صغيرة ذات نسيج اجتماعي قابل للاختراق لتعدد الأجناس والديانات في بؤرة وسط جنوب شرق آسيا حيث مطامع قوى مجاورة تطوق البلد من كل جانب.

  • افتقاد البلد للموارد الطبيعية و المساحة والموارد البشرية المؤهلة

  • بطالة متفشية

  • ثلثي الساكنة تستقر بدور الصفيح

  • بنية تحتية هشة …

حاليا:

  • من الأقطاب المالية العالمية

  • من أكثر البلدان جاذبية للاستثمارات  الخارجية

  • من أحسن أنظمة التعليم

  • من أحسن البلدان بخصوص الخدمات الصحية

  • نسبة محدودة بخصوص تفشي الرشوة

  • يصنف البلد بين الأقوى عشر دول العالم من حيث القدرة الشرائية

  • من أنظف دول العالم

  • معدل جريمة منخفض

  • خدمات نقل عمومي مثالية

  • نسبة بطالة متدنية لا تتجاوز 2 %

  • تحقيق فائض ميزانية سنوي مستدام

  • 90 % من السكان يملكون السكن من خلال برامج سكنية تشرف عليها الدولة

  • معدل العيش يصل إلى 83 سنة

  • من أحسن البلدان للاستقرار و العيش

  • ميناء سنغافورة هو الأكثر حركية وكثافة في العالم

ما سر طفرة الانتقال بين الوضعين المتناقضين خلال ثلاثة أو أربع عقود من الزمن؟

من المؤكد أنه حدثت ثورة جذرية تخللتها إجراءات عميقة حولت الطموح إلى حقيقة. ليس لنا إلا خيار تسليط الضوء على أهمها لصعوبة حصرها واختزالها في مقالة، نركز على ما يلي:

العامل النفسي

بخصوص الجانب النفسي، يتمثل العامل التحفيزي الرئيسي في رغبة المواطنين في إثبات الذات وفرض شخصية البلد، بعد سنوات الاستعمار البريطاني وبعده الحكم الماليزي، ومسايرة حركية وطموحات الجيران خصوصا اندونيسيا وماليزيا  لبناء وتثبيت الأمن القومي للبلد.

الاستقرار السياسي وحضور القيادة الرشيدة

من النافل القول أن مسار الإقلاع يتطلب الشروع في تهيئة القابلية لذلك من خلال تحقيق الاستقرار السياسي وهو ما تم بتبني مقاربة رئاسة منتخبة  ونظام برلماني يضمن تمثيلية جميع الأطياف والفاعلين من المعارضة والمجموعات المستقلة على اختلاف أجناسها لضمان تعدد الآراء. كما أن القاطرة التنموية وجدت ربانا رشيدا في شخص ليي كوان يو أول رئيس وزراء بعد الاستقلال، والذي استمر على رأس الإدارة والتدبير على مدى 31 سنة بمعية حزب العمل الشعبي.

بناء المواطن المؤهل لرفع تحدي التنمية

قد نقع عند مقولة شرح الواضحات من المفضحات إذا ذكَّرنا بمحورية الاستثمار في الرأسمال البشري القادر على المشاركة في الإقلاع وخلق الثروة، لكن لن يكتب لأي تجربة تنموية النجاح عند إهمال التركيز على الفاعلين في حركيتها. جعلت الحكومة مسألة التعليم من أولويات مسار البناء وخصصت الموارد اللازمة لذلك، وركزت على فلسفة بناء سلوك عقلاني منضبط مقنن بالصرامة والتحفيز والامتثال المطلق لسلطة القانون، إذ يقنن القانون كل تفاصيل السلوك الفردي مهما بدا تافها أو عرضيا. كما باشرت عملية إنشاء المعاهد التقنية وأداء تكاليف الاتفاقيات الدولية لتأهيل اليد العاملة خصوصا في مجالات التكنولوجيا العصرية.

التأسيس لاقتصاد متين وعصري

واجهت القيادة عند الاستقلال عدة تحديات اقتصادية تمثلت في بناء قطاع اقتصادي قوي في بلد يفتقد للمعرفة والمهارة والممارسة الصناعية و مصادر التمويل. لكن حضرت الرؤية والعزيمة لتحويل البلد إلى قطب مالي عالمي يضاهي اكبر الأقطاب العالمية. قد تكون مسالة الافتقار إلى الموارد وعدم النجاح في الحصول على المساعدات الدولية حافزا في التحرك والاعتماد على النفس في رفع التحدي عوض الاتكال على ما هو متوفر ومتاح ممّا يحول البلد إلى نظام  ريعي فاسد وجائر.

 تم العمل بكد على تهيئة بنية اقتصادية لتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي بالاستفادة من الموقع الاستراتيجي للبد خصوصا على المستوى التجاري و تمكنت الحكومة من بناء بنية تحتية قوية معتمدة على التمويل الذاتي، تأهيل الصناعة السياحية، زرع إصلاحات عميقة تخص التشريع القانوني والفكر الاقتصادي حيث اجتهدت في سن قوانين مرنة لإصلاح النظام الضريبي وتشجيع المبادرة الفردية لبث الحركية في البلد وتشجيع الفكر الإنتاجي وخلق الثروة.

ممارسة قيم المساءلة والشفافية و الاستحقاق والجدارة

هناك من يمتلك الموارد والكفاءات لكن عملية التدبير تبقى مفلسة بغياب قيم الشفافية والنزاهة. لذلك تفوق التدبير الحكومي في فرض قوة تطبيق القانون، ترسيخ قيم الشفافية والمساءلة لدى المواطنين وجعل قيمة الاستحقاق والجدارة وتكافؤ الفرص معيار التكليف، كما تم تبني مقاربة تضمن توازنا مرنا بين الحريات الفردية والمصلحة الجماعية خدمة للبلد ومستقبله.

عندما يشهد لك الأنداد و الخصوم بالكفاءة والتفوق، وتفتخر القيادة بالاستثمار للأجيال القادمة عوض إثقال كاهلهم بالديون فاعلم أنك تتحدث عن المدينة الفاضلة  “سنغافورة”.

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. هناك من يمتلك الموارد والكفاءات لكن عملية التدبير تبقى مفلسة بغياب قيم الشفافية والنزاهة. لذلك تفوق التدبير الحكومي في فرض قوة تطبيق القانون، ترسيخ قيم الشفافية والمساءلة لدى المواطنين وجعل قيمة الاستحقاق والجدارة وتكافؤ الفرص معيار التكليف، كما تم تبني مقاربة تضمن توازنا مرنا بين الحريات الفردية والمصلحة الجماعية خدمة للبلد ومستقبله.

    ما لا نمتلكه في أغلب الدول العربية .
    شكرا

  2. سيد عزيز . بما انك مهتم بتجربة سنغافوره التنمويه الناجحه والمبهره كما توصف في حميع انحاء العالم . نأمل منكم ان امكن اعداد دراسه ميدانيه شامله من ارض الواقع تحيط وبعمق بخصائص النهوض السنغافوري من حيث العقبات والتحديات وكيقية الخروج والنهوض المثير وعن امكانية الاستفاده في دولنا العربيه من عبقرية الانجاز السنغافوري .

  3. التربية والتعليم،التربية والتعليم ثم التربية والتعليم ومن تم إلى باقي المجالات الحيوية كالاستثمار في العامل البشري وتدعيم أسس الصناعة والإستثمار وليس البدأ بالكماليت…

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here