عزيز أشيبان: ما يستنبط من عبر من استقالة تيريزا ماي

 

 

عزيز أشيبان

كما كان متوقعا انسحبت السيدة تيريزا ماي من تحدي تمرير اتفاق البريكست وأعلنت استقالتها من ريادة حزب المحافظين ورئاسة الحكومة البريطانية. اعترفت بالفشل في التوصل إلى توافق حول صيغة خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوربي رغم تقديمها ثلاثة اقتراحات قوبلت جميعها بالرفض، وربما لم تجد الصدر الرحب والعقلانية المطلوبة أمام طوباوية وعجرفة أعضاء البرلمان البريطاني في فترة حرجة تمر بها البلاد.

حقيقة من الصعب إرضاء الشعب البريطاني لأن سقف مطالبه مرتفع وتتمحور تطلعاته حول استدامة نمط عيش معين ومتميز عن الآخرين ولا تنحصر طموحاته فقط في الشغل والسكن. الخصوصية الثقافية عند الانجليز ترقى إلى مرتبة المحدد المفصلي في الرؤية المستقبلية أكثر منه من المحددين الاقتصادي والاجتماعي، إذ يشتغل العقل الانجليزي وفق حمولة تاريخية طويلة وارث ثقافي متجذر في الوعي الجماعي ونفسية مركبة صعبة  الفهم والتفكيك تتميز بالأنفة والكبرياء، الثقة في النفس، الحق التاريخي في الريادة، والتميز عن الآخر وعدم الانصياع له… كل هذا يتضح من خلال قرار الإنجليز الانفصال عن التكتل الأوروبي والانكباب على بناء وترميم شخصيتهم وكيانهم الذاتي والانطلاق من جديد والتوسع.

يمكن استنباط عبر متعددة وعميقة من استقالة رئيسة الحكومة البريطانية، نركز منها على ما يلي:

  • أبدت السيدة تيريزا ماي الشجاعة عند استلامها لمسؤولية قيادة الحكومة والإشراف على عملية الطلاق عن أوربا خلفا لديفيد كامرون في يوليوز 2016 وأبدت نفس الشجاعة عند الانسحاب دون الاحتكام إلى غرائز التعدد بالنفس  والأنانية والتعنت.

  • تمكنت السيدة تيريزا ماي من تحقيق بعض الانجازات رغم قصر المدة التي قضتها في رئاسة الحكومة إذ تم التخلص تقريبا من العجز في الميزانية، تخفيض قيمة الدين الداخلي، وضع حد لسياسة التقشف والانفتاح على مطالب الشباب من خلال التركيز على خلق مناصب الشغل وتوفير السكن رغم الظروف الصعبة التي يمر بها الاقتصاد البريطاني، مما يبرهن على وجود إرادة سياسية وعزيمة ورباطة الجأش للخروج بالبلد من الأزمة وبأقل الأضرار.

  • إبداء الاحترام التام للمؤسسات والاختصاصات ولا مجال  للارتجال والقرارات الآنية التزاما لرغبة الشعب الذي يقرر مصيره بيده ودون وصاية.

  • عدم تمريغ الايدولوجيا أو العقائد في السياسة لدغدغة عواطف الشعب والتحايل على مطامحه، بل تبقى مصالح البلد ومواطنيه هي المحرك الأساسي للنشاط السياسي.

  • الاعتراف بما قدمه الأسلاف والالتزام بضرورة مواصلة المشوار، مما يدل على الانخراط المستمر في مشاريع العمل السياسي رغم تعاقب الأشخاص. تحظى المشاريع والمخططات والمصلحة الوطنية بالأولوية القصوى ولا يحظى الأشخاص بالتقديس.

  • غادرت السيدة تيريزا ماي المنصب بالدموع واعترفت بالفشل رغم المحاولات المتكررة واحترمت إرادة الشعب،وقد يجسد الحدث مثالا للسياسي الذي يجد عقيدته في خدمة شعبه وعندما يستشعر الرفض أو السخط ينسحب بأدب وكرامة.

  • الإيمان الفعلي بالتغيير لضخ الحيوية ومحاولة فتح الآفاق عند انسدادها.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

6 تعليقات

  1. To
    jaafar الجنابي

    If elected, Boris Johnson’s ‘hard Brexit’ will be rejected by the EEC
    British Parliament will not allow him to leave with ‘no deal’ leading to a general election which Mr Corbyn is expected to win before the end of this year

  2. المشكلة هي ترك المتصهينة مي من رئاسة الوزراء لبورس جونسون كاره العرب والمسلمين …الحل هو انتخابات جديدة واستلام كوربن سداد الحكم

  3. إنها سلفا الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس! شكرا على هذا المقال التنويري الذى على قوادنا قراءته والتمعن فيه لعلهم يحيون بعض الشيء عن عنهجيتهم الرعناء.

  4. The problem with Mrs May is her aloofness and lack of interaction with her colleagues. She failed to steer Britain out of Europe due to her obstinate ‘my deal or no deal’ attitude. In her previous job as Home Secretary, she presided over the infamous ‘hostile environment policy’ towards immigrants which inflicted a huge suffering on Caribbean immigrants who had been legally settled in the UK for decades. As a Prime Minister, she displayed a blatant lack of compassion by not meeting the surviving victims who lost family and friends in the horrific Grenfell Tower fire. She met a delegate much later and only after a huge criticism of her earlier no-show attitude. Shockingly, after only a few days into her premiership, she attacked the outgoing Secretary of State John Kerry for criticizing Israel’s illegal settlements. Not long after that she attended Israel’s centenary celebration of the ill-fated Balfour Declaration without any thought for the millions of the Palestinians who were dispossessed and displaced as a result of that ill-fated declaration. May be Mrs May has got her just reward

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here