عزيز أشيبان: ما يستشف من تسابق الكبار نحو الإعلان عن التوصل إلى لقاح ضد فيروس كورونا

عزيز أشيبان

يتواصل مسلسل إعلان بعض الدول عن التوصل إلى لقاح فعال ضد فيروس كورونا بعد عمل شاق في وقت وجيز من أجل إنقاذ الشعوب من حالة الهلع التي استقرت في النفوس واسترجاع الأمل والثقة في النفس وإعادة الحياة إلى مجراها الطبيعي الاعتيادي لكن باستيعاب الدروس والعبر.

من المؤكد أن العمل تم في ظل وجود ضغوط رهيبة من قبيل عامل ضيق الوقت، عمق المخلفات المادية والنفسية للجائحة على الناس، نوعية التجربة بالنسبة للأجيال الحالية (سمعنا وقرأنا عن الأوبئة لكننا نفتقدها كتجربة)، وواقع المنافسة والتسابق مع الغير.

ربما يعكس هذا التسابق في الإعلان عن النجاح في إنتاج اللقاح عن واقع تراتبية القوى العظمى في العالم ونوعية نمط عيش المستقبل ويسلط الضوء على بعض الحقائق.

على مستوى العلاقات الدولية

ترقى تجربة التوصل إلى لقاح فعال إلى قضية أمن قومي واستقلالية وكرامة وإبراز الذات في واقع الشرعنة الدولية التي لا تقيم وقارا للضعيف المعدوم وجردت العلاقات الدولية من جميع الأخلاقيات والأعراف وقدست المصالح بالطرق الشرعية والغير الشرعية وجردتها من جميع الاعتبارات الانسانية  واستباحت الأرواح وقطع الأرزاق وتهجير الشعوب وزرع الفوضى ومأسسة العنف والترهيب.

العلم يعلو ولا يعلى عليه

انتقلت المجتمعات المتقدمة إلى عهد ما بعد الحداثة وارتقت إلى مجتمعات معرفة حيث تقدس المادة الرمادية وتصنع الشعوب وتستثمر الهمم والطموحات في بناء تصورات المستقبل. حقيقة، تستأثر المعلومة بقيمة معنوية ومادية غير مسبوقة لأنها المحدد الرئيسي للفوارق بين الغني والفقير، بين المنتج والمستهلك، بين النشيط والمتقاعس بين المتحرك والجامد. مجرد عملية إلقاء نظرة سريعة على نوعية أولويات الكبار وميزانية البحث العلمي لديهم وقرب موقع العلماء من صناعة القرار تؤكد حساسية وظيفة البحث العلمي واستقراره في قلب المخططات المستقبلية. ليس من الغريب أن تتصدر الدول الأكثر انفاقا على البحث العلمي والأكثر إنتاجا للمقالات والدراسات العلمية قائمة الدول التي توصلت إلى إنتاج اللقاح.

تحرر العلم من جميع القيود وأضحى ثقافة ونمط عيش بعد قرون من العمل الجاد والإنتاج الفكري التنويري وتضحيات علماء وفلاسفة وهبوا أرواحهم لخدمة العلم والإنسانية و الشروع في تهيئة البيئة السليمة لنموه ونشاطه، فانتقل بذلك العلم من مهانة الازدراء إلى سمو التقديس.

بعد كسره لجميع القيود وعمليات الاحتواء والتهميش أصبح للعلم سلطة من رحمها تنبعث جميع السلط.

العلاقة الودية مع الطبيعة

تمكنت القوى العظمى من سبر أغوار الطبيعة والتعمق في فهم أسرار ها والتعامل مع خصائصها وتوظيف كنوزها في خدمة الإنسان والارتقاء بنمط عيشه. ثمة فهم عقلاني للمادة بسبب تعمق العلوم وتوغل التخصص وعقلنة التعاطي مع التفاصيل بالمقاربات العلمية الصرفة وإقصاء الأسطورة والخرافة والتراث الثقافي المميت.

نوعية ذخيرة القيم المجتمعية

تمتلك هذه الأمم إرادة فولاذية لا تؤمن بالمستحيل وتقوم بتحويله إلى ممكن ومتاح مثلما تقوم بتطويع المجهول وتشكيله في قالب مستقبل معيش وفق تصور عقلاني بعيد عن العواطف والأساطير والأوهام. مادام هناك عمل وإرادة ورؤية مستقبلية فالامل يصنع  ويصير واقعا ملموسا.

الحاجة المستمرة إلى إعادة بناء المفاهيم

ثمة حاجة ملحة إلى عملية مستمرة تخص إعادة بناء  المفاهيم لفهم الحاضر والانخراط في المستقبل والإسهام في الحركية الدولية ومحاولة إيجاد موقع بين الدول والتحول نحو الإنتاج والإبداع. كيف يمكن الدخول في المنافسة مع دول الشمال بأنساق فكر الأجداد ومفاهيم قرون خلت؟

في المنطقة العربية، تستعمل جميع مقومات البلد سواء المادية أو البشرية في استدامة الوضع القائم ومقاومة كل بوادر التغيير أو الإصلاح بوأدها في المهد وتتكفل المقاربة الأمنية بإيجاد الحلول لجميع المشاكل وتتسيد وزارة البعبع جميع المؤسسات وتحتكر جميع الصلاحيات والسلط من أجل الاستمرار في إنتاج الاخفاقات ومراكمة الخيبات وتعميق قيم الذل والهوان والتقاعس والانشطار عن خلايا الإقلاع والتنمية والكرامة.

 (كاتب مغربي)

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here